إعجاز السنة النبوية في اختيار الصحبة الطيبة

بقلم: د. ياسر جعفر

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي)).. يا سلام على تعاليم الإسلام وعلى نصيحة الرسول العظيم، صاحب الخلق الكريم، صاحب أعظم رسالة، صاحب رسالة الإسراء والمعراج، صاحب الكنوز العلمية في جميع المجالات وعلى جميع الأصعدة؛ لك الحمد ربي حمداً يليق بعزتك وقدرتك على نعمة الإسلام! .
ففي الحديث الشريف الذي نحن بصدده؛ حديث رائع ويحذرك من مخاطر ومشاكل ومصائب وكوارث ووجع رأس أنت في غنى عنها!! لازم تخضع إلى نصيحة رسول الإنسانية صلوات ربي وسلامه عليه لكي تتجنب المشاكل!! وياما فيه بيوت “اتخربت” بسبب أصحاب السوء، وياما حدث طلاق “واتشردت” أسر بسبب عدم اختيار الصحبة المحترمة، وياما حدث نصب وخيانة بسبب صحبة السوء، وياما حدث أكاذيب وافتراءات بسبب صحبة السوء وعدم الاختيار الصحيح لها، وياما فشل طلاب من أفضل الطلاب في الدراسة في الجامعات والمدارس بسبب صحبة السوء.
ولذلك اهتم رسول الإنسانية محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- بالاختيار الصحيح للصحبة المؤمنة، و(لا يأكل طعامك إلا تقي) لكي لا يحسد ولا يحقد، وبعد الأكل يدعو لك بالبركة والستر، وأن يوسع عليك ويرزقك الله من حيث لا تعلم! أما صاحب السوء يأكل طعامك ويحقد عليك ويحسدك وينم ويغتاب! .
مع العلم أن إطعام الطعام شيء رائع وجميل وأثره على الإنسان طيب، ففي جوهر الحديث يحذر من جلب المشاكل والمصائب، وينظر الرسول إلى ما فيما بعد، وألا يستهين الإنسان بالصحبة في الاختيار. وربما يسأل القارئ: كيف أعرف وأفرق بين المؤمن وغير المؤمن؟؟! أنا بشوف فلان بيصلي وبيصوم سوف أحكم عليه بالظاهر!؟ .
شوف أخي الفاضل؛ انظر إلى وجهه، فإذا وجدت فيه الصلاح والسمو والراحة، وأنه لا يشتكي من أحواله ويكثر من الشكوى وعنده إحباط، وإذا أقرضته مبلغاً وأداه لك -وهذا اختبار قوي- فاعلم أنه إنسان محترم!! لأن الظاهر غير الباطن، ولكن يظهر معدنه في الشدائد وإذا أقرضته مبلغاً من المال!! .
حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- حديث من الطب الوقائي للنفوس الضعيفة والمريضة! إنَّ رفقاء السوء هم سببٌ لإفساد أخلاق الإنسان؛ فالإنسان عندما يُحاط برفقة سوء يتأثّر بهم بشكلٍ كبير، بسبب حثّهم المستمر له على ارتكاب الذنوب والمعاصي. كما أنَّ النفس الإنسانية بطبعها تتأثّر بشكلٍ كبير بما يطرق مسامعها ويداعب تطلّعاتها وشهواتها من الكلام الذي يزيّن الباطل والعبارات المنمّقة التي تؤثّر فيها.
إنَّ رفقة السوء قد تؤدّي بالإنسان إلى الهلاك والضياع؛ فكثيرٌ من رفقاء السوء يجعلون الإنسان يرتكب أموراً قد تنعكس آثارها سلباً عليه في حياته، فالمخدرات على سبيل المثال هي من نتائج رفقة السوء، حيث قد تؤدّي إلى تدمير مستقبل الإنسان ولزوم السمعة السيئة به في حياته.
إنَّ رفقة السوء تؤدّي إلى تدمير الحياة الشخصية والاجتماعية للإنسان؛ فالناس عندما يرون الإنسان يتتبّع طرق السوء ويسلكها، ويصاحب الأشخاص السيئين تراهم يبتعدون عنه وينفرون منه؛ مما يؤدّي إلى عزلته في المجتمع الذي يعيش فيه!! .
كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم حريصاً على تعليم أمَّته ما ينفعها في دينها ودنياها، وما يحفظ عليهم علاقاتهم الطيبة، وكان يحضُّ على التواصل والتوادِّ والتصاحب بين المسلمين، وهذا الحديث توجيهٌ وإرشادٌ نبويٌّ لمن أراد سلامة نفسه وبيته وعلاقاته مع الناس.
وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تصاحِبْ إلَّا مؤمناً”، أي: لا تتخذ صاحباً ولا صديقاً إلا من المؤمنين؛ لأنَّ المؤمن يدلُّ صديقه على الإيمان والهدى والخير، ويكون عنواناً لصاحبه، وأمَّا غير المؤمن فإنه يضرُّ صاحبه. 🌲
“ولا يأكلْ طعامَك إلا تقيٌّ”، أي: المتورِّع؛ والمراد: لا تدع أحداً إلى طعامك وبيتك إلا الأتقياء؛ فإنَّ التقيَّ يتقوَّى بطعامك على طاعة الله، وإذا دخل بيتك لم يتطلع إلى عوراتك، وإذا رأى شيئاً ستره عليك، أمَّا غير الأتقياء من الفاسقين فهم على العكس من ذلك؛ فإنَّ الإطعام يُحدث الملاطفة والمودة والألفة، فيجب أن يكون ذلك للمؤمنين والصالحين. 🍃
وفي الحديث: النهي عن اتخاذ الأصحاب من الفسقة، والأمر باتخاذهم من الأتقياء المؤمنين.
وفيهِ: النَّهيُ عن دَعوةِ الفَسقةِ إلى الطَّعامِ، والأمرُ بدَعوةِ الصالحينَ إليه!!! .
فإن الإنسان في هذه الحياة لابد له من مخالطة الناس، واتخاذ بعضهم جليساً له، وعوناً على مشاكل الحياة، ولكن الناس متفاوتون في أخلاقهم وطباعهم؛ فمنهم الخيِّر والفاضل الذي يُنتفع بصحبته وصداقته، ومجاورته ومشاورته، ومنهم الرديء الناقص العقل، الذي يُتضرر بقربه وعِشْرته وصداقته، وجميع الاتصالات به ضرر وشرٌّ ونكد؛ ولذا يقول -صلى الله عليه وسلم- في وصف بني آدم واختلافهم: ((إن الله تعالى خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ جاء منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسَّهْل، والحَزْن، والخبيث، والطيب، وبين ذلك))؛ [رواه أحمد، وأبو داود، وغيرهما].
إذا عُلم هذا أيها الإخوة؛ فاعلموا أن كثيراً من الناس إنما حصل له الضلال وجميع المفاسد بسبب خليله وقرينه؛ ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل))؛ [رواه أحمد، والترمذي، وغيرهما].
فما من شيءٍ أدلُّ على شيءٍ من الصاحب على صاحبه!!! فالإنسان مجبولٌ على الاقتداء بصاحبه وجليسه، والطباع والأرواح جنودٌ مجندةٌ كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري: ((الأرواح جنودٌ مجندةٌ، فما تعارف فيها ائتلف، وما تناكر منها اختلف))؛ فإن بعضها يقود إلى الخير، وبعضها يقود إلى الشرِّ!! .
وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما بعث الله من نبيٍّ، ولا استخلف من خليفةٍ، إلا كانت له بطانتان: بطانةٌ تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه، وبطانةٌ تأمره بالشرِّ وتحضُّه عليه، والمعصوم مَنْ عَصَم اللهُ))؛ [رواه البخاري].
ويقول أيضاً في حديث آخر: ((إذا أراد الله بالأمير خيراً؛ جعل له وزيرَ صدقٍ؛ إن نسي ذكَّره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك؛ جعل له وزيرَ سوءٍ؛ إن نسي لم يذكِّره، وإن ذكر لم يُعِنْهُ))؛ [رواه أبو داود والنسائي].
وعن وَدِيعَة الأنصاري قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول وهو يعظ رجلاً: “لا تتكلم فيما لا يعنيك، واعتزل عدوَّك، واحذر صديقك، إلا الأمين، ولا أمين إلا من يخشى الله عزَّ وجلَّ ويطيعه، ولا تمش مع الفاجر فيعلِّمك من فجوره، ولا تطلعه على سرِّك، ولا تشاور في أمرك إلا الذين يخشون الله سبحانه”.
ووعظ بعضهم ابنه، فقال له: “إياك وإخوان السوء؛ فإنهم يخونون مَنْ رافقهم، ويفسدون من صادقهم، وقُرْبُهم أعْدَى من الجَرَب، ورفضهم والبعد عنهم من استكمال الدين والأدب، والمرء يعرف بقرينه، والإخوان اثنان: فمحافظ عليك عند البلاء، وصديقٌ لك في الرخاء؛ فاحفظ صديق البلية، وتجنَّب صديق العافية، فإنهم أعدى الأعداء”.
وقد حذَّرنا الله من مجالسة أهل السوء، ونهانا عن الجلوس في مجالسهم التي تنتهك فيها الحرمات، فقال سبحانه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: 140].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 68].
وأخبرنا سبحانه عن حال هؤلاء الجلساء وبراءة بعضهم من بعض في الآخرة، فقال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67].




