دكتور ياسر جعفر يكتب: «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ»

“قاعدة عظيمة من القواعد الأساسية لتوجيه المجتمع إلى الطريق المستقيم؛ هنا توجيه للبشرية جمعاء، ولجميع الفئات والمناصب، وللغني والفقير: «لا تبخسوا الناس أشياءهم» في جميع مناحي الحياة وعلى جميع الأصعدة؛ في المكيال والميزان، وفي حقوق العباد في جميع التخصصات.
لا تبخسوا الناس أشياءهم في طالب حاز المركز الأول ولم يُعين في الجامعة، ولا تبخسوا الناس أشياءهم في الوظائف؛ فليس من العدل موظف يعمل في القطاع الخاص وصاحب العمل يبخس حقه براتب زهيد (أموال معدودة). هناك مدرسون مساعدون في جامعات ومعاهد خاصة يحصلون على راتب أربعة آلاف جنيه؛ أين وزارة التعليم العالي من هؤلاء؟ إن بخس حقوق الناس من الفساد الكبير.
لا تبخسوا الناس أشياءهم في طالب اجتاز جميع الاختبارات في الكليات العسكرية، سواء الحربية أو الشرطة، ولم يلتحق بالكلية؛ فهذا بخس لحقوق العباد. ولا تبخسوا الناس أشياءهم في سرقة «الإنترنت» ونفاد الرصيد كل أسبوع؛ فهذا بخس لحقوق الناس. ولا تبخسوا الناس أشياءهم في الوظائف العامة؛ إن بخس الناس حقوقهم من الفساد.
قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأعراف: 85]”.
“«ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض»؛ ففي بخس حقوق الناس فساد كبير في المجتمع. وسياق الآية، وإن كان يدل في ظاهره على أن المقصود المباشر بـ (أشياءهم) هنا هو ما يتبادله الناس في معاملاتهم من المتاع، إلا أن ما يملكه الناس ويتمتعون به من أخلاق وأفكار وتاريخ… أولى بإقامة العدل وإنزاله في منازله من غير وكس ولا بخس ولا شطط؛ لما يترتب على الإخلال بذلك من الحقد والقطيعة والفرقة وذهاب الريح.
إن هذه القاعدة القرآنية: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ كما هي قاعدة في أبواب المعاملات، فهي بعمومها قاعدة من قواعد الإنصاف مع الغير.
والقرآن مليء بتقرير هذا المعنى ـ أعني الإنصاف ـ وعدم بخس الناس حقوقهم؛ تأمل ـ مثلاً ـ قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]. فتصور! ربك يأمرك أن تنصف عدوك، وألا يحملك بغضه على غمط حقه؛ أفتظن أن ديناً يأمرك بالإنصاف مع عدوك، لا يأمرك بالإنصاف مع أخيك المسلم؟! اللهم لا”.
ال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- معلقاً على هذه الآية:
“فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا، فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع أو متأول من أهل الإيمان؟ فهو أولى أن يجب عليه ألا يحمله ذلك على ألا يعدل على مؤمن وإن كان ظالماً له”.
وفي واقع المسلمين ما يندى له الجبين من بخس للحقوق، وإجحاف وقلة إنصاف، حتى أدى ذلك إلى قطيعة وتدابر، وصدق المتنبي إذ قال:
وَلَم تَزَل قِلَّةُ الإِنصافِ قاطِعَةً * بَينَ الرِجالِ وَإِن كانوا ذَوي رَحِمِ
وهذا إمام دار الهجرة، مالك بن أنس، يعلن شكواه قديماً من هذه الآفة فيقول: «ليس في الناس شيء أقل من الإنصاف».
وعلق ابن رشد على هذه الكلمة فقال: «قال مالك هذا لما اختبره من أخلاق الناس، وفائدة الإخبار به التنبيه على الذم له؛ لينتهي الناس عنه فيعرف لكل ذي حق حقه».
ولنعد إلى واقعنا -أيها المستمعون الأكارم-:
يختلف أحدنا مع شخص آخر من أصدقائه، أو مع أحد من أهل الفضل والخير، فإذا غضب عليه أطاح به، ونسي جميع حسناته وجميع فضائله، وإذا تكلم عنه تكلم بما لا يتكلم به أشد الناس عداوة -والعياذ بالله-.
“وقُلْ مثل ذلك في تعاملنا مع زلة العالم، أو خطأ الداعية، الذين عُرف عنهم جميعاً تلمس الخير، والرغبة في الوصول إلى الحق، ولكن لم يُوفق أحدهم في هذه المرة أو تلك، فتجد بعض الناس ينسى أو ينسف تاريخه وبلاءه وجهاده ونفعه للإسلام وأهله، بسبب خطأ لم يحتمله ذلك المتكلم أو الناقد، مع أنه قد يكون معذوراً!
ولنفترض أنه غير معذور، فما هكذا تورد الإبل، وما هكذا يربينا القرآن! بل إن هذه القاعدة القرآنية التي نحن بصدد الحديث عنها: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ تؤكد ضرورة الإنصاف، وعدم بخس الناس حقوقهم.
أيها القارئ اللبيب!
تلوح ههنا صورة مؤلمة في مجتمعنا، تقع من بعض الكفلاء الذين يبخسون حقوق خدمهم أو عمالهم، فيؤخرون رواتبهم، وربما حرموهم من إجازاتهم المستحقة لهم، أو ضربوهم بغير حق، في سلسلة مؤلمة من أنواع الظلم والبخس! أفلا يتقي الله هؤلاء؟! ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 4 – 6]؟ ألا يخشون أن يُسَلّطَ عليهم بسبب ظلمهم لمن تحت أيديهم وبخسهم حقوق خدمهم وعمالهم؟! ألا يخشون من عقوبات دنيوية قبل الأخروية تصيبهم بما صنعوا؟!”.
ولما كانت أصول دعوات الأنبياء -عليهم السلام- واحدة؛ فإن الأمر بإقامة الموازين والحكم بالعدل والإنصاف ظل الوصية الخالدة التي يوجهها كل نبي إلى قومه؛ لأنه بالعدل قامت السماوات والأرض. وقد أوصى الله تعالى رسوله محمداً -صلى الله عليه وسلم- أن يعلن لأمته أمر الله له بإقامة العدل فيها، فقال: ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: 15]. وأوصى المؤمنين بإقامة العدل مع الناس كافة، حتى الأعداء الذين يبغضونهم ويحاربونهم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].
فينبغي أن يسود العدل في المجتمع، ونحذر البغي والعدوان على حقوق العباد وبخس حقوقهم، خاصة لدى أصحاب الأعمال الخاصة الذين يأكلون أموال الناس بالباطل؛ إذ ينبغي على الأجهزة الرقابية أن تحسم هذا الأمر وتمنح الناس حقوقهم؛ لئلا ينتشر الفساد بسبب غياب الإنصاف.
ونضرب مثالاً: لو أن صاحب عمل في الجامعات والمعاهد العليا يمنح المدرس المساعد راتباً يتراوح بين أربعة وخمسة آلاف جنيه، أليس هذا نوعاً من الفساد؟ كيف يعيش بهذا المبلغ في ظل اشتعال الأسعار في كل شيء؟! إن هذا لفسادٌ عظيم، بينما يجني أصحاب الجامعات والمعاهد الملايين! لذا ينبغي على الحكومة مراقبة هؤلاء مراقبة مشددة لتجنب الفساد في المجتمع.
ففي الحديث الذي رواه واثلة بن الأسقع الليثي أبو فسيلة: «المسلمُ على المسلمِ حرامٌ؛ دمُه وعِرْضُه ومالُه. المسلمُ أخو المسلمِ؛ لا يظلِمُه ولا يخذُلُه. التقوى هاهنا -وأشار بيده إلى القلب- وحسْبِ امرئٍ من الشرِّ أن يحقِرَ أخاه المسلم». فالبخس هو نقص الشيء على سبيل الظلم، والله تعالى يقول في الحديث القدسي: «يا عبادي؛ إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا»”.
“والنهي عن البخس يشمل جميع ما يمكن بخسه من القليل والكثير، والجليل والحقير، مادياً كان أو معنوياً؛ فهو يشمل بخس الحق، وبخس المال، ومطل الغني، وبخس البائع للمشتري والمشتري للبائع، والغش والحيَل التي تُنتقص بها الحقوق، وبخس الضعفاء كالأيتام والنساء ومن لا حيلة له وأكل حقوقهم، وبخس الأجير وتأخير حقه أو إهانته وإذلاله، وبخس العامل صاحبَ العمل بالتقصير أو عدم الوفاء بالتزامات العقد، وأن يخطب الإنسان على خطبة أخيه، أو يشتري على شرائه، أو يبيع على بيعه.
وكذلك بخس المرأة زوجها بكفران العشير، وبخس الرجل زوجته بمنعها حقها أو عدم العدل بينها وبين ضرتها. وبخس الحقوق المعنوية كالعلوم والفضائل؛ ومن أعظم الظلم والبخس من يجعل لله نداً وهو خلقه، أو يكذب رسله، أو ينتقص صحابة نبيه وزوجاته وآل بيته وينال منهم أو يرميهم بما برأهم الله منه.
ومن صور البخس التي تعاني منها الأمة بخس العلماء والدعاة، برميهم بأبشع التهم وتسفيههم وانتقاصهم وعدم إنزالهم منازلهم، والزهد في علمهم وترك استفتائهم، وأن يظن الجاهل أن بإمكانه أن يفتي كما يفتون، ويفهم كما يفهمون، ويستنبط كما يستنبطون، فيقول: «هم رجال ونحن رجال».
ومن صور البخس عدم نسبة الفضل لأهله، وغياب الإنصاف خصوصاً عند الخلاف أو الخصومة، بل السعي لإسقاط من تختلف معه، وإنكار جهود الآخرين ومنعهم حقوقهم، كمن يجاهد ويبخس إخوانه الذين شاركوه في المعركة وآزروه ويتنكر لهم، أو يحرمهم نصيبهم من الغنائم، أو يستأثر بالأمر دونهم؛ فكل هذا من البخس والظلم الذي نهى الله ورسوله عنه. وفي الصحيح: «ومن ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار»”.


