دين

ماذا قال الله سبحانه وتعالي لنبي الله داود؟

بقلم: د. ياسر جعفر

قال تعالى لنبي الله داود -عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة وأتم السلام-: «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ» [سورة ص: 26].

هذا نداء من الله؛ مالك الملك، وخالق الخلق، ومدبر شؤون العباد. يتضمن هذا النداء توجيهاً خاصاً لسيدنا داود، وتوجيهاً عاماً لجميع الحكام والمسلمين في كل مكان، كما يشمل البشرية جمعاء؛ فكل من تولى رئاسةً، سواء في الأعمال الحكومية أو الخاصة أو العامة، معنيٌّ بهذا الأمر الإلهي: «فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ».

إن قوله تعالى «بَيْنَ النَّاسِ» جاء بلفظ عام لا يختص بفئة معينة؛ بل يشمل الناس كافة، والواجب هو الحكم بينهم بالحق والعدل.

كما حذر الله من اتباع الهوى؛ لأن في اتباعه ضلالاً، ولئلا ينحاز المرء ل قريب أو صديق. فالحكم بالحق يقتضي العدل وإعطاء كل ذي حق حقه في جميع مجالات الحياة، بعيداً عن المحسوبية، والظلم، والعنصرية لـ “فلان ابن فلان”.

إنه دستور عدلٍ يسير بين الناس، بعيداً عن الممارسات الظالمة والمحسوبيات الضالة والمُضلة التي انتشرت في المجتمع كالأوبئة؛ مما جعل الأمة منكوبة بسبب هذا الظلم والعنصرية.

«يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ»: أي تنفذ فيها القضايا الدينية والدنيوية.

«فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ»: أي بالعدل، وهذا لا يتحقق إلا بعلمٍ بالواجب، وإدراكٍ للواقع، وقدرةٍ على تنفيذ الحق.

«وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى»: أي لا تمل مع أحد لقرابة، أو صداقة، أو محبة، أو بغضٍ للآخر.

«فَيُضِلَّكَ» الهوى «عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ»: ويخرجك عن الصراط المستقيم.

«إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» -وخصوصاً المتعمدين منهم-: «لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ»؛ فلو استذكروا ذلك اليوم ووقع خوفه في قلوبهم، لما مالوا مع الهوى الفاتن.

حينما أعرضت الأمة عن كتاب ربها، أصبحت مستباحةً لفئاتٍ من المرتزقة والعبثيين؛ ففي هذه الآية توجيه من رب القوة والقدر -سبحانه- إلى نبي الله داود بأن يحكم بالحق بين الناس جميعاً.

لذا، ينبغي على كل خليفة ومسؤول أن يتبع هذا المنهج لنكون أمة قوية لا تستهزئ بها الأمم ولا تستخف بمكانتها، وألا يتبع الهوى تجنباً للضلال والظلم. إن نعمة الإسلام من أعظم النعم على البشرية جمعاء، فبها تحيا الأمم وتزدهر.

لقد أقامَ النَّبيُّ ﷺ العَدلَ ورغَّبَ فيه، وقد وردت الأحاديثُ التي تدلُّ على تطبيقه لقواعد العَدلِ وإرسائه لمعالمه، ومنها:
1- عن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللهُ عنه- قال: «بايَعْنا رَسولَ اللهِ ﷺ على السَّمعِ والطَّاعةِ في عُسْرِنا ويُسْرِنا، ومَنْشَطِنا ومَكْرَهِنا، وعلى ألَّا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه، وعلى أن نَقولَ بالعَدلِ أينَ كُنَّا، لا نَخافُ في اللهِ لومةَ لائِمٍ».

إن العدل والإنصاف من الصفات التي أمر الله بها جميع الأنبياء ليعم الخير في المجتمع، وبدونهما تسقط الدول في وحل الذل والانكسار. ففي الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو: «إنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ علَى مَنابِرَ مِن نُورٍ، عن يَمِينِ الرَّحْمَنِ عزَّ وجلَّ -وكِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ- الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا» [صحيح مسلم].

فالعدلُ والإنصافُ من أجلِّ الصِّفاتِ التي ينبغي أن يتخلق بها المسلم، ومن عَمِل بمقتضاهما في حياته وتعاملاته بين الناس، نال مكانةً عاليةً في الدنيا والآخرة.

وفي هذا الحديثِ يُبيِّن النَّبيُّ ﷺ أنَّ المُقْسِطِينَ -والمقصود بهم الذين يعملون بالعدل والقسط في حكمهم، وفيما تَقَلَّدوه مِن خِلافةٍ، أو إمارةٍ، أو وِلايةِ يتيمٍ، أو صدقةٍ، أو غيرِ ذلك، أو فيما يلزمهم مِن حقوقِ أهليهم ومَن يَرعَوْنهم ويقومون على شؤونهم- هؤلاء المقسطون العادلون يكونون عند اللهِ مقرَّبين ومكرَّمين.

ومن كرامتهم على الله عز وجل أنهم يجلسون مَرتقين على منابرَ، وهي أماكنُ ومقاعدُ عاليةٌ خُلقت من نور.

ثمَّ بيَّن النَّبيُّ ﷺ أنَّ مكانتهم عالية «عن يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وكِلْتَا يَدَيْهِ سُبحانَه يَمِينٌ»؛ أي أنَّهما بصِفةِ الكمالِ لا نقصَ في واحدةٍ منهما، لأنَّ الشِّمال في المخلوق تنقص عن اليمين، أما الخالق سبحانه فنُثبِتُ له اليدين كما يليق بجلاله، دون تكييفٍ، أو تشبيهٍ، أو تعطيلٍ.

وفي الحديث دلالة على فضل العدل في كلِّ مَن ولاك الله عليه، وفيه ثبوتُ صفة اليدين لله عز وجل.

قال ابن عثيمين: «فالعَدلُ واجبٌ في كلِّ شيءٍ، لكنَّه في حقِّ ولاةِ الأمور آكدُ وأولى وأعظمُ؛ لأنَّ الظلمَ إذا وقع من ولاة الأمور حصلت الفوضى والكراهةُ لهم حيث لم يعدلوا».

وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة -رضي الله عنه-: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى في ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: إمَامٌ عَدْلٌ، وشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللَّهِ، ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، ورَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ، اجْتَمعا عليه وتَفَرَّقَا عليه، ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وجَمَالٍ فَقالَ: إنِّي أَخَافُ اللَّهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» [صحيح البخاري].
وفي هذا الحديث الجليل يذكر رسول الله ﷺ سبعة أصناف من هذه الأمة يتنعمون بظله سبحانه في ذلك اليوم الذي لا يجد فيه أحد ظلاً إلا من أظله الله. والمراد بالظل هنا “ظل العرش” كما جاء مفسراً في أحاديث أخرى؛ منها ما أخرجه أحمد والترمذي: «مَن نفَّسَ عن غَريمِه أو محَا عنه، كان في ظِلِّ العرشِ يومَ القِيامةِ».

وإذا كان المراد ظل العرش، استلزم ذلك كونهم في كنف الله تعالى وكرامته.

وأول هؤلاء السبعة هو: الإمام العادل؛ وهو الحاكم الذي يعدل في رعيته، ويحافظ على حقوقهم، ويرعى مصالحهم، ويحكم فيهم بشريعة الله عز وجل، فيقيم مصالح الدين والدنيا.

قال ابنُ رجبٍ: «وأوَّلُ هذه السَّبعةِ: الإمامُ العادِلُ، وهو أقرَبُ النَّاسِ من اللهِ يومَ القيامةِ، وهو على مِنبرٍ من نورٍ عن يمينِ الرَّحمنِ؛ وذلك جزاءٌ لمخالفتِه الهوى، وصبرِه عن تنفيذِ ما تدعوه إليه شهواتُه وطمعُه وغضبُه، مع قدرتِه على بلوغِ غرضِه من ذلك؛ فإنَّ الإمامَ العادلَ دَعَتْه الدُّنيا كلُّها إلى نفسِها، فقال: إنِّي أخافُ اللهَ ربَّ العالمين.

وهذا أنفعُ الخَلْقِ لعبادِ اللهِ؛ فإنه إذا صلحَ صلحتِ الرَّعيَّةُ كلُّها، وقد رُويَ أنه ظلُّ اللهِ في الأرضِ؛ لأنَّ الخَلْقَ كلَّهم يستظلُّون بظلِّه، فإذا عدلَ فيهم أظلَّه اللهُ في ظلِّه».

وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ -رضي الله عنه- أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ من أعظمِ الجِهادِ كلمةَ عدلٍ عندَ سلطانٍ جائرٍ».

قال ابنُ علان: «أي: من أمرٍ بمعروفٍ، أو نهيٍ عن منكرٍ، أو ردٍّ عن مُحترمٍ من نفسٍ، أو مالٍ، أو نحوِ ذلك».

وعن النُّعمان بن بشيرٍ -رضي الله عنهما- قال: «سألتْ أمِّي أبي بعضَ الموهبةِ لي من مالِه، ثم بدا له فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تُشهِدَ النبيَّ ﷺ، فأخذ بيدي -وأنا غلامٌ- فأتى بي النبيَّ ﷺ فقال: إنَّ أمَّه بنتَ رَواحةَ سألتني بعضَ الموهبةِ لهذا، فقال: ألك ولدٌ سِواه؟ قال: نعم، فقال ﷺ: لا تُشهِدْني على جَوْرٍ»، وفي روايةٍ: «لا أشهدُ على جَوْرٍ».

وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «بينما رسولُ اللهِ ﷺ يقسمُ غنيمةً بالجِعْرانةِ إذ قال له رجلٌ: اعدلْ. فقال ﷺ: لقد شَقيتُ إن لم أعدلْ».

قوله: «شَقيتُ» بضم التاء؛ معناه ظاهرٌ ولا محذور فيه، والشرط لا يستلزم الوقوع؛ لأنه ﷺ ليس ممن لا يعدل حتى يحصل له الشقاء، بل هو عادلٌ فلا يشقى.

وأما رواية «شَقيتَ» بفتح التاء على الخطاب، فمعناه: لقد ضللتَ أنت أيها التابع حيث تقتدي بمن لا يعدل، أو حيث تعتقد ذلك في نبيك؛ فهذا القول لا يصدر عن مؤمن.

وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ -رضي الله عنه- قال: «بينما نحن عند رسولِ اللهِ ﷺ وهو يقسمُ قَسماً أتاه ذو الخُويصرةِ -وهو رجلٌ من بني تميمٍ- فقال: يا رسولَ اللهِ اعدلْ، فقال ﷺ: ويلك! ومن يعدلُ إذا لم أعدلْ؟! قد خِبْتَ وخسرتَ إن لم أكن أعدلُ»

وقوله ﷺ: «خِبْتَ وخَسِرْتَ إن لم أعدِلْ» رُوي بضم التاء فيهما وبفتحهما؛ أما الضم فمعناه ظاهر، وأما الفتح فتقديره: خبتَ أنت وخسرتَ إن لم أعدلْ أنا؛ إذ كنتَ أنت مقتدياً بي وتابعاً لي.

لقد أمر الله بإقامة العدل وحثَّ عليه، ومدح من قام به في آيات كثيرة، منها:

1- قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].

قال السعدي: «فالعدل الذي أمر الله به يشمل العدل في حقه، وفي حق عباده؛ فالعدل في ذلك هو أداء الحقوق كاملةً موفورة؛ بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من الحقوق المالية والبدنية والمركبة منهما في حقه وحق عباده، ويعامل الخلق بالعدل التام، فيؤدي كل والٍ ما عليه تحت ولايته، سواء في ذلك ولاية الإمامة الكبرى، وولاية القضاء، ونواب الخليفة، ونواب القاضي.

والعدل هو ما فرضه الله عليهم في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأمرهم بسلوكه.

ومن العدل في المعاملات أن تعاملهم في عقود البيع والشراء وسائر المعاوضات بإيفاء جميع ما عليك، فلا تبخس لهم حقاً، ولا تغشهم ولا تخدعهم أو تظلمهم؛ فالعدل واجب، والإحسان فضيلة مستحبة».

2- وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾ [الأنعام: 152].

أي: إذا حكمتم بين الناس فتكلمتم فقولوا الحق بينهم، واعدلوا وأنصفوا ولا تجوروا، ولو كان الذي يتوجه الحق عليه والحكم ذا قرابة لكم، ولا يحملنكم قرابة قريب أو صداقة صديق حكمتم بينه وبين غيره أن تقولوا غير الحق فيما احتُكم إليكم فيه.

3- وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: 29].
أي: بالعدل في العبادات والمعاملات، لا بالظلم والجور.

4- وقال عزَّ من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 135].
يقول ابن كثير: «يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوَّامين بالقسط، أي بالعدل؛ فلا يعدلوا عنه يميناً ولا شمالاً، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه».

قولُه: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ كما قال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: 2]، أي: ليكُنْ أداؤُها ابتغاءَ وجه الله؛ فحينئذٍ تكون صحيحةً عادلةً حقًّا، خاليةً من التحريف والتبديل والكتمان؛ ولهذا قال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: اشهد بالحق ولو عاد ضررُها عليك، وإذا

سُئلت عن الأمر فقل الحقَّ فيه وإن كان مَضرَّةً عليك؛ فإنَّ الله سيجعل لمن أطاعه فرجاً ومخرجاً من كل أمر يضيق عليه.
وقال سبحانه: ﴿فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: 15].

قال الطبريُّ: «يقول تعالى ذِكرُه: وقل لهم يا محمدُ: وأمرني ربي أن أعدل بينكم معشر الأحزاب، فأسير فيكم جميعاً بالحق الذي أمرني به وبعثني بالدعاء إليه».

وعن قتادة في قوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ قال: «أُمر نبيُّ الله ﷺ أن يعدل، فعدل حتى مات صلوات الله وسلامه عليه. والعدل ميزان الله في الأرض؛ به يأخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبالعدل يُصدِّق اللهُ الصادقَ، ويُكذِّب الكاذبَ، وبالعدل يردُّ المعتدي ويوبِّخه».

وقال عزَّ من قائل: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 76].

قولُ اللهُ تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾؛ أي: هل يستوي هذا الأبكمُ الذي هو كَلٌّ على مولاه، ولا يأتي بخيرٍ أينما وُجِّه، ومن هو ناطقٌ متكلمٌ يأمر بالحق ويدعو إليه؟ وهو اللهُ الواحدُ القهارُ الذي يدعو عبادَه إلى توحيده وطاعته؛ فبيَّن سبحانه أنه لا يستوي هو -تعالى ذكره- والصنمُ الذي تلك صفته.

وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: وهو مع أمره بالعدل على طريقٍ من الحق، مستقيمٍ في دعوته وأمره، لا يعوجُّ عن الحق ولا يزول عنه.

وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25].

قال ابن عثيمين: «ليس المراد بالميزان هنا الميزان ذا الكفتين المعروف، ولكن المراد بالميزان: العدل. ومعنى وضع الميزان أي: أثبته للناس ليقوموا بالقسط؛ أي بالعدل».

زر الذهاب إلى الأعلى