دكتور ياسر جعفر يكتب: نحن نعيش في السنوات الخداعات!!

نعم نعيش في سنوات خداعات! فيها الخداع كثير! فيها تتقلب الموازين! فيها الفتن العظمى! فيها خداع الأصحاب والأحباب بالكذب والنفاق! فيها تتقلب الموازين والحقائق! فيها يطغى الباطل على الحق! وفيها يطغى السفهاء من صغار القوم؛ يظهرون على الساحة في كل مكان وعلى جميع الأصعدة! وفيها يأتمن الخائن! .
كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ. قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ» (الراوي: أبو هريرة | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح ابن ماجه | الصفحة أو الرقم: 3277 | خلاصة حكم المحدث: صحيح).
وفي رواية أخرى: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ؛ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ. قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ» (الراوي: أنس بن مالك وأبو هريرة | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الجامع | الصفحة أو الرقم: 3650 | خلاصة حكم المحدث: صحيح).
الدنيا دار ابتلاءات ومحن، والحصيف من تحرز لنفسه ولدينه؛ حتى لا يقع في الفتن، ولينجو منها، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم سبل النجاة من هذه الفتن.
وفي هذا الحديث:. قولُ أبو هريرةَ رضي اللهُ عنه: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ»؛ لِما سيظهرُ بها من قلبٍ وتزييفٍ للحقائقِ، حتى فيما يجبُ على الإنسانِ ألّا ينخدعَ فيه، «يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ»، وهذا من تبدلِ الأحوالِ وانقلابِها ومن خداعِ الدنيا؛ حيث ينتشرُ الكذبُ والخيانةُ ويعتبرانِ هما الحقيقةَ، وينحصرُ الصدقُ والأمانةُ فيعتبرانِ ترفاً، أو يُكذَّبُ من قال الصدقَ ويُخوَّنُ من أدى الأمانةَ؛ لأنهما أصبحا نشازاً في جسدٍ مريضٍ، لا يستطيبُ الطيبَ، بل يقبلُ الخبيثَ ويستسيغُه.
ويدخلُ في تضييعِ الأمانةِ: ما كان في معناها مما لا يجري على طريقِ الحقِّ؛ كاتخاذِ الجهالِ علماءَ عند غيابِ أهلِ العلمِ الحقِّ، واتخاذِ ولاةِ الجَوْرِ، وحكامِ الجورِ عند غلبةِ الباطلِ وأهلِه.
ثم قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ»، والرجلُ التافه هو: الرذيلُ والحقيرُ، والرُّويبضةُ تصغيرُ رابضةٍ، وهو العاجزُ الذي ربضَ عن معالي الأمورِ، وقعدَ عن طلبِها.
وفي الحديثِ: عَلَمٌ من أعلامِ النبوَّةِ؛ لأنه عليه السلام ذكر فساد أديان الناس، وتغيُّر أماناتهم، وقد ظهر كثيرٌ من ذلك!! فبيَّن صلوات الله وسلامه عليه أنه بين يدي الساعة تتغير الأحوال، وتتبدل المفاهيم، وتنقلب الموازين.. ويعيش الناس في خديعة كبيرة، لا يعرفون صادق الناس من كاذبهم، ولا أمين القوم من خائنهم!!!
(اختلال الموازين)
إنه لم يخلُ زمان من تصديق كاذب أو تكذيب صادق، أو ائتمان خائن وتخوين أمين. فقد كان فرعون صاحب أكبر كذبة في الوجود، عندما قال للناس: «أنا ربكم الأعلى»، ودعا الناس لعبادته، وزعم أنه يريد الخير لهم والصلاح، وكان موسى أصدق من مر على أهل مصر وبني إسرائيل، وأنصحهم وأخلصهم لهم.. ومع ذلك صدق الناس فرعون وكذبوا (موسى).
وكان مؤمن آل يس أكثر قومه أمانة لهم ونصحاً لهم، حين أمرهم أن يتبعوا المرسلين، ونصحهم بطاعة رب العالمين. فقالوا: “عميل خائن، تعمل لجهات خارجية، وتتآمر لقلب نظام الحكم”، وقتلوه.. فما زال ينصح لهم بعد موته: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}. فخوَّنوه وهو الأمين، وكذَّبوه وهو الصادق.
فما خلا الزمان من تأمين خائن وتخوين أمين، ولا تصديق كاذب وتكذيب صادق، لكن الذي تحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم شيء غير هذا.. إنه اختلال تام، وانتشار الأمر وفشوه، حتى يصبح سمة عامة وعلامة مميزة لأهل ذلك الزمان.. فيتجلى الكرب، ويدلهم الخطب، وتكثر الفتن والبلايا، وتعظم المحن والرزايا. إنه واقع أقرب ما يكون لواقعنا، ليس على مستوى بلد أو وطن، بل على مستوى الأمة بأكملها؛ أمة العرب، وأمة الإسلام.
انظروا فقط إلى الأحداث والوقائع، واسمعوا إلى الإعلام، وتابعوا؛ لتروا الأهوال وانقلاب الموازين وتغير الأحوال على جميع المستويات. فالصادق الأمين يقال عنه كاذب خائن، والكذاب الأفاك يقال عنه أمين صادق. والناصح المخلص يُسجن ويُهان ويُدان.. والعميل الخائن يُصفق له ويُرفع ويُصان؟! المؤمن التقي إرهابي متخلف.. الفاجر الفاسق الشقي إنسان شريف ومواطن صالح. المرأة العفيفة المتسترة يُخوف منها ويُحذر، والعارية المتبذلة المتفسخة داعية تقدم وتحرر.
هل سمعتم أو قرأتم أحداً تكلم عن العري والسفور وأثره على الشباب والمجتمع؟ كل المقالات والكلام عن المحجبات والمنقبات، وأن “النقاب ليس من الدين”، وأن “العاريات أطهر وأكثر ثقة في النفس من المنقبات”.. إلى آخر هذا الهراء.. وكأن العري هو الحضارة والعفاف والشرف والدين، وكأن الله في كتابه أمر النساء بالتعري لا بالتحجب والستر والتعفف.
هل سمعتم أو قرأتم عن أحد تكلم عن ممثل فاجر، أو فيلم داعر، يدعو الشباب للفجور والفتيات للسفور والكل لشرب المخدرات والخمور؟ أو عن أفلام تدعو للإجرام والبلطجة والعربدة؟ هل تكلم أحد عن هذا؟ أم أن الهجوم على حلقات التحفيظ، وأهل المساجد، وقفل المساجد بحجة “كورونا”! وتعطيل الحج والعمرة بحجة “الفيروسات”! وتُفتح جميع النوادي في كل مكان! وجميع وسائل الترفيه ليل نهار؟! ويُفتح المجال لأهل الفسق وسفهاء البشر! والمؤسسات الخيرية التي تعين المحتاجين، وتساعد الأيتام والأرامل والمساكين، ومراكز الدعوة التي تدعو إلى دين رب العالمين؟..
ولم يعد التحذير من المؤسسات الخيرية شعاراً للكفار والمشركين ـ حاشا ـ لكنه أصبح ديدناً لمن يزعمون أنهم مسلمون، يدعون لمحاصرة هذه المؤسسات ومراقبة المساجد والمصلين.. ويستعدون الصليبيين على المسلمين، ويخوفونهم من الإسلام والمسلمين، ويحرشونهم لمراقبة المصلين، ومحاصرة المؤمنين.
بالله عليكم أين العلماء والمصلحون والدعاة المخلصون، وما هو مقامهم ومكانهم في أكثر بلاد المسلمين؟ وما هو قدرهم في مجتمعاتهم؟ ..




