لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

بقلم: د. ياسر جعفر

لقد أنزلنا إليكم -أيها المرسل إليهم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب- كتابًا جليلًا، وقرآنًا مبينًا {فِيهِ ذِكْرُكُمْ}؛ أي: شرفكم وفخركم وارتفاعكم. إن تذكرتم به ما فيه من الأخبار الصادقة فاعتقدتموها، وامتثلتم ما فيه من الأوامر، واجتنبتم ما فيه من النواهي؛ ارتفع قدركم، وعظم أمركم.
{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ما ينفعكم وما يضركم؟ كيف لا ترضون ولا تعملون على ما فيه ذكركم وشرفكم في الدنيا والآخرة؟ فلو كان لكم عقلٌ لسلكتم هذا السبيل، فلما لم تسلكوه وسلكتم غيره من الطرق التي فيها ضعتكم وخستكم في الدنيا والآخرة وشقاوتكم فيهما؛ عُلِمَ أنه ليس لكم معقولٌ صحيحٌ ولا رأيٌ رجيحٌ.
وهذه الآية مصداقها ما وقع؛ فإن المؤمنين بالرسول الذين تذكروا بالقرآن من الصحابة فمن بعدهم، حصل لهم من الرفعة والعلو الباهر، والصيت العظيم، والشرف على الملوك ما هو أمرٌ معلومٌ لكل أحد، كما أنه معلومٌ ما حصل لمن لم يرفع بهذا القرآن رأسًا، ولم يهتدِ به ويتزكَّ به، من المقت والضعة والتدسية والشقاوة؛ فلا سبيل إلى سعادة الدنيا والآخرة إلا بالتذكر بهذا الكتاب.
إن شرف الأمة الإسلامية هو كتاب الله وتطبيق أوامره، وتجنب نواهيه وما جاء بالسنة النبوية الشريفة؛ فالتمسك بالكتاب هو شرف وعز وقوة الأمة الإسلامية. ما تحدث المتحدثون ولا درس الدارسون كتابًا أفضل من كتاب الله؛ فيه نبأ من قبلنا، وخبر ما بعدنا، وحكم ما بيننا، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبَّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم؛ لا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يَخْلَق من كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه، من عَلِمَ علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم.
قال الله فيه: {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الأنعام: 155].
أشرفُ كتابٍ نزل به أشرفُ ملكٍ، في أشرفِ ليلةٍ، في أشرفِ شهرٍ، في أشرفِ بقعةٍ، وفي أشرفِ غارٍ، بأشرفِ لغةٍ، وإلى أشرفِ أمةٍ، على أشرفِ نبيٍّ وهو محمدٌ ﷺ؛ فالقرآن جعله الله مباركًا في كل شيء: (في أثره): فهو مؤثرٌ على القلوب والأبدان؛ {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21].
(في الاستشفاء به): فهو شفاءٌ لأمراض القلوب والأبدان، يلينُ القلب القاسي، ويشفي اللديغ، ويداوي الجريح؛ قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} [الإسراء: 82].
(في ثوابه): فمن قرأ حرفًا منه فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها.
(في آثاره): فبه فتح المسلمون مشارق الأرض ومغاربها، وبه دخلوا بلاد كسرى وقيصر، وبه فتحوا القلوب وأدخلوها في الإسلام؛ عزت الأمة وارتفعت حينما تمسكت وعملت به، وذلت وهانت حين تركته وأعرضت عنه؛ قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124].
أكثرْ من قراءة القرآن وليكن لك صاحبًا بالليل والنهار؛ فالقرآن يأتي شفيعًا لأصحابه كما جاء في قوله ﷺ: «اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران؛ فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان -أو غيايتان، أو كأنهما فِرْقان من طير صوافّ- تحاجّان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة». (والبطلة أي: السحرة). [رواه مسلم].
مع القراءة لا بد من العمل؛ فالله قد أنزل القرآن للتعبد بتلاوته والعمل به، فاهتدِ بهديه، وامتثل أوامره، واجتنب نواهيه؛ تسعد في دنياك وأخراك. كان الصحابة -رضي الله عنهم- يتعلمون من النبي ﷺ عشر آيات، ثم لم يتجاوزوها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، قالوا: “فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا”. وهذا النوع من التلاوة هو الذي عليه مدار السعادة والشقاوة؛ قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: “اقرءوا القرآن تُعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله”.
أهل القرآن أبعد الناس عن الشرك، وأكل الربا، وقول الزور، وهم أبعد الناس عن الغيبة والنميمة، وهم أولى الناس ببر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى اليتامى، وغيرها من التوجيهات القرآنية.
ماذا كان العرب قبل نزول القرآن إليهم؟ وكيف أصبحوا بعد ذلك؟ إن البون شاسع والفرق كبير. كانوا قبائل متحاربة متناحرة لأتفه الأسباب، ومن أبرز ملامحهم وصفاتهم: عبادة الأصنام، وشرب الخمور، ووأد البنات، والجهل، والفقر، وسوء الأحوال. ومما يُصوِّر جهلهم وحماقتهم قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: 136]؛ تعالى الله عن فعلهم الشنيع علوًا كبيرًا.
ولذا قال ابن عباس -رضي الله عنهما- موضِّحًا جهلَ العرب آنذاك: “إذا سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَبِ، فاقْرَأ ما فَوْقَ الثَّلاثِينَ ومائةً من سُورةِ الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: 140]”. والمراد بقتل الأولاد: وأد البنات.
كما يَذْكُرُ جهلَهم في الجانب الخُلُقي قولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103].
ويَذْكُرُ جهلَهم في الجانب العقدي قولُه تعالى حكايةً عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، وغير ذلك من الآيات الكثيرة.
ومما جاء في السُّنَّة من أحوالهم المزرية، ما جاء في حديث أبي رجاء العُطَارِدِيِّ -رضي الله عنه- قال: «كنا في الجاهلية نَعْبُدُ الحَجَر، فإذا وَجَدْنا حَجَرًا أخيرَ منه أَلْقيناه وأَخَذْنا الآخَرَ، فإذا لَمْ نَجِدْ جَمَعْنَاهُ جُثْوَةً مِنْ تُرابٍ، ثم جِئْنَا بالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عليه ثُمَّ طُفْنَا به».
هذا وصفٌ موجزٌ لبعض أحوال العرب قبل نزول القرآن، ثُمَّ مَنَّ الله عليهم بنزوله، وأنقذهم به من ظلمات الجاهلية؛ من الكفر والمعاصي إلى نور الإيمان والطاعات، وهداهم سواء السبيل. بل نقلهم من رعاة إبل وغنم إلى قادة أمم وشعوب، ومن قبائل متحاربة متناحرة فيما بينها إلى أمة متآلفة متحابة شعارها: «واللهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيْهِ»، وشعارها كذلك: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
ووعدهم الله تعالى على ذلك بالعزَّة والكرامة في الدنيا والآخرة؛ أما في الدنيا: فسيادة الأمم، والتمكين في الأرض، وسعة الأرزاق، وحلول البركات؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96]، وقال: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: 16].
والأمة الإسلامية في وقتنا الحاضر أصبحت في مؤخرة الأمم، وتنكَّبت عن ركب الحضارة، وتداعت عليها أسافل الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فأصبحت غثاءً كغثاء السَّيل؛ لبعدها عن دينها، وتركها هدي القرآن العظيم ومنهجه في الحياة. ولا صلاح لها ولأحوالها إلاّ بعودتها إلى كتاب ربها، والعمل به والتَّحاكم إليه، وجعله دستورًا للحياة؛ فلن يصلح آخر هذه الأمة إلاَّ بما صلح به أولها: كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ.
إنَّ القرآن العظيم جعل من المسلمين أمَّةً لها كيانها وخصائصها وشخصيتها المميِّزة لها بين سائر الأمم، بعد أن كانوا قبائل متفرِّقة ومتمزِّقة لا ناظم لها، ولا قيمة، بل ولا وجود، يحتقرها غيرها من الأمم؛ كالفرس والرُّوم. ثم بعد أنْ كَوَّنَ منها أمَّة ودولة، لم يرضَ لها إلاَّ أنْ تكون هي الدَّولة العظمى، والقوَّة الكبرى في العالم، فسادت العالم شرقًا وغربًا؛ وبحقٍّ كانت هذه من عجائب الآثار التي أحدثها القرآن في هذه الأمَّة، حيث أنشأ دولةً من العدم؛ ليس هذا فحسب، بل وارتقى بها على سائر الدُّول الضَّاربة في أعماق التَّاريخ؛ كالفرس والرُّوم.
ثم كتب لهذه الأمَّة الخلود والبقاء؛ فكم من دولةٍ قد دالت وانتهت؛ كالمغول مثلًا، حينما هبُّوا فجأة فدمَّروا ما دمَّروا من العالم، ولكنَّهم لم يملكوا من الإمكانات الفكريَّة والثَّقافية ما يقنعون به غيرهم، فانتهت دولتهم، وبدلًا من أن يكونوا مؤثِّرين كانوا متأثِّرين فدخلوا في دين الله؛ أمَّا الأمَّة المسلمة، فكان لديها كتاب ربِّها ومنهجها الذي نشرته، فأَسَرَت قلوبَ النَّاس وعقولهم، وسرعان ما دخلوا فيها وأصبحوا جزءًا من كيانها.
وهذا الثُّقْل الحضاري الذي اتَّسمت به الأمة المسلمة؛ لما تمتلكه من كتاب ربِّها وسنة نبيها، هو الحافظ لها على الدَّوام، ولا سيَّما في عصور تراجعها وضعفها؛ حيث حَافَظَ عليها من الذَّوبان والانخراط في الأمم الأخرى، خاصة في عصور الاحتلال البغيض؛ فكم تكلَّف الاحتلال من نفقات وتكبَّد من أموالٍ ليقضيَ على الأمم المسلمة التي احتلَّها، فلم تزدَدْ إلاَّ تمسُّكًا بدينها وبكتاب ربِّها.
وإنَّ الأمة وإن كانت -وهو الواقع المُشاهد- قد ابتعدت عن كتابها ومنهجها فتخلَّفت وتراجعت، إلاَّ أنَّ الأمل يحدونا في أنَّها ستستعيد مجْدَها وعزَّها وشرفها بفضل هذا الكتاب المقدَّس؛ وهذا هو الوعد المقطوع به، والذي نؤمن به جميعًا.

