أخبارمقالات

دكتور ياسر جعفر يكتب: احذروا خيانة الوطن!

فما أقسى أن تُطعَن الأمةُ من رجالها وأبناء جلدتها؛ فما أشدها من طعنة! وما أبشعها من نكسة! وما أقساها من محنة!! خيانة الوطن عمل مشين، وتصرف قبيح، لعنته كل الشرائع السماوية والقوانين الأرضية؛ إنها “الخيانة”، وكفى بالخائن إثماً أنه ابتاع دنياه بسوء السيرة وآخرته بغضب الرحمن.

والخيانة لها صورة أخرى تسمى بـ “الجواسيس الخونة والعملاء” الذين يقومون بخيانة الوطن، وللأسف لها صور شيطانية من فعل اليهودية الصهيونية، ولها صور مباشرة وغير مباشرة؛ وغير المباشرة تكون مصيبة وخيانة مركبة؛ يسلطون العرب على بعض بالخيانة ويتجسسون بعضهم على بعض لخدمة أعداء الإسلام.

ولقد جاء التحذير من الخيانة ومن الخائنين في مواضع كثيرة في كتاب الله تعالى، كما قال الله عز وجل: ((إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)) [النساء: 105]. ونهى المؤمنين عن الخيانة فقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) [الأنفال: 27].

وبيَّن النبي ﷺ أن أشد الناس فضيحة يوم القيامة هم الخائنون؛ للحديث: “لكل غادر لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان” (متفق عليه).

وفي رواية عبد الله بن عمر: ((يُنْصَبُ لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ يَومَ القِيامَةِ، وإنَّا قدْ بايَعْنا هذا الرَّجُلَ علَى بَيْعِ اللَّهِ ورَسولِهِ، وإنِّي لا أعْلَمُ غَدْرًا أعْظَمَ مِن أنْ يُبايَعَ رَجُلٌ علَى بَيْعِ اللَّهِ ورَسولِهِ ثُمَّ يُنْصَبُ له القِتالُ، وإنِّي لا أعْلَمُ أحَدًا مِنكُم خَلَعَهُ، ولا بايَعَ في هذا الأمْرِ، إلَّا كانَتِ الفَيْصَلَ بَيْنِي وبيْنَهُ)) [صحيح البخاري].
كان الصَّحابةُ -رَضِيَ اللهُ عنهم- يجتَهِدون في أمورِ النوازِلِ التي لم يَرِدْ فيها نصٌّ واضِحٌ صريحٌ، بحسَبِ فَهمِهم لكتابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبيِّه ﷺ، وقد حدَثَت فِتنةُ مَقتَلِ الخليفةِ عُثمانَ -رَضِيَ اللهُ عنه- وتلاها وقوعُ الاقتتالِ بين المُسلِمين، إلَّا أنَّه ظَلَّ بينهم التناصُحُ والتواصُلُ والتواصي بالحَقِّ.

وفي هذا الحديثِ يَروِي التابعيُّ “نَافِعٌ” مولى عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أنَّ ابنَ عُمَرَ -رضِي اللهُ عنهما- جَمَع أبْناءَه وجَماعتَه المُلازِمين لخِدمتِه، بعْدَ أنْ خَلَع بعْضُ النَّاسِ يَزِيدَ بنَ مُعَاوِيَةَ وقدْ بُويِعَ له بالخِلافةِ، فذَكَر لهم قولَه ﷺ: «يُنصب لِكُلِّ غادِرٍ لِوَاءٌ يومَ القِيامةِ». والغادِر: هو الذي يَنقُضُ عَهْدَه، واللِّواءُ: الرَّايةُ التي تُرفَعُ للجَيشِ لِيُمَيَّزَ بها، والمرادُ به: أنه يُمَيَّزُ بعلامةٍ يومَ القيامةِ.

ثُمَّ قال لأبنائِه: «إنَّا قدْ بايَعْنا هذا الرَّجُلَ» -يعني: يَزِيدَ بنَ مُعَاوِيَةَ- «على بَيْعِ اللهِ ورَسولِه»؛ أي: على شَرْطِ ما أَمَرَا به مِن بَيْعَةِ الإمامِ؛ وذلك أنَّ مَن بَايَعَ أميراً فقدْ أعطاهُ الطَّاعةَ وأخَذَ منه العَطِيَّةَ، فكان كمَن باعَ سِلْعَةً وأَخَذ ثَمَنَها. ثمَّ أخبرهم أنَّ مِن أعظَمِ الغَدْرِ أنْ يَنْقُضَ الإنسانُ بَيْعَةَ الإمامِ بعْدَ أنْ عاهَدَه على الولاء بالسَّمْعِ والطاعةِ ويَقومَ لقِتالِه.

وأخبرهم أنَّ مَن خَلَع البَيْعَةَ أو بَايَعَ إماماً آخَرَ، فإنَّ هذا يكونُ قاطِعاً لصِلَتِه وعَلاقَتِه معه؛ وهذا لأنَّه كان يرى أنَّ خَلْعَ يَزيدَ فِتنةٌ وسيحدُثُ فيها قَتلٌ كثيرٌ. وقد حدث ما توقَّعَه؛ فإنَّه لَمَّا بلغ يَزيدَ أنَّ أهلَ المدينةِ خَلَعوه، جهَّز لهم جيشاً مع مُسلِمِ بنِ عُقبةَ المريِّ، وأمره أن يدعوَهم ثلاثةَ أيَّامٍ، فإن رجعوا وإلَّا فيُقاتِلُهم، وإذا انتصر عليهم يُبيحُ المدينةَ للجَيشِ ثلاثاً ثم يكُفُّ عنهم. فتوجَّه إليهم فوصل في ذي الحِجَّةِ سنةَ ثلاثٍ وسِتِّين فحاربوه، وكانوا قد اتَّخَذوا خندقاً، وانهزم أهلُ المدينةِ، وأباح مُسلِمُ بنُ

عُقبةَ المدينةَ ثلاثاً؛ فقتل جماعةً من بقايا المهاجِرين والأنصارِ وخيارِ التابعين، وقُتِل بها جماعةٌ من حمَلةِ القُرآنِ، ثم بايع الباقون كُرهاً على أنَّهم أتباعٌ لِيَزيدَ.

وفي الحَديثِ: لُزُومُ طاعةِ الإمامِ الذي انْعَقَدَتْ له البَيْعةُ، والمَنْعُ مِنَ الخروجِ عليه ولو جَارَ وظَلَمَ. وفيه: دليلٌ على أنَّ الغَدْرَ مِن كبائِرِ الذُّنوبِ؛ لأنَّ فيه هذا الوعيدَ الشَّديدَ.

كما بيَّن رسول الله ﷺ أن الخيانة ليست من أخلاق المسلم: “يُطبَع المؤمنُ على كل خُلق، ليس الخيانة والكذب”. وإذا كانت الخيانة صفة ذميمة منهيّاً عنها، فإن من أعظم الخيانة “خيانة الأوطان”؛ لأنها خيانة أمة، وبها يفسد حال المسلمين. ولهذا فإن الشريعة الإسلامية أوجبت على كل مسلم أن يشارك إخوانه في دفع أي اعتداء يقع على وطنه أو على أي وطن إسلامي آخر؛ لأن الأمة الإسلامية أمة واحدة، قال الله تعالى: ((إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)) [الأنبياء: 92].

وكل مَن قصَّر في أداء هذا الواجب يعتبر خائناً لدينه ولوطنه، وبالأولى كل من مالأ عدو المسلمين وأيّده في عدوانه بأي طريق من طرق التأييد يكون خائناً لدينه؛ فإن الاعتداء الذي يقع على أي بلد من البلاد الإسلامية هو اعتداء -في الواقع- على جميع المسلمين.

وخيانة هؤلاء لا شك أنها أشد على الأمة من كيد أعدائها، وصدق القائل: يُخادعني العدو فلا أبالي | وأبكي حين يخدعني الصديقُ، وما أعظم سلاح الخيانة في الأمة! ذلك السلاح الذي تجرعت الأمة -وتتجرع بسببه- المرارات، وعن طريقه فقدت الأمة أعظم قادتها وخلفائها ممن أعجَزوا أعداءها على مر التاريخ؛ فالرسول ﷺ سمَّته يهود، وعمر قتله “أبو لؤلؤة المجوسي”، وعثمان قتلته يد الغدر، وعلي وغيرهم ممن أغاظ أعداء الله وأذاقهم صنوف العذاب والهوان في ساحات النزال. وفي “بئر معونة” قُتِل سبعون من خيار الصحابة؛ لأجل هذا جاء التحذير من الخيانة، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) [الأنفال: 27].

وها هو التاريخ يعيد نفسه، والأيام تقلِّب صفحاتها لتعيد الذكريات النجسة لأحفاد “عبد الله بن أُبي بن سلول” -أعظم المنافقين خيانة- وأبناء “ابن سبأ” اليهودي. ومرتزقة الرافضة الذين هم فرع عن تلك النبتة الخبيثة، يغيظ قلوبهم ما فيه بلاد الحرمين الشريفين من نِعم أفاء الله –تعالى- بها عليها، فحاولوا أن يعبثوا بأمنها، ويفسدوا في أرضها، ويفرِّقوا أبناءها؛ والمؤلم أن ذلك وقع من أناس نشأوا على أرضها، ونهلوا من خيرها، ونعموا في أمنها.

لقد صيَّر هؤلاء أنفسهم لعبة في يد الرافضة يصرِّفونهم في الإساءة لأوطانهم كيف شاءوا، ومن ورائهم من يبرِّر ويحرِّض.. لقد تجللوا بعار الخيانة، وتلبّسوا بجرم الجناية.. ناهيك عن تعرضهم للإثم والمقت واستحقاق الوعيد الشديد.
وقد نجح أعداء الله في تسليط الأمة الإسلامية على بعضها البعض، ونشروا الجواسيس فيما بينهم لصالح أعداء الإسلام ليدمروا الأوطان العربية. وفي رواية عن أنس بن مالك رضي الله عنه: ((لا إيمانَ لِمَن لا أمانةَ له، ولا دِينَ لِمن لا عهدَ له)) [صحيح الترغيب].

وفي هذا الحديثِ يقولُ أنسُ بنُ مالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عنه-: “قلَّما خَطَبَنَا رسولُ اللهِ ﷺ إلَّا قال”، أي: قَلَّ أنْ تَجِدَ خُطبةً من خُطَبِ النَّبيِّ ﷺ ومَواعِظِه إلَّا ذَكَرَ فيها قولَهُ: “لا إيمانَ”؛ أي: لا إيمانَ كاملاً، “لِمَنْ لا أمانةَ له”؛ أي: لمن كانتْ في نفْسِهِ خِيانةٌ يَخونُ في مالِ أحدٍ أو نفْسِهِ أو أهْلِهِ، فمَنْ كان كذلك فإِيمانُهُ ناقِصٌ؛ لأنَّ الأمانةَ مِن أهَمِّ خِصالِ الإيمانِ. “ولا دِينَ”؛ أي: لا دِينَ كاملاً، “لِمَنْ لا عَهْدَ له”؛ أي: لِمَنْ يَخونُ العُهودَ ويَنْقُضُها دُونَ ناقِضٍ شَرْعيٍّ؛ فإنَّ اللهَ أَمَرَ بالوَفاءِ بالعُهودِ وأكَّد ذلك، فمَنْ نَقَضَ عهدَه فهذا من قِلَّةِ دينِهِ وعَدَمِ كمالِهِ.

وقيل: مَعْناهُ النَّهْيُ عن أنْ يَخونَ المُؤمِنُ أو يَنْقُضَ العُهودَ، ولا يفعَلُ ذلك وهو مُؤمِنٌ. وقيل: لا إيمانَ له إذا استحَلَّ ذلك ولم يَرَهُ مَعْصيةً. وقيل: يُنزَعُ الإيمانُ منه فيكونُ فوقَه كالقُبَّةِ، فإذا فارَقَ الذَّنْبَ عاوَدَهُ إيمانُهُ.

ينبغي أن يكون أهل المناصب من أصحاب الأمانة، وقد نصحنا في ذلك “رسول الإنسانية” ﷺ؛ ففي الحديث الذي رواه حذيفة بن اليمان: ((أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لأهْلِ نَجْرَانَ: لَأَبْعَثَنَّ إلَيْكُمْ رَجُلًا أمينًا حَقَّ أمينٍ، فَاسْتَشْرَفَ لَهَا أصْحَابُ النبيِّ ﷺ، فَبَعَثَ أبَا عُبَيْدَةَ)) [صحيح البخاري].

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1].

والإلقاءُ: إيصالُ المودةِ إليهم، والمرادُ بالعداوةِ: العداوةُ الدينيةُ التي جعلتِ المشركينَ يحرصونَ كلَّ الحرصِ على أذى المسلمينَ. والمعنى: يا مَن آمنتم بالله تعالى إيماناً حقاً، احذروا أن تتخذوا أعدائي وأعداءكم أولياء وأصدقاء وحلفاء، بل جاهدوهم وأغلظوا عليهم واقطعوا الصلةَ التي بينكم وبينهم.

وناداهم بصفةِ الإيمانِ؛ لتحريكِ حرارةِ العقيدةِ الدينيةِ في قلوبهم، ولحضِّهم على الاستجابةِ لما نهاهم عنه، وفي وصفهم بالإيمانِ دليلٌ على أنَّ الإتيانَ بالكبيرةِ لا ينافي أصلَ الإيمانِ.

ثمَّ ساقَ سبحانهُ الأسبابَ التي من شأنِها حملُ المؤمنينَ على عدمِ موالاةِ أعداءِ اللهِ وأعدائهم؛ فبيَّن أنهم قد كفروا بما جاءكم على لسانِ رسولكم ﷺ من الحقِّ الذي يتمثلُ في القرآنِ الكريمِ وفي كلِّ ما أوحاه سبحانه إلى رسوله ﷺ. ولم يكتفوا بكفرهم بما جاءكم -أيها المؤمنون- من الحق، بل تجاوزوا ذلك إلى محاولةِ إخراجِ رسولكم ﷺ وإخراجكم من مكة من أجلِ إيمانكم بالله ربِّكم. ثمَّ أكَّد سبحانه الأمرَ بتركِ مودةِ المشركينَ فخاطبهم: إن كنتم -أيها المؤمنون- قد خرجتم من مكة من أجلِ الجهادِ في سبيلي ومن أجلِ طلبِ مرضاتي، فاتركوا اتخاذَ عدوي وعدوكم أولياء، واتركوا مودَّتَهم ومصافاتهم.

وقولُه سبحانه: {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ}؛ معناها: تفعلون ما تفعلون من إلقاءِ المودةِ إلى عدوي وعدوكم ومن إسراركم بها إليهم، والحالُ أني أعلمُ منهم ومنكم بما أخفيتموه في قلوبكم وما أعلنتموه، ومُخبرٌ رسولنا ﷺ بذلك. ثمَّ ختمَ سبحانه الآيةَ بقوله: {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}؛ أي: ومن يفعلْ ذلك الاتخاذَ لعدوي وعدوكم أولياء ويُلقِ إليهم بالمودة، فقد أخطأ طريقَ الحقِّ والصوابِ.

زر الذهاب إلى الأعلى