دين

رسالة جميع الرسل في..

بقلم: د. ياسر جعفر

رسالة جميع الرسل تتلخص في صفتين وهما جوهر الدين وينبغي على المؤمن أن يتمسك بهما، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: 36].

رسالة جميع الرسل في:

أولاً: عبادة الله.

ثانياً: واجتناب الطاغوت.

تجد ارتباطاً وثيقاً بين عبادة الله واجتناب الطاغوت؛ عبادة الله المقصود بها أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وأن تكون لله عبداً، واجتناب الطاغوت كل ما يخالف شريعة الله والإشراك بالله. ثم بيّن -سبحانه- أن من رحمته بعباده، أن أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فقال -تبارك وتعالى-: “وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ…”.

والطاغوت: اسم لكل معبود من دون الله -تبارك وتعالى-، كالأصنام والأوثان وغير ذلك من المعبودات الباطلة، مأخوذ من “طغا يطغى طغواً” إذا جاوز الحد في الضلال.

أي: ولقد اقتضت حكمتنا ورحمتنا أن نبعث في كل أمة من الأمم السالفة “رسولاً” من رسلنا الكرام، ليرشدوا الناس إلى الحق والخير، وليقولوا: “أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ” -تبارك وتعالى- وحده، “وَاجْتَنِبُوا” عبادة “الطاغوت” الذي يضل ولا يهدي.

وأكد -سبحانه- الجملة بـ “اللام” و “قد”، للرد على ما زعمه المشركون من أن الله -تبارك وتعالى- لم ينكر عليهم عبادتهم لغيره، وأنه -سبحانه- راضٍ لتحريمهم لما أحله. حيث بيّن لهم -عز وجل- أنه قد أرسل الرسل للدعوة إلى عبادته وحده، ولتجنب عبادة أحد سواه.

و”أن” في قوله: “أَنِ اعْبُدُوا…” تفسيرية، لأن البعث يتضمن معنى القول، إذ هو بعث للتبليغ.

ثم بيّن -سبحانه- موقف هؤلاء الأقوام من رسلهم فقال -تبارك وتعالى-: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾.
أي: بعثنا في كل أمة من الأمم السابقة رسولاً لهداية أبنائها، فمن هؤلاء الأبناء من هداهم الله -تبارك وتعالى- إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، بأن وفقهم إليه لانشراح صدورهم له، ومنهم من ثبتت وحقت عليه الضلالة لاستحبابه العمى على الهدى.

وأسند -سبحانه- هداية بعض أفراد هذه الأمم إليه، مع أنه أمر جميعهم -على ألسنة رسله- بالدخول في طريق الهدى؛ للرد على المشركين الذين أحالوا شركهم وفسوقهم على مشيئة الله، إذ إن الله -تبارك وتعالى- قد بيّن للناس جميعاً طرق الخير وطرق الشر، فمنهم من استجاب للأولى، ومنهم من انحدر إلى الثانية، وكلاهما لم يقسره الله -تبارك وتعالى- قسراً على الهدى أو الضلال.

فاهتداء المهتدين إنما هو بسبب اختيارهم لذلك واتباعهم الرسل، وضلال الضالين إنما هو بسبب استحواذ الشيطان عليهم. وعبر -سبحانه- في جانب الضالين بقوله: “وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ” للإشارة إلى أنهم لم يستجيبوا لما أرشدهم -سبحانه- إليه، بل ظلوا ثابتين مصممين على البقاء في طريق الضلالة؛ ﴿فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.

وقوله -سبحانه-: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾؛ تحريض لهم على التأمل في آثار المكذبين، لعلهم عن طريق هذا التأمل والتدبر يثوبون إلى رشدهم، ويعودون إلى صوابهم، ويدركون سنة من سنن الله في خلقه، وهي أن العاقبة الطيبة للمتقين، والعاقبة السيئة للكافرين.

والفاء في قوله “فسيروا…” للتفريع، وقد جيء بها للإشعار بوجوب المبادرة إلى التأمل والاعتبار. أي: إن كنتم في شك مما أخبرناكم به، فسارعوا إلى السير في الأرض لتروا بأعينكم آثار المجرمين الذين كذبوا الرسل وأسندوا شركهم إلى مشيئة الله؛ لقد نزل بهؤلاء المكذبين عذاب الله فدمرهم تدميراً؛ ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.

وروى البخاري ومسلم عن معاذ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: “يا معاذ، هل تدري حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟”، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: “فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً”.

طريق نجاة العبد في الدنيا والآخرة يبدأ وينتهي بإفراد الله -عز وجل- بالعبادة وحده، ونبذ وترك كل ما سواه -عز وجل- في علاه.

“هل تدري ما حق الله على عباده؟” أي: هل تعلم ما يجب لله على عباده، وما يستحقه منهم؟ فقال معاذ: “الله ورسوله أعلم”، وهذا من حسن الأدب، وعدم التقدم على الله ورسوله، فبيّن له -صلى الله عليه وسلم- أن حق الله على عباده: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. والمراد بالعبادة: عمل الطاعات واجتناب المعاصي، وهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال. وعطف على العبادة عدم الشرك به -سبحانه-؛ لأنه تمام التوحيد.

وقيل: الحكمة في ذلك أن بعض الكفرة كانوا يدعون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا يعبدون معه آلهة أخرى، فاشترط نفي ذلك، وأن تكون عبادتهم لله وحده؛ لأنه تعالى هو الخالق الرزاق، النافع، الدافع عن عباده الآفات والمؤذيات، فإذا كان كذلك وجب عليهم أن يوحدوه ويخلصوا له الطاعة دون من سواه؛ فهذا هو حق الله تعالى على عباده.

وسار -صلى الله عليه وسلم- مدة من الزمن، ثم قال: “يا معاذ بن جبل”، فقال معاذ -رضي الله عنه- بأدبه الجم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لبيك رسول الله وسعديك”، فقال -صلى الله عليه وسلم-: “هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟” أي: أي شيء حقيق وجدير ولائق أن يفعل الله تعالى بعباده إن هم أدوا حقه؟ فقال معاذ -رضي الله عنه-: “الله ورسوله أعلم”، ففوض العلم لله ورسوله كما فعل قبل ذلك، فذكر له -صلى الله عليه وسلم- أن حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك: ألا يعذبهم.

ويستلزم ذلك حصول ما وعدهم به من الثواب والجزاء، وهذا بشرط الإتيان بأوامره، والانتهاء عن مناهيه؛ فإن كل ذلك من عبادته، وقد حق ذلك الجزاء ووجب بحكم وعد الله الصدق، وقوله الحق الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر، ولا الخلف في الوعد؛ فالله -سبحانه وتعالى- لا يجب عليه شيء بحكم الأمر؛ إذ لا آمر فوقه -سبحانه-.

والعبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الظاهرة، والباطنة. فالأقوال الظاهرة: هي أقوال اللسان، كالشهادتين، والتسبيح، والتهليل، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

والأقوال الباطنة: هي أقوال القلب، كاليقين والتصديق. والأعمال الظاهرة: هي أعمال الجوارح، كالصلاة، والصيام، والزكاة، والنذر، والطواف، وعيادة المرضى.

والأعمال الباطنة: هي أعمال القلب، كالخوف، والرجاء، والمحبة، والخشية، والإنابة، والتوكل. فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة.

وكذلك حب الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله. ومن صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله فقد أشرك بالله العظيم، كمن ذبح لغير الله، أو صلى لغير الله، أو طاف لغير الله، أو نذر لغير الله.

والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: 117]. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: “يقول تعالى متوعداً من أشرك به غيره، وعبد معه سواه، ومخبراً أن من أشرك بالله (لَا بُرْهَانَ لَهُ) أي: لا دليل له على قوله، فقال: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) أي: الله يحاسبه على ذلك. ثم أخبر: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) أي: لديه يوم القيامة، لا فلاح لهم ولا نجاة”.

ومن أجلّ العبادات التي أمرنا الله تعالى أن نتعبد له بها: المحبة، والخوف، والاستعانة، والاستغاثة، ولا يجوز لأحد أن يصرف شيئاً منها لغير الله تعالى. أما المحبة التي يجب صرفها لله وحده، فهي التي تقترن بالذل والخضوع، ومن صرفها لغير الله فقد أشرك.

وقد علّمنا الله -تعالى- المفهوم الشامل للعبادة حين قال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]؛ وعليه فلا تخلو لحظة واحدة من حياة المسلم من عبادة لله -تعالى- إذا ما استحضر فيها ابتغاء وجه الله في تمام محبة وافتقار وخضوع؛ فإن أكل أو شرب أو نام في شكر لله وعرفان بنعمته واعتراف بأنها من عنده وحده، قاصداً بذلك التقوي على أداء أوامره -تعالى- وفرائضه، فإن أكله وشربه ونومه من العبادات، وإن لم ينوِ بها شيئاً من ذلك فهي مجرد عادات، ومثل ذلك في سائر أحوال المسلم.

(الطاغوتية تعني) مجاوزة الحد؛ كمجاوزة الحق إلى الباطل، ومجاوزة الإيمان إلى الكفر، ومجاوزة الخير إلى الشر، ومجاوزة الشورى إلى التسلط والاستبداد؛ فمجاوزة الحد في كل شيء تسمى طغياناً، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: 11]؛ يعني لما زاد الماء عن الحد المعتاد حملناكم في الجارية يعني السفينة.

والطواغيت في هذه الحياة كثيرون، ولكن رؤوسهم خمسة، كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم وغيره:

الأول: إبليس -لعنه الله- فإنه رأس الطواغيت وهو الذي يدعو إلى الضلال والكفر والإلحاد، ويدعو إلى النار فهو رأس الطواغيت. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: 36].

والثاني: من عُبِد من دون الله وهو راضٍ بذلك؛ فإن من رضي أن يعبده الناس من دون الله فإنه يكون طاغوتاً، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 60]. فالذي يُعبد من دون الله وهو راضٍ بذلك هذا طاغوت، أما إذا لم يرضَ بذلك فليس كذلك.

والثالث: من ادعى شيئاً من علم الغيب؛ فمن ادعى أنه يعلم الغيب فهو طاغوت؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ [النساء: 60-61].

فالذي يدعي أنه يعلم الغيب، يجعل نفسه شريكاً لله -عز وجل- في علم الغيب؛ فهو طاغوت.

والرابع: من دعا الناس إلى عبادة نفسه؛ فالذي يدعو الناس إلى أن يعبدوه، ويريد أن يكون إلهاً ولو لم يقل إنه إله، لكن إذا دعا الناس إلى أن يتقربوا إليه بالعبادة ويزعم أنه يشفي مرضاهم، وأنه يقضي حوائجهم التي لا يقدر عليها إلا الله -عز وجل-، وأنه يقدر أن يضرهم بما لا يقدر (عليه إلا الله)؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: 51].

حكى القفال عن بعضهم أن “الجبت” أصله “جبس”، فأبدلت السين تاء، والجبس هو الخبيث الرديء، وأما “الطاغوت” فهو مأخوذ من الطغيان، وهو الإسراف في المعصية، فكل من دعا إلى المعاصي الكبار لزمه هذا الاسم (تفسير الرازي 5/232).

والخامس: من حكم بغير ما أنزل الله -عز وجل-؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ [النساء: 60-61]. فالذي يحكم بغير ما أنزل الله، وهو يرى أن حكمه بغير ما أنزل الله أصلح للناس وأنفع لهم، أو أنه مساوٍ لما أنزل الله، أو أنه مخير بين أن يحكم بما أنزل الله أو يحكم بغيره، أو أن الحكم بغير ما أنزل الله جائز؛ فهذا يعتبر طاغوتاً وهو كافر بالله -عز وجل-.

والمؤمن مطالب بمحاربة الطاغوت واجتناب كل ما يؤدي إلى عبادته أو الوقوع في شَرْكِه (بفتح الشين) أو شِرْكِه (بكسرها)؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 17-18].

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “مَن سعى على والدَيْه ففي سبيلِ اللهِ، ومَن سعى على عِيالِه ففي سبيلِ اللهِ، ومَن سعى على نفسِه لِيُعِفَّها فهو في سبيلِ اللهِ، ومَن سعى مُكاثراً فهو في سبيلِ الطاغوتِ”، وفي رواية: “سبيلِ الشيطان”. [أخرجه البزار، وأبو نعيم في “الحلية”، والأصبهاني في “الترغيب والترهيب”، وصححه الألباني في “السلسلة الصحيحة”].

هناك نوع من الطاغوتية في الحكم والسياسة حذّر الدين الحنيف منها، وهي موضوعنا في هذه السطور؛ وهذه الطاغوتية صناعةٌ يصنعها البشر، ووسيلة يتخذونها لاستعباد الناس واسترقاقهم بعد أن جاء الإسلام لتحرير الإنسان من الرق والعبودية، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

زر الذهاب إلى الأعلى