كيفية الخروج من الفتن والهموم؟!

بقلم: د. ياسر جعفر

تعيش الأمة في فتن كبيرة؛ فتن حروب، وفتن غلاء، وفتن أكل الحقوق، وفتن كثرة النفاق والرياء والتضليل، وفتن انتشار الظلم والفساد والمحسوبية، وفتن جور الحكام على الشعوب! .
وربما يحتار فيها الناس، وربما يكون فيها الحليم حيرانًا! فتن كفتن الليل المظلم، وربما كثير من الناس يقولون: “صعب الخروج من الفتن”، مع العلم أن من السهل الخروج منها بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. أهم شيء خلِّ إيمانك بالله قويًا، وكن على يقين بأن الله هو الضار والنافع، وبيده مقاليد كل شيء، وبيده مفاتيح الخيرات والمسرات. ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة: «إنِّي قد خلَّفْتُ فيكم شيئَيْنِ لن تَضِلُّوا بعدَهما أبدًا ما أخَذْتُم بهما، أو عمِلْتُم بهما: كتابَ اللهِ، وسُنَّتي، [ولن] يتفرَّقَا حتَّى يَرِدَا علَيَّ الحوضَ».
كتاب الله وسنة نبيه هما الأصلان اللذان لا عدول عنهما، ولا هدي إلا منهما، والعصمة والنجاة لمن تمسك بهما واعتصم بحبلهما.
وفي هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنِّي قد خلَّفْتُ فيكم شَيئينِ»، أي: تركت لكم بعد وفاتي ومماتي أمرين، «لنْ تَضِلُّوا بعدَهما أبدًا ما أخذْتُم بهما -أو عَمِلْتُم بهما-»، أي: هما سبب في الفوز في الآخرة إذا أخذ بهما العبد في الدنيا، «كِتابَ اللهِ، وسُنَّتي»، أي: بالاستمساك والعمل بالقرآن والسنة معًا؛ وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. والمراد بسنته صلى الله عليه وسلم: أقواله وأفعاله وتقريراته، «ولنْ يَتفرَّقَا»، أي: هما محفوظان باقية حجتهما على الأمة، «حتَّى يَرِدَا عليَّ الحَوضَ»، أي: يمرا عليَّ وأنا على الحوض، والحوض هو نهر الكوثر الذي أعطاه الله للنبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة الذي يسقي منه الواردين عليه من المؤمنين.
وفي الحديث: بيان أن منزلة السنة النبوية كمنزلة القرآن.
وفي الحديث الذي رواه عبد الله بن عباس: «إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أن يُعبَدَ بأرضِكم، ولكن رضِيَ أن يُطاعَ فيما سِوى ذلك مما تُحاقِرون من أعمالِكم، فاحْذَروا، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به فلن تَضِلُّوا أبدًا، كتابَ اللهِ، وسُنَّتةَ نبيِّه» (صحيح الترغيب).
القرآن الكريم والسنة النبوية هما حبل الله المتين، فمن حفظهما وعمل بما فيهما بنية صادقة وقلب متيقن؛ فإن له الجزاء الأوفى عند الله سبحانه.
وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ»، أي: أصابه اليأس بعد انتشار الإسلام، «بأرْضِكم» وهي جزيرة العرب، «ولكنْ رضِيَ أنْ يُطاعَ فيما سِوَى ذلك»، أي: رضي بأن يتبعه الناس فيما هو أقل من الشرك بالله، وهو «ممَّا تُحاقِرون مِن أعْمالِكم» من صغائر الذنوب والمعاصي، وهي اللمم، «فاحْذَروا»، والمعنى: احذروا من طاعة الشيطان والوقوع في الصغائر؛ لأنها لا تزال بالعبد حتى تهلكه وهو لا يدري. «إني قد ترَكْتُ فيكم»، أي: تركت لكم بعد موتي فيما بينكم، «ما إنِ اعتَصَمْتم به»، أي: تمسكتم به وأخذتم بالعمل بما فيه، «فلنْ تَضِلُّوا أبدًا»، أي: فلن تكونوا في ضلال وزيغ عن الحق بعد تركي إياه فيكم، أو بعد التمسك به والعمل بما فيه. «كِتابَ اللهِ»، وهو القرآن الكريم، وهو أعظم وأفضل ما يتأسى به الناس ويقتدون به؛ لأنه كلام الله سبحانه وتعالى، ولأنه يهديهم إلى الطريق المستقيم وإلى الحق فلا يضلون، «وسُنَّةَ نَبِيِّه» وهي كل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقوال، أو أفعال، أو أمور أقرها ووافق عليها؛ وفي السنة بيان وتفصيل لما في القرآن الكريم، والكتاب والسنة هما أصل الدين، وفيهما النجاة لمن تمسك بهما.
وفي الحديث: التخويف والتحذير من وسواس الشيطان، وفيه: الحث على التمسك بالكتاب والسنة.
صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أطهر الأمة قلوبًا، وأقواهم إيمانًا وثباتًا، وأتقاهم سريرة ومَخبَرًا؛ أمرهم صلى الله عليه وسلم أن يتعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونحن نقول: اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، والفتن هي المحن، الفتن هي الاختبار والتمحيص.
ومن شدة تحذير النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة وللأمة من بعدهم، أمرهم في كل صلاة أن يتعوذوا بالله من الفتن، فقال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ -أي في التشهد الأخير من كل صلاة- فَلْيَسْتَعِذْ باللَّهِ مِن أَرْبَعٍ، يقولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» (أخرجه مسلم).
في كل صلاة نتعوذ بالله من هذه الأربع؛ والاستعاذة بالله من الفتن تعني أننا نلجأ إلى الله، وندعو الله، ونعتصم به من الفتن. وصاحب العقل واللبيب يهرب من الفتن؛ فالبعد عنها عصمة منها، إذا ابتعدنا عن الفتن عصمنا الله منها وكفانا شرورها. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، أمرنا ألا نستشرف الفتن حتى لا نقع فيها؛ تحذير وإنذار لكل مسلم بألا يعرض نفسه للفتن. لا تمتحن نفسك بالفتن، ولا تختبر نفسك بها، فلربما سقطت في الامتحان ورسبت في الاختبار، ووقعت في الشرور، وتغيرت عليك الحياة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «سَتَكُونُ فِتَنٌ -فتن امتحانات واختبارات للإيمان والثبات، زلزلة للقلوب- القاعِدُ فيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ، والقائِمُ فيها خَيْرٌ مِنَ الماشِي، والماشِي فيها خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، ومَن يُشْرِفْ لها تَسْتَشْرِفْهُ، ومَن وجَدَ مَلْجأً أوْ مَعاذًا فَلْيَعُذْ بهِ» (أخرجه البخاري ومسلم).
(فتن الشبهات)
الذين يشككون في دين الله، في شرع الله، في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يشككون فيها ويخرجون إلينا كل يوم عبر وسائل التواصل يحرفون العقيدة الصحيحة، ويتكلمون في القرآن كلام الله، ويخوضون في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدعون الناس إلى ترك المساجد وهجر القرآن، والبعد عن تطبيق سنن النبي صلى الله عليه وسلم، يشككون في يوم القيامة والحساب والجنة والنار، بل يدعون إلى ترك الدين كله، ويتَّهمونه بأنه سبب تخلف المسلمين، وتبعيتهم وضعفهم وتأخُّرهم، فيدعون إلى الكفر، يدعون إلى الإلحاد، يدعون إلى الخروج من دين الله، يدعون الشباب إلى الخروج من بلاد الطهر والإسلام إلى بلاد الكفر والعَهْر والانحلال، فإذا ذهب من قلَّ عقلُه إليهم، تركوهم يهيمون في الشوارع لا يجدون طعامًا ولا شرابًا ولا مسكنًا؛ فتن شبهات، فتن في الدين، “اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا”.
(فتن الشهوات)
ما تشتهيه النفس من المحرمات، وما أكثر فتن الشهوات! لا يكاد يسلم منها مسلم إلا من عصم الله ورحِم، ومنها: فتنة المال: فتنة جمع المال، جمع الدنيا، الطمع والجشع في جمع المال من حلال ومن حرام؛ فتنة عظيمة تجعل المسلم ينسى دينه، وينسى أهله، وأولاده، وأقاربه وأرحامه، بل ربما قاطعهم وخاصمهم وهجَرهم من أجل المال، بل ربما قتل وسفك الدم الحرام من أجل المال؛ من أجل قطعة أرض، أو شعب، أو جبل، أو ساقية.
وأغلب قضايا الناس اليوم ومعاملاتهم وتقاطعهم وتخاصمهم من أجل فتنة المال؛ عندما كان الفقر والشح كانوا سعداءَ متآلفين متحابين، أُسرتين أو ثلاث أُسر إخوة في بيت واحد، وعندما فُتِنت الأنفس بالمال والتوسع، تجد مع كل شخص جبلًا أو جبلين، وشعبًا أو شعبين، تفرق الناس في رؤوس الجبال وفي بطون الشعاب، وتقاطعوا وتهاجروا وتركوا حتى الصلاة في المساجد. فتنٌ حتى في المخططات والأراضي الحكومية، يسعى صاحب الجاه والمنصب والمال، يأتي بوسائط من هنا وهناك، حتى ينال أجمل الأماكن في المخططات وعلى الشوارع العامة؛ فتن بل جرائم يرتكبها المسؤول وصاحب الوسائط، لا يجوز بأي حال أن توزع تلك الأراضي وتلك المخططات إلا بالتساوي بالاستهام بالاقتراع، لكنها فتنة المال يرتكب الحرام من أجلها؛ قال صلى الله عليه وسلم: «لَيَأْتِيَنَّ علَى النَّاسِ زَمانٌ، لا يُبالِي المَرْءُ بما أخَذَ المالَ، أمِنْ حَلالٍ أمْ مِن حَرامٍ» (صحيح البخاري).
(ومن فتن الشهوات)
فتنة النساء: وما أخطرها وما أسوأها من فتنة! أشد فتنة على الرجال فتنة النساء؛ وكم سقط فيها من رجال، وكم صغر فيها من كبير، وكم تبعثرت فيها من أسر وبيوت وأزواج وزوجات.
نحن لا نتكلم عن أحد، ولا نخص أحدًا، وليس هذا الأمر إلينا ولا في أيدينا، ولا يجوز بأي حال أن نتَّهم الناس ونشك في الناس، ونرميهم بما ليس فيهم؛ إنما نحن نتحدث عن فتنة حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ علَى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ» (أخرجه البخاري ومسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كيفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فإنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ»، وفي حديث ابن بشار: «لِيَنْظُرَ كيفَ تَعْمَلُونَ» (صحيح مسلم).
فليحذر كل مسلم من هذه الفتنة، فوالله إنها دركات إلى الهاوية والشقاء، وربما إلى النار والعياذ بالله. الشاب يتزوج ويكتفي بزوجته، والمتزوج يتورع ويتقي الله في محارم الناس؛ فإن له محارمَ؛ له زوجة وأخوات وبنات. فُتِحَت وسائل التواصل على كل الشرور، نساء ورجال سقطوا فيها، باعوا دنياهم وآخرتهم من أجل شهوة؛ بسبب نظرة ومكالمة ومهاتفة وتواصل ومزحات وابتسامات، من أجل رسالة أو صورة.
فينبغي على الإنسان العاقل أن يتجنب الفتن بقراءة القرآن، ويقرأ يوميًا سورة الكهف، ويلتزم بالصلاة في أوقاتها، وقراءة الأذكار صباحًا ومساءً، ويلتزم بالأذكار النبوية في كل شيء؛ عند الخروج من البيت وعند الدخول، وعند الأكل والشرب، وعند الملبس وعند النوم، والأذكار كلها موجودة بالسنة النبوية.



