
بقلم د. ياسر جعفر

ظاهرة تربية الكلاب وتجارة الكلاب ظاهرة منتشرة انتشار النار في الهشيم، والعجيب أنك ترى شاباً يسير وممسكاً بكلب وكذلك في البنات!.. أنا لا أعرف ما الحكمة في هذه الظاهرة؟! وهل في الدين الإسلامي ما يبيح تجارة وتربية الكلاب؟!، لنتصفح ما في الشرع وما جاء به رسول الإنسانية -صلى الله عليه وسلم- لنرى حقيقة تربية وتجارة الكلاب! .
قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..}. وفي هذا الصدد، ورد حديث رواه رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيثٌ، ومَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ، وكَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ) [صحيح مسلم].
وفي الحديث الذي رواه رافع بن خديج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيثٌ، ومَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ، وكَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ) [صحيح مسلم]. يوضح هذا الحديث أن ثمن الكلب حرام أو غير طيب، وذلك لأن الشرع نهى عن اقتنائه وتربيته إلا في حالات معينة. واختلف العلماء في تفسير هذا الحديث، فبعضهم يرى أن الحكم عام يشمل جميع أنواع الكلاب، وبعضهم يستثني كلب الحراسة والصيد لمنفعته [3]. ويحتمل أيضاً أن يكون النهي عن ثمن الكلب كان في بداية الإسلام ثم نُسخ وأبيح بيعه كغيره من الجوارح [3].
وفي الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر: (مَنِ اقتنَى كلباً، أو اتَّخذَ كلباً، ليسَ بضارٍ، ولا كلبَ ماشيةٍ؛ نقصَ من أجرِهِ كلَّ يومٍ قيراطانِ) [صحيح الترمذي].
وفي رواية لأبي هريرة: (مَن أَمْسَكَ كَلباً، فإنَّه يَنقُصُ كُلَّ يَومٍ مِن عَمَلِهِ قِيرَاطٌ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ، قالَ ابنُ سِيرِينَ، وَأَبُو صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ: إِلَّا كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ، وَقالَ أَبُو حَازِمٍ: عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ: كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ) [صحيح البخاري].
في هذا الحديثِ بيانُ النهيِ عن اقتناءِ الكلابِ واتخاذِها لغيرِ مصالحَ ثلاثٍ: الصيد، وحراسة الماشية، وحراسة الزرع، وأنَّ مَن اتخذ كلباً لغيرِ هذه الأغراضِ الثلاثةِ فإنه ينقصُ من أجرِه كلَّ يومٍ قيراط، والقيراطُ: هو مقدارٌ من الثوابِ معلومٌ عند الله تعالى، والمرادُ نقصُ جزءٍ من أجرِ عمله.
ويحتملُ أن يكونَ سببُ نقصانِ الأجرِ باقتناءِ الكلبِ، هو امتناع الملائكةِ من دخولِ بيته بسببه؛ كما جاء في السُّنة الصحيحة، ويحتملُ أن يكونَ أيضاً لأجلِ ما يلحقُ المارِّينَ من الأذى والترويعِ بسببِ الكلبِ، أو أن تكونَ هذه عقوبةً له لاتخاذِه ما نُهِيَ عنه، وعصيانِه في ذلك.
وفي الحديثِ: بيانُ لطفِ اللهِ تعالى بخلقهِ في إباحةِ ما لهم به نفعٌ في معاشهم ومعادهم. وفيه: تقديمُ المصلحةِ الراجحةِ على المفسدةِ المرجوحةِ؛ وذلك عندما استُثنيتِ الأنواعُ الثلاثةُ من النهي.
وفي روايةِ عبد الله بن مغفل: (لولا أنَّ الكلابَ أمةٌ من الأممِ لأمرتُ بقتلِها، فاقتلوا منها الأسودَ البهيمَ، وأيُّما قومٍ اتخذوا كلباً ليس بكلبِ حرثٍ، أو صيدٍ، أو ماشيةٍ، فإنه ينقصُ من أجرِهِ كلَّ يومٍ قيراطٌ) [صحيح النسائي].
لقد نظَّم الشرعُ المطهرُ أحكامَ كلِّ شيءٍ، حتى الحيواناتِ، ومن ذلك الكلابُ، حيث ورد في الشرع ما ينظمُ الانتفاعَ بها، ويبينُ أحكامَ الحلالِ والحرامِ مما يرتبطُ بها. وفي هذا الحديثِ يخبرُ عبدُ الله بن مغفلٍ، أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: “لولا أنَّ الكلابَ أمةٌ من الأممِ”، أي: أمةٌ خُلقت لمنافعَ، أو أمةٌ تسبحُ كما في قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام: 38]، أي: أمثالكم في كونها دالةً على الصانعِ، ومسبحةً له، كما قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44].
“لأمرتُ بقتلها”، أي: لأمضيتُ الأمرَ في قتلِها؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- كان قد أمر بقتل الكلابِ كلِّها، ثم نُسخ هذا الأمرُ وحُدد بما جاء هنا، فقال: “فاقتلوا منها الأسودَ البهيمَ”؛ وذلك لأنه شيطانٌ كما في حديث جابرٍ عند مسلم، وجُعل الكلبُ الأسودُ البهيمُ شيطاناً لخبثِه؛ فإنه أضرُّ الكلابِ وأعقرُها.
ومعنى ذلك: أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- كرِهَ إفناءَ أُمَّةٍ من الأُممِ وإعدامَ جيلٍ من الخلقِ حتَّى يأتيَ عليه كلِّه فلا يُبقي منه باقيةً؛ لأنَّه ما مِن خَلقٍ للهِ تعالى إلَّا وفيه نوعٌ من الحِكمةِ، وضَرْبٌ من المصلحةِ، ولكنَّه أمرَ بقَتلِ شِرارِهنَّ وهي السُّودُ البُهمُ، وأبقَى ما سِواها للمَنفعةِ بها في الحِراسةِ والصَّيدِ ونحوِ ذلك.
وقيل: إنَّما أمر بقَتلِها في أوَّلِ الأمرِ؛ لأنَّ القومَ أَلِفوها، وكانتْ تُخالِطُهم في أوانيهم، فأراد فِطامَهم عن ذلك فأمَر بالقتلِ، فلمَّا
استقرَّ في نُفوسِهم تَنجيسُها وإبعادُها نهى عن ذلك، فصار النَّهيُ ناسخًا لذلك الأمرِ، فنَهى صلَّى الله عليه وسلَّم عن قَتْلِ جَميعِ الكِلابِ حتَّى الأسودِ البَهيمِ، إلَّا ما يكونُ منه ضَرَرٌ واعتداءٌ، كالكلبِ العقورِ، كما في الصَّحيحَينِ من حديثِ عائشةَ -رضي اللهُ عنها-: “خمسٌ منَ الدَّوابِّ، كُلُّهنَّ فاسقٌ، يَقتلُهنَّ في الحرمِ: الغُرابُ، والحِدَأةُ، والعقربُ، والفأرةُ، والكلبُ العقورُ”.
ثُمَّ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: “وأيُّما قومٍ اتَّخذوا كلبًا ليس بكَلبِ حَرْثٍ”، أي: لحِراسةِ الزَّرعِ، “أو صَيدٍ، أو ماشيةٍ، فإنَّه يَنقُص مِن أجرِه كلَّ يومٍ قيراطٌ”، فَرَخَّص فقط في كَلبِ الزَّرعِ والصَّيدِ والغَنمِ والماشيةِ، وفي اقتنائِهما، وما عدا ذلك فإنَّه مَنهيٌّ عنه، ويَنقُصُ من أُجورِ أعمالِهم قِيراطٌ، وهو قَدرٌ مَحدودٌ عِندَ اللهِ من الأجرِ، وقد جاء تفسيرُه في بابِ الجنائزِ بجبلِ أُحُدٍ؛ فيَحتِملُ أنَّه بعَينِه مُعتبَرٌ في هذا البابِ أيضًا، ويَحتمِلُ غيرَ ذلك.
وفي الحديثِ: النَّهيُ عن قَتْلِ الكلابِ إلَّا ما خَصَّه الشَّرعُ كالكَلبِ العقورِ.
وفيه: النَّهيُ عن اقتِناءِ الكلابِ إلَّا كلبَ حِراسةٍ أو صيدٍ.



