دين

دكتور ياسر جعفر يكتب: “لَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ”

أي: ولا تَنقُصوا النَّاسَ مِن حُقوقِهم شَيئًا.. أمة محمد من أعظم الأمم على الإطلاق، ومن أقوى الأمم على الإطلاق، ومن أعلى وأرقى الأمم على الإطلاق؛ بشرط إذا طبقت شرع الله بتنفيذ ما جاء به رسول الإنسانية -صلى الله عليه وسلم- من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-. دينٌ يرشد البشرية إلى الخير، وإلى النور، وإلى الرحمة، وإلى الإنسانية، وإلى الخلق الكريم.

لماذا الأمة لا تطبق شرع الله؟! هل نحن “مغتبطون” بأننا أمة منكوبة وضعيفة تحتمي بالغرب؟ مع العلم أن الغرب أجبن خلق الله على الأرض، وفي الوقت نفسه أقوى خلق الله بخيانة العرب وعدم تطبيق شرع الله.

وها نحن في ظل آية من آيات الله الرائدة: ((وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ))، وهذه الآية شاملة تشمل جميع المعاملات، سواء على مستوى الفرد، أو الأسرة، أو المجتمع، أو الدولة. قانونٌ بعدم التعدي على حقوق الغير في جميع المعاملات وعلى جميع الأصعدة؛ “ليحصل كل فرد على حقه” سواء في البيع والشراء أو الميراث، وعدم “جور” الحكومات على الشعوب وأكل حقوقهم والتعدي عليها؛ لأن هذا قانون من الله “يسري” على الجميع.

بخس حقوق الناس من الفساد في الأرض، “وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ” ليس في الكيل والوزن فحسب، ولا في مجال البيع والشراء فحسب، ولا في مجال القياس طولًا وعرضًا وارتفاعًا وقطرًا ومساحةً فحسب، بل في كل شيء مما يمكن أن يكون للإنسان، ولو كان في أعين الناس حقيرًا أو أقل من القليل.

“وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ” ولو كان قرشاً أو إبرةً أو سواكاً أو حكمةً أو فكرةً أو رأياً أو جهداً أو عملاً. كم من إنسانٍ “بُخست أشياؤه” فسرقت فكرته، أو نسبت إلى غيره طريقته، أو شوهت حسداً سمعته، أو هدمت مجهوداته، أو عُوقت خطواته؟ كم من إنسان “استولى على حقوق الناس” فترقى في المناصب بما لم تكسبه يداه، وإلى أعلى الدرجات بجهود سواه، فحمد بما لم يفعل، وارتفع بما لم يعمل على من يعمل، وكتم فضل أهل الفضل، وما سُئل عنه ونسب التقصير إليهم وليس منهم، “وأنكرهم” وهم معارف وأعلى، “وأخّرهم وهم مقدمون وأوائل”، وحطّ أقدارهم وهم أهل أفضال، وأسدل على فضلهم الحجاب والستار.

“وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ” تأنيبٌ من الله للعباد؛ يذم الغش والغاشين، والخيانة والخائنين، والخداع والمخادعين، والتلاعب والمتلاعبين.

“وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ” توجيهٌ من الله -سبحانه- يعلمنا التورع عن كل شيء ليس لنا، والتعفف عن كل ما ليس من حقنا، واحترام أشياء الآخرين؛ يعلمنا أن نعدل ولو كنا كارهين، وأن لا نظلم ولو كنا قادرين. وهذا ينطبق على الحكومات التي تبخس الشعوب حقوقهم في التوظيف، وفي “التمييز” في الوظائف والمحسوبيات، حيث يُبخس أصحاب الحق والمتفوقون حقوقهم. وكذلك فإن بخس الناس حقوقهم في المناصب “يُعد من المصائب” التي ابتليت بها الأمة الإسلامية؛ فقد ضاعت الحقوق وللأسف “صارت حكراً على أشخاص معينين”، وهذا منافٍ لشرع الله ويعد من الفساد في الأرض.

“وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ” توجيهٌ رباني يعلمنا أن نقف في صف الناس حيث تضعنا أقدارنا وقدراتنا، وحيث تضعنا مجهوداتنا وأعمالنا وخطواتنا ومستوياتنا، وأن نعرف قدرنا، وأن نحب للناس ما نحبه لأنفسنا.

“وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ” تأديبٌ من الله يمسك حتى بزمام الألسنة؛ فكما لا يُبخس الناس أشياءهم “بالأفعال”، كذلك لا تُبخس أشياءهم “بالمقال”.

(أيها المسؤولون) والمديرون: لا تبخسوا الموظفين في إدارتكم أشياءهم.

أيها المعلمون: لا تبخسوا الطلاب أشياءهم.

أيها الكفلاء: لا تبخسوا العمال والمكفولين أشياءهم.

أيها الأوصياء: لا تبخسوا من استوصيتم عليهم أشياءهم.

يا أصحاب الحرف: لا تبخسوا من تعملون له أي عمل أشياءهم.

كم من إنسانٍ تجاراته ونشاطاته قائمة على “بخس الناس أشياءهم”، وهو على ما هو فيه “يُحسب” من الصالحين المصلحين، فهل ينتظر إلا حلول العقاب في أي حين؟ (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين: 4 – 6]؟

فيا أخا الإسلام: ما دمت تريد حقك وافياً، فالناس يريدون حقوقهم وافية، وما دامت “أشياؤك” عندك غالية، فأشياء الناس عندهم غالية.

إن الله -عز وجل- لا يظلم الناس شيئاً وهو القادر على كل شيء، إن ربك -سبحانه- قد جعل لأشياء الناس حرمة، وجعل لها من أي معتدٍ حماية، “فلمَ” تنتهك الحرمات؟ بأي حق تبخس الناس أشياءهم؟ بأي حق تهضمهم حقوقهم؟ أَلِأنهم في نظرك صغار أو ضعاف أو جهال أو لا يفهمون؟ أم تراهم لا يهتمون؟ أم أنهم في نظرك لا يتجرؤون؟ أم هم في رأيك لا يحتاجون؟ أم أنهم لديك مفتقرون؟ .

اسمع لربك –سبحانه- الذي (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء: 23]، يقول جَل جلاله: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الحجر: 92 – 93]؛ “فأي الخيارين تفضل”؛ أتملك المخرج والجواب أم تتحمل العقاب؟ .

“وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ” [الأعراف: 85]، صغاراً أو كباراً، عظيماً أو حقيراً، إماماً أو حكيماً، أو والداً أو ولداً، أو إخواناً أو جيراناً، أو زوجات أو خادمات.

ما أعظم هذا الدين! وما أعظم الإنصاف والعدالة في هذا الدين! وما أحوجنا إليه في كل حين!

“وسياق الآية وإن كان يدل في ظاهره على أن المقصود المباشر بـ (أشياءهم) هنا ما يتبادله الناس في معاملاتهم من المتاع، إلا أن ما يملكه الناس ويتمتعون به من أخلاق وأفكار وتاريخ؛ أولى بإقامة العدل وإنزاله في منازله من غير وكس ولا بخس ولا شطط؛ لما يترتب على الإخلال بذلك من الحقد والقطيعة والفرقة وذهاب الريح.

ولما كانت أصول دعوات الأنبياء -عليهم السلام- واحدة؛ فإن الأمر بإقامة الموازين والحكم بالعدل والإنصاف ظل الوصية الخالدة التي يوجهها كل نبي إلى قومه؛ لأنه بالعدل قامت السماوات والأرض.

وقد أوصى الله -تعالى- رسوله محمداً -صلى الله عليه وسلم- أن يعلن لأمته أمر الله له بإقامة العدل فيها، فقال: (وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) [الشورى: 15].

وأوصى المؤمنين بإقامة العدل مع الناس كافة، حتى الأعداء الذين يبغضونهم ويحاربونهم، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المائدة: 8].

وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يقوم لله بالشهادة فيعطي كل ذي حق حقه، وفي سيرته العطرة مئات الشواهد التي تفيد التزامه المطلق بإنزال الناس منازلهم، وذكر محاسنهم وميزاتهم، مهما كان انتماؤهم وحيثما كان موقعهم.”

“إنَّ بَخْسَ النَّاسِ أَشْيَاءَهُمْ لَيْسَ مَقْصُوراً عَلَى البَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَمَا يَتَعلَّقُ بِهِمَا مِنْ مَكَاييلَ وَمَوَازِينَ ومَقَاييسَ، بَلْ يَعُمُّ كُلَّ مُعَامَلَةٍ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَأَخِيهِ الإِنْسَانِ؛ فَمَنِ استَدَانَ دَيْناً أَدَّاهُ لِصَاحِبِ الحَقِّ دُونَ بَخْسٍ وَنُقْصَانٍ، وَبِذَلِكَ يَضَعُ الدَّلِيلَ وَالبُرْهَانَ عَلَى حُسْنِ التَّقْوَى وَقُوَّةِ الإِيمَانِ؛ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً)).

ومَنِ استَهَانَ بِشَأْنِ أَخِيهِ الإِنْسَانِ وَاحتَقَرَرهُ؛ فَقَدْ بَخَسَهُ حَقَّهُ وَحَطَّ قَدْرَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الإِنْسَانِ عَلَى أَخِيهِ الإِنْسَانِ أَنْ يُعَامِلَهُ بِاحتِرَامٍ وَتَقْدِيرٍ، وَإِعْزَازٍ وَتَوقِيرٍ؛ فَالإِنْسَانِيَّةُ رَحِمٌ بَيْنَ كُلِّ النَّاسِ عَلَى اختِلاَفِ العَقَائِدِ وَالأَلْوَانِ وَالأَجْنَاسِ.

وَلَقَدْ أكَّدَ القُرآنُ الكَرِيمُ هَذِهِ الحَقِيقَةَ فِي أَكْثَرَ مِنْ آيَةٍ؛ حَيْثُ رَدَّ أَنْسَابَ النَّاسِ جَمِيعِهِمْ إِلَى ذَكَرٍ وَاحِدٍ وَأُنْثَى وَاحِدَةٍ، هُمَا بِمَنْزِلَةِ دَوْحَةٍ تَوَحَّدَ أَصْلُهَا وَتَشَعَّبَتْ فُرُوعُهَا وَأَغْصَانُهَا؛ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)).

وَقَدْ جَعَلَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- تَشَعُّبَ النَّاسِ إِلَى شُعُوبٍ وَقَبَائلَ مَثَارَ تَعَارُفٍ لَا تَنَاكُرٍ، وَمَدْعَاةَ ائتِلاَفٍ لَا اختِلاَفٍ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)).

وَقَدْ أَشَارَ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى هَذِهِ الرَّحِمِ الإِنْسَانِيَّةِ وَالآصِرَةِ القَوِيَّةِ فِي أَرْوَعِ جُمُوعٍ حَاشِدَةٍ، ضَمَّتْ قُلُوباً نَقِيَّةً وَعُقُولاً رَاشِدَةً؛ فَقَالَ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: “أَيُّها النَّاسُ: إِنَّ رَبَّكَمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ”.

وَلَقَدْ مَرَّتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- جِنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا، فَلَمَّا أُخْبِرَ بِأَنَّهَا جَنَازَةُ غَيْرِ مُسلِمٍ أَجَابَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا نَفْسٌ بَشَرِيَّةٌ، لَهَا حَقٌّ مَكْفُولٌ وَرَحِمٌ مَوْصُولٌ. فَاتَّقُوا اللهَ -عِبادَ اللهِ-، وَاعلَمُوا أَنَّ بَخْسَ النَّاسِ أَشْيَاءَهُمْ وَالتَّنْقِيصَ مِنْ أَقْدَارِهِمْ؛ هَدْرٌ لِلْحُقُوقِ، وَظُلْمٌ وَعُقُوقٌ.”

زر الذهاب إلى الأعلى