
كتب: مروان محمد
ما زالت أصداء واقعة “فتاة الأتوبيس” تثير عاصفة من الجدل، لكن الدفة بدأت تميل نحو تساؤلات مشروعة حول “صدق الرواية” ومدى تورط “هوس الشهرة” في صياغة اتهامات قد تدمر حياة الأبرياء. نحن الآن أمام مفترق طرق: فإما إدانة لمتحرش تستر بعباءة الدين، أو سقوط مدوٍ لضحية وهمية استغلت سلاح السوشيال ميديا للاغتيال المعنوي.
الأمن والقانون: قرائن البراءة أقوى من “اللايكات”

في قراءته للمشهد، يرى اللواء أشرف عبد العزيز، الخبير الأمني والاستراتيجي، أن غياب التفاعل من ركاب الأتوبيس يعد “قرينة صمت” تميل لصالح الشاب، مؤكداً أن جهات التحقيق لا تعترف بـ “الضجيج الرقمي” بل بالدليل المادي وشهادة الشهود وتفريغ الكاميرات التي لن تجامل أحداً.
وأشار اللواء أشرف عبد العزيز، بأنها من أما من الناحية القانونية، فإن الفتاة، في حال ثبوت كذب ادعائها، ستصطدم بنصوص قانونية رادعة:
• جريمة البلاغ الكاذب: طبقاً للمادة (305) من قانون العقوبات، تواجه الفتاة عقوبة الحبس والغرامة إذا ثبت اختلاق الواقعة بسوء قصد.
• جريمة القذف والتشهير: المادتان (302 و303) تجرمان إسناد أمور لو صحّت لاستوجبت عقاب من سُندت إليه، وتغلظ العقوبة إذا كان النشر بقصد الإساءة المتعمدة، وهو ما يسمى قانوناً بـ “القذف”.
• قانون تقنية المعلومات (175 لسنة 2018): المادة (25) تنص على الحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة تصل لـ 100 ألف جنيه لكل من نشر أخباراً كاذبة تنتهك خصوصية الآخرين.
د. إيناس عبد العزيز: “وصمة العار الرقمية” عقوبة أبدية

من منظور الأمن الرقمي، تحذر د. إيناس عبد العزيز، خبيرة الأمن الرقمي، من أن الضرر الذي يلحق بالمتهم يتجاوز مجرد دقائق الفيديو.
وتؤكد في رأيها الفني: نشر صورة الشاب ووصفه بـ ‘المتحرش’ قبل صدور حكم قضائي هو اغتيال معنوي كامل الأركان. المشكلة تكمن في أن ‘وصمة العار الرقمية’ قد تستمر لسنوات طويلة؛ فخوارزميات محركات البحث ومواقع التواصل لا تفرق بين الاتهام الكاذب والحقيقة الموثقة.
وتابعت، حتى لو حصل الشاب على البراءة غداً، ستبقى صورته مرتبطة بكلمة ‘متحرش’ في ذاكرة الإنترنت، مما يدمر مستقبله المهني، ويحطم علاقاته الاجتماعية، ويجعل حياته الزوجية في مهب الريح. نحن أمام جريمة إلكترونية أثرها يمتد لجيل كامل.”
لماذا يظل الشاب “ضحية” حتى لو حصل على البراءة؟
رغم العقوبات القانونية التي قد تطال المدعية، يظل هناك جانب “أدبي” يصعب تعويضه:
• الذاكرة الرقمية: محركات البحث (جوجل) لا تنسى، وصورة الشاب ستظل “مشاعاً” لمن يبحث عن اسمه.
• سرعة الاشتعال: الرأي العام يندفع خلف “فضيحة الجاني” ولا يهتم غالباً بمتابعة “أخبار البراءة”، مما يجعل الضرر النفسي والاجتماعي غير قابل للإصلاح.
الخلاصة: الحقيقة في قبضة النيابة
إن التحرش آفة يجب بترها، لكن “الادعاء الكاذب” هو سرطان ينهش في جسد العدالة ويجعل الضحايا الحقيقيات يدفعن ثمن كذب الأخريات.
وإن القانون المصري الآن يضع الجميع تحت المجهر؛ فإما فضح لمجرم، وإما حبس لمُدعية اختارت “الترند” على حساب الحقيقة، وحتى صدور قرار النيابة، يبقى الشاب ضحية للتشهير، وتبقى الفتاة تحت طائلة المساءلة.. والترند، كعادته، سيبحث عن ضحية جديدة غداً، تاركاً خلفه حيوات محطمة.
ويبقى السؤال المعلق: هل ننتظر الحقيقة من منصات القضاء، أم سنظل عبيداً لـ “فيديو” قد يكون أعظم خدعة رقمية في 2026؟ ……





