دكتور ياسر جعفر يكتب: لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ

هل هذه حكمة أم مقولة لبعض السلف؟! .. هذا حديث من قول رسول الإنسانية -صلى الله عليه وسلم- ليحذر أمة من أصحاب السوء وأصحاب الإيذاء، وينبغي على الإنسان أن يأخذ حذره، وإذا وقع في خطأ فينبغي التعلم منه جيداً، وإذا نُصب عليه من شخص مرة فليأخذ حذره منه، وإذا وقع في خطأ وتأذى بسبب الخطأ فليحذر مرة أخرى، ولذلك شبه رسول الإنسانية -صلى الله عليه وسلم- “ألا تلدغ من جحر حية (ثعبان) أو عقرب فليحذر من تدخل يده في أي جحر آخر”، وعلى رأي المثل: (اللي يتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي). وهذا الحديث ينطبق على الفرد والأسرة والمجتمع والدول، والحذر مطلوب لتجنب الأذى، وينبغي للإنسان العاقل أن يتعلم من الأخطاء والمواقف والمعاملات.
ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة: (لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ) – صحيح البخاري.
على المؤمن أن يكون حازماً حذراً؛ لا يُؤتَى من ناحية الغفلة، فيُخدع مرة بعد أخرى ويقع في مكروه، وقد يكون ذلك في أمر الدين كما يكون في أمر الدنيا، وهو أولاهما بالحذر.
وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ»، واللَّدغُ: ما يكونُ مِن ذواتِ السُّمومِ. والجُحْرُ: المكانُ الضَّيِّق، وهذا الكلامُ على التشبيهِ بأنَّ الإنسانَ عادةً ما يَحذَرُ من كُلِّ دابَّةٍ لادغةٍ مُؤذِيةٍ، وخاصَّةً إذا جَرَّب لَدْغَها ونجَّاه اللهُ منها في أوَّلِ مَرَّةٍ، فيزيد حَذَرُه وحِرْصُه على التوقِّي والابتعادِ عن هذه الدابَّةِ، وكذلك المؤمِنُ إذا نُكِبَ من وجهٍ فلا ينبغي أن يعودَ لِمِثلِه. وفيه: أدبٌ شريفٌ أدَّب به النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَّتَه ونبَّهَهم كيف يَحْذَرون ما يخافون سوءَ عاقبتِه.
ويُقالُ في سببِ وُرودِ هذا الحديثِ -ويُروَى ذلك بإسنادٍ ضَعيفٍ- أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أسَر أبا عزَّةَ الشَّاعرَ يومَ بدرٍ، فسأل النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يمُنَّ عليه بإطلاقِ سَراحِه، وذكر فَقْرَه وقِلَّةَ مالِه، فمَنَّ عليه، وعاهَده ألَّا يُحرِّضَ عليه ولا يَهجُوَه، فأطلَقَه، فلَحِق بقَومِه، ولكِنَّه لَمَّا رجع إلى مكَّةَ استهواه صَفوانُ بنُ أُمَيَّةَ وضَمِنَ له القيامَ بعيالِه، فخرج مع قريشٍ لحربِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ورجَع إلى التَّحريضِ والهجاءِ، ثمَّ أُسِر يومَ أُحدٍ، فطلَبَ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَنَّ عليه مرَّةً أُخرى، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «لا يُلدَغُ المؤمنُ مِن جُحْرٍ واحدٍ مرَّتَينِ».
ثُمَّ قَالَ لَهُ: «لَا تَمْسَحُ عَارِضَيْك بِمَكَّةَ وَتَقُولُ: سَخِرْت بِمُحَمّدٍ مَرّتَيْنِ»، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ.
وهو من جوامِعِ الكَلِمِ التي لم يُسْبَقْ إليها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، بل كان أوَّلَ من أنشأها وصاغها. وفي الحَديثِ: التَّعلُّمُ مِن الخطأِ، وعدمُ تكرارِه. وفيه: بيانُ فَصاحةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبلاغتِه.
يقول الله تعالى في محكم آياته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: 71]، وقال الله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: 102]. وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ».
الأصل في المؤمن أن يكون فطناً حذراً، آخذاً بالأسباب، رابطاً إياها بالمسببات والنتائج، وهذا الحديث المتقدم إنما هو مثل ضربه النبي -صلى الله عليه وسلم- لبيان كمال احتراز المؤمن ويقظته، وأن المؤمن يمنعه إيمانه من اقتراف السيئات التي تضره مقارفتها، وأنه متى وقع في شيء منها، فإنه في الحال يبادر إلى الندم والتوبة والإنابة. فالمؤمن يحذر غاية الحذر من ذلك السبب الذي أوقعه في الذنب، كحال من أدخل يده في جحر فلدغته حية أو عقرب، فإنه بعد ذلك لا يكاد يدخل يده في ذلك الجحر لما أصابه فيه أول مرة.
ومن أمثلة ذلك أن ينخدع المؤمن بقول كاذب أو عهد منافق بعدما جرب عليه الكذب والخيانة، فإذا كان زيد من الناس خدعه مرة، فليحذره حتى لا يخدعه مرة أخرى، وإذا كان عمرو ظلمه في معاملة، فليحذر أن يخدعه ويظلمه في معاملة أخرى، وهكذا؛ ينبغي للمسلم توقي الشر ممن خدعه أولاً أو أضره أولاً.
وكما أن الإيمان يحمل صاحبه على فعل الطاعات، ويرغبه فيها، ويحزنه لفواتها، فكذلك يزجره عن مقارفة السيئات، وإن وقعت بادر إلى النزوع عنها، ولم يعد إلى مثل ما وقع فيه. وفي هذا الحديث المتقدم يحثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الحزم والكيس في جميع الأمور. ومن لوازم ذلك: أن يعرف المسلم الأسباب النافعة ليقوم بها، والأسباب الضارة ليتجنبها.
فالمعنى الإجمالي للحديث: التحذير من التغفل وتكرار الخطأ، والحث على التيقظ واستعمال الفطنة. وقد نقل الحافظ في الفتح عن أبي عبيد قال: معناه “لا ينبغي للمؤمن إذا نُكب من وجه أن يعود إليه”.




