تقارير

دكتور ياسر جعفر يكتب: انفجار الأسعار.. إلى أين؟!

لم تعد زيادة الأسعار مجرد أزمة عابرة، بل تحولت إلى كابوس يومي يطارد كل مواطن في أبسط تفاصيل حياته.

لم يعد الأمر مقتصرًا على سلعة بعينها أو قطاع محدد، بل أصبحنا أمام موجة عارمة من الغلاء تضرب كل شيء بلا استثناء، وكأنها انفجار اقتصادي بلا ضابط ولا رقيب.إن ربكم سبحانه قدر المقادير، وقسم الأرزاق، وكتب الآجال، وجعل عباده متفاوتين في ذلك، ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ﴾ [الأنعام: 165]، وكل ما في الكون من حركة ولا سكون إلا بمشيئته وإرادته، وهذه الدنيا هي دار الابتلاء والامتحان، والله يبتلي عباده بالسراء؛ ويبتليهم بالضراء؛ ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الأنبياء: 35].إن الشريعة الإسلامية أولت التجارة والتُجار عناية كبيرة، فبينت ضوابط وأحكام البيع والشراء، وأباحت الربح الحلال، وجعلت السعي في الأرض وطلب المال الحلال مع النية الصالحة عملا صالحا، وحذرت من التعسف والجور والظلم والجشع والأنانية واستغلال حاجات الناس، قال صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر التجار، إنكم تبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبرَّ وصدق)). وقال صلى الله عليه وسلم: (( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا؛ فإن صدقا وبينا بورك لهما؛ وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما )) أخرجه مسلم.

عندما يرتفع سعر السولار، نتفهم – ولو على مضض – أن ترتفع تكاليف النقل، ولكن ما لا يُفهم ولا يُقبل أن تمتد هذه الزيادات إلى كل شيء، حتى ما لا علاقة له بالسولار! كيف يرتفع سعر الليمون والخضروات؟! كيف تزيد أجرة التاكسي رغم أن أغلبه يعمل بالغاز؟! إنها فوضى تسعير وليست اقتصادًا منظمًا.

لقد أصبح بعض التجار يتعاملون مع المواطن باعتباره الحلقة الأضعف، يرفعون الأسعار بلا مبرر حقيقي، مستغلين غياب الرقابة وضعف المحاسبة. فالزيادة لم تعد منطقية، بل مبالغ فيها إلى حد الانفجار، حتى باتت الأسر عاجزة عن تلبية احتياجاتها الأساسية.

الأخطر من ذلك هو ارتفاع أسعار الدواء، وهو خط أحمر لا يجوز تجاوزه، لأن الأمر هنا لا يتعلق برفاهية، بل بحياة إنسان. فكيف يُترك المرضى فريسة لارتفاع الأسعار دون تدخل حاسم؟! .

إن ما يحدث اليوم يتطلب وقفة جادة من جميع الجهات المعنية، فالمواطن لم يعد يحتمل مزيدًا من الضغوط.

الصمت لم يعد خيارًا، والتأخير في التدخل يزيد من معاناة الناس ويهدد الاستقرار المجتمعي.وأمرت الشريعة بالتيسير والتسهيل وطلب الربح اليسير دون العنت والمشقة على الناس، بل جعلت هذا بابًا عظيمًا من أبواب الرحمة والإحسان، قال صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى)) أخرجه البخاري.وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم التجار من غلاء الأسعار لمجرد جشعٍ منهم، فعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليُغْلِيَه عليهم فإن حقًا على الله أن يقذفه في جهنم )) أخرجه البيهقي. وحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من أكل الحرام؛ وقد يأتي المالُ الحرام بسبب المغالاة التي منطلقها الجشع قال صلى الله عليه وسلم: ((كل لحم نبت على سحت فالنار أولى به)). ومما حرمته الشريعة مما يكون حماية للمستهلك النجش وهو الزيادة في قيمة السلعة ممن لا يريد شراءها؛ وكذلك حرمت الشريعة تلقي الركبان خارج الأسواق؛ لأن ذلك مآله إلى غلاء الأسعار، ومما حرمته الشريعة إنفاق السلعة بالحلف الكاذب؛ وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ممحقة للبركة .

نحن لا نطالب بالمستحيل، بل نطالب بالعدل والرقابة وتفعيل القوانين. نطالب بأن يشعر المواطن أن هناك من يحميه، من يراقب السوق، من يضبط الأسعار، ويحاسب كل من يستغل الظروف لتحقيق أرباح غير مشروعة.

في النهاية، إن استمرار هذا الوضع دون تدخل حقيقي سيؤدي إلى نتائج لا تُحمد عقباها. فالمجتمع الذي يُرهق اقتصاديًا، يختنق تدريجيًا، والإنسان الذي يُثقل كاهله بالغلاء، يفقد الأمل.

كفى استنزافًا للمواطن… وكفى صمتًا أمام هذا الانفلات.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!