أخباردين

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾

بقلم: د. ياسر جعفر

من أعظم شهور السنة شهر رمضان، لماذا؟! لأنه أُنزل فيه القرآن؛ القرآن الكريم دستور الحياة للإنسانية، شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن في “ليلة القدر”، ولذلك ليلة القدر خير من ألف شهر بسبب نزول القرآن؛ فأي شرف وأي عزة وأي فضل وكرم!
شهر رمضان شهر عظيم، شهر كريم، شهر الرحمة والعتق من النيران، وشهر صُفِّد فيه القرين (الشيطان المكلف للإنسان بالإغواء في الشر والمعاصي)؛ صُفِّد القرين لكي يكون الإنسان غير مقيد بضغط وسوسة الشيطان ويفسد عليه صومه.

شهر رمضان منحة ربانية للعباد، ومن ينتهز هذه المنحة يُغفر له جميع الذنوب والمعاصي، والغاية الأسمى الرفيعة من الصوم هي التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].

والغاية من الصيام هي التقوى، فقد قال ابن كثير -رحمه الله-: «وأصل التقوى التوقي مما يكره، لأن أصلها وقوى من الوقاية».

انتهى. وحقيقة التقوى فعل المأمورات واجتناب المنهيات.

قال طلق بن حبيب: “إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى”. قالوا: يا أبا علي، وما التقوى؟ قال: “أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله”.

وقال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: “وقد قيل إن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سأل أبي بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقاً ذا شوك؟ قال: بلى. قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى”. وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال:

خَلِّ الذُّنوبَ صَغيرَها … وَكَبيرَها ذاكَ التُقى
وَاصنَع كَماشٍ فَوقَ أَرضِ الشَوكِ يَحذَرُ ما يَرى
لا تَحقِرَنَّ صَغيرَةً … إِنَّ الجِبالَ مِنَ الحَصى

أيها الإنسان، عليك بالتقوى واغتنام هذا الشهر، وتجنب كل ما يلهي من لهو المسلسلات والأفلام ولهو الكرة، واحذر المعاصي، واجتهد في العبادة وسارع في عمل الخيرات. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185].

ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة -رضي الله عنه-: (قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قالَ اللَّهُ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به، والصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ») [صحيح البخاري].

لِلصِّيامِ فضائلُ عظيمةٌ، وكرامةُ الله للصائمين لا تنقطع؛ فإنهم حرموا أنفسهم الطعام والشراب والشهوة، فأعطاهم الله -سبحانه وتعالى- من واسع عطائه، وفضَّلهم على غيرهم. وفي هذا الحديث يخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن الله -عز وجل- قال: «كلُّ عمَلِ ابنِ آدمَ له»، أي: فيه حظٌّ ومدخلٌ لاطلاع الناس عليه؛ فقد يتعجل به ثواباً من الناس، ويحوز به حظاً من الدنيا، إلا الصيام؛ فإنه خالص لي، لا يعلم ثوابه المترتب عليه غيري، «وأنا أجزي به»، أي: أتولى جزاءه، وأنفراد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته.

وأما غيره من العبادات، فقد اطلع عليها بعض الناس؛ فالأعمال قد كُشفت مقادير ثوابها للناس، وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمئة إلى ما شاء الله، إلا الصيام؛ فإن الله يثيب عليه بغير تقدير، كما جاء في رواية صحيح مسلم: «كلُّ عمَلِ ابنِ آدَمَ يُضاعَفُ، الحَسَنةُ عشْرُ أمثالِها إلى سَبْعِ مِئةِ ضِعفٍ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: إلَّا الصَّومَ؛ فإنَّه لي وأنا أَجْزي به». ولما كان ثواب الصيام لا يحصيه إلا الله تعالى، لم يكِلْه تعالى إلى ملائكته، بل تولى جزاءه تعالى بنفسه، والله تعالى إذا تولى شيئاً بنفسه دلَّ على عظم ذلك الشيء وخطر قدره.

ثم أخبر أن الصيام “جُنَّةٌ”، يعني: وقاية وحصن حصين من المعاصي والآثام في الدنيا، ومن النار في الآخرة.

ثُمَّ نَهى رَسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- الصَّائمَ عن الرَّفَثِ، وهو الفُحشُ في الكَلامِ، وكذا نَهاهُ عن الصَّخَبِ، وهو الصِّياحُ والخِصامُ، فإنْ شَتَمَهُ أحَدٌ أو قاتَلَهُ، فلْيَقُلْ له بلِسانِه: «إنِّي امْرُؤٌ صائِمٌ»؛ لِيَكُفَّ خَصْمُه عنه، أو يَستشْعِرْ ذلِك بقَلْبِه؛ ليَكُفَّ هو عن خَصْمِهِ. والمرادُ بالنَّهيِ عن ذلك تَأكيدُه حالةَ الصَّومِ، وإلَّا فغَيرُ الصَّائمِ مَنهيٌّ عن ذلك أيضًا.

ثمَّ أقْسَمَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- بقولِه: «والذي نفْسُ محمَّدٍ بيَدِه»، أي: يُقسِم باللهِ الَّذي رُوحُه بيدِه؛ وذلك لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ هو الَّذي يملِكُ الأنْفُسَ، وكثيرًا ما كان يُقْسِمُ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- بهذا القَسَمِ: «لَخُلُوفُ»، أي: تَغيُّرُ رائحةِ فَمِ الصَّائمِ -لخَلاءِ مَعِدَتِه مِن الطَّعامِ- أطيَبُ وأزْكى عندَ اللهِ تعالَى يومَ القِيامةِ مِن رِيحِ المِسكِ الَّذي هو أطيبُ الرَّوائحِ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ رُتبةَ الصَّومِ عَلِيَّةٌ على غَيرِه؛ لأنَّ مَقامَ العِنديَّةِ في حَضرةِ اللهِ تعالَى مِن أعْلَى المَقاماتِ. وإنَّما كان الخُلوفُ أطيَبَ عندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسكِ؛ لأنَّ الصَّومَ مِن أعمالِ السِّرِّ التي بيْن اللهِ تعالَى وبيْن عبْدِه، ولا يَطَّلِعُ على صِحَّتِه غيرُه، فجَعَلَ اللهُ رائحةَ صَومِه تَنُمُّ عليه في الحشْرِ بيْن النَّاسِ، وفي ذلك إثباتُ الكَرامةِ والثَّناءِ الحُسْنِ له.

ثم أخبر صلى الله عليه وسلم أن للصائم الذي أدى واجبات الصوم ومستحباته فرحتين عظيمتين: إحداهما في الدنيا، والأخرى في الآخرة [1].

الفرحة الأولى تكون عند الإفطار، إما بسبب زوال الجوع والعطش، أو لتمام صومه واكتمال عبادته [1].

تختلف فرحة كل شخص حسب حاله ومقامه [1].

أما الفرحة الثانية، فتكون عند لقاء ربه، حيث يفرح بنيل الجزاء، أو بالفوز بلقاء الله، أو بالسرور لقبول صيامه وحصول الأجر الوفير عليه [1].

والصَّائمُ الكاملُ صَومُه هو الَّذي صامتْ جَوارحُه عن الآثامِ، ولِسانُه عن الكذِبِ والفُحْشِ، وقَولِ الزُّورِ، وبَطْنُه عن الطَّعامِ والشَّرابِ، وفَرْجُه عن الرَّفَثِ، فإنْ تَكلَّمَ لم يَتكلَّمْ بما يَجرَحُ صَومَه، وإنْ فَعَلَ لم يَفعَلْ ما يُفسِدُ صَومَه، فيَخرُجُ كَلامُه كلُّه نافعًا صالحًا، وكذلك أعمالُه، هذا هو الصَّومُ المشروعُ، لا مُجرَّدُ الإمساكِ عن الطَّعامِ والشَّرابِ؛ ففي صَحيحِ البُخاريِّ مِن حَديثِ أبي هُريرةَ رَضيَ اللهُ عنه: «مَن لم يَدَعْ قَولَ الزُّورِ، والعمَلَ به، والجهْلَ؛ فليس للهِ حاجةٌ أنْ يَدَعَ طَعامَه وشَرابَه»، وفي سُنَنِ ابنِ ماجه: «رُبَّ صائمٍ ليس له مِن صِيامِه إلَّا الجُوعُ»؛ فالصَّومُ الحقيقيُّ هو صَومُ الجوارحِ عن الآثامِ، وصَومُ البطْنِ عن الشَّرابِ والطَّعامِ، فكما أنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ يَقطَعُه ويُفسِدُه، فهكذا الآثامُ تَقطَعُ ثَوابَه، وتُفسِدُ ثَمَرتَه، فتُصيِّرُه بمَنزلةِ مَن لم يَصُمْ.

وفي الحَديثِ: حَضُّ الصَّائمِ على تَرْكِ المُنكَراتِ والمُحرَّماتِ، وفيه: إثباتُ صِفةِ اليَدِ للهِ تعالَى على ما يَليقُ بجَلالِه. وفيه: إثباتُ صِفةِ الكلامِ للهِ تعالَى، وأنَّه يَتكلَّمُ حيثُ يَشاءُ، ويُكلِّمُ مَن يَشاءُ بما يَشاءُ، وأنَّ كَلامَه ليس خاصًّا بالقرآنِ الكريمِ.

وفيه: أنَّ العِباداتِ تَتفاوَتُ مِن حيثُ الثَّوابُ. وفيه: مَشروعيَّةُ القسَمِ لتَأكيدِ الكلامِ وإنْ كان السامعُ غيرَ مُنكِرٍ. وفيه: أنَّ مَن عَبَدَ اللهَ تعالَى وطَلَبَ رِضاهُ في الدُّنيا، فنَشَأَ مِن عَمَلِه آثارٌ مَكروهةٌ في الدُّنيا؛ فإنَّها مَحبوبةٌ له تعالَى وطَيِّبةٌ عندَه؛ لكَونِها نَشَأَت عن طاعتِه واتِّباعِ مَرْضاتِه (شهر رمضان يكفر الخطايا) الدَّليل منَ السُّنَّة:- عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((الصَّلَواتُ الخَمسُ، والجُمُعةُ إلى الجُمُعةِ، ورمضانُ إلى رَمَضانَ؛ مُكَفِّراتٌ ما بينهُنَّ إذا اجتَنَبَ الكبائِرَ ))

والصَّائمُ الكاملُ صَومُه هو الَّذي صامتْ جَوارحُه عن الآثامِ، ولِسانُه عن الكذِبِ والفُحْشِ وقَولِ الزُّورِ، وبَطْنُه عن الطَّعامِ والشَّرابِ، وفَرْجُه عن الرَّفَثِ؛ فإنْ تَكلَّمَ لم يَتكلَّمْ بما يَجرَحُ صَومَه، وإنْ فَعَلَ لم يَفعَلْ ما يُفسِدُ صَومَه، فيَخرُجُ كَلامُه كلُّه نافعاً صالحاً، وكذلك أعمالُه. هذا هو الصَّومُ المشروعُ، لا مُجرَّدُ الإمساكِ عن الطَّعامِ والشَّرابِ؛ ففي “صحيح البُخاريِّ” مِن حَديثِ أبي هُريرةَ -رَضيَ اللهُ عنه-: «مَن لم يَدَعْ قَولَ الزُّورِ، والعمَلَ به، والجهْلَ؛ فليس للهِ حاجةٌ أنْ يَدَعَ طَعامَه وشَرابَه»، وفي “سُنَنِ ابنِ ماجه”: «رُبَّ صائمٍ ليس له مِن صِيامِه إلَّا الجُوعُ»؛ فالصَّومُ الحقيقيُّ هو صَومُ الجوارحِ عن الآثامِ، وصَومُ البطْنِ عن الشَّرابِ والطَّعامِ؛ فكما أنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ يَقطَعُه ويُفسِدُه، فهكذا الآثامُ تَقطَعُ ثَوابَه، وتُفسِدُ ثَمَرتَه، فتُصيِّرُه بمَنزلةِ مَن لم يَصُمْ.

وفي الحَديثِ: حَضُّ الصَّائمِ على تَرْكِ المُنكَراتِ والمُحرَّماتِ.

وفيه: إثباتُ صِفةِ اليَدِ للهِ تعالَى على ما يَليقُ بجَلالِه.

وفيه: إثباتُ صِفةِ الكلامِ للهِ تعالَى، وأنَّه يَتكلَّمُ حيثُ يَشاءُ، ويُكلِّمُ مَن يَشاءُ بما يَشاءُ، وأنَّ كَلامَه ليس خاصّاً بالقرآنِ الكريمِ.

وفيه: أنَّ العِباداتِ تَتفاوَتُ مِن حيثُ الثَّوابُ.

وفيه: مَشروعيَّةُ القسَمِ لتَأكيدِ الكلامِ وإنْ كان السامعُ غيرَ مُنكِرٍ.

وفيه: أنَّ مَن عَبَدَ اللهَ تعالَى وطَلَبَ رِضاهُ في الدُّنيا، فنَشَأَ مِن عَمَلِه آثارٌ مَكروهةٌ في الدُّنيا؛ فإنَّها مَحبوبةٌ له تعالَى وطَيِّبةٌ

عندَه؛ لكَونِها نَشَأَت عن طاعتِه واتِّباعِ مَرْضاتِه.

(شهر رمضان يكفر الخطايا)

الدَّليل منَ السُّنَّة:

عن أبي هُريرةَ -رَضِيَ اللهُ عنه- أنَّ رَسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال: «الصَّلَواتُ الخَمسُ، والجُمُعةُ إلى الجُمُعةِ، ورمضانُ إلى رَمَضانَ؛ مُكَفِّراتٌ ما بينهُنَّ إذا اجتَنَبَ الكبائِرَ».
2- من أسبابِ مَغفرةِ الذُّنوبِ.

الأدِلَّة منَ السُّنَّة:

عن أبي هُريرةَ -رَضِيَ اللهُ عنه- أنَّ رَسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال: «مَن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذَنبِه».

وعن أبي هُريرةَ -رَضِيَ اللهُ عنه- قال: قال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «.. ورَغِمَ أنفُ رجلٍ دخَلَ عليه رمضانُ، ثم انسلَخَ قبل أن يُغفَرَ له..».

3- من أسبابِ دُخولِ الجَنَّة:

الدَّليل منَ السُّنَّة:

عن جابرٍ -رَضِيَ اللهُ عنه- أنَّ رَجُلًا سأل رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، فقال: “يا رَسولَ اللهِ، أرأيتَ إذا صَلَّيتُ المكتوباتِ، وصُمْتُ رمضانَ، وأحلَلْتُ الحلالَ، وحَرَّمْتُ الحرامَ، ولم أزِدْ على ذلك شيئًا، أأدخُلُ الجَنَّةَ؟” فقال النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «نَعَم».

(فضلُ ليلةِ القَدرِ)

أُنزِلَ فيها القُرآنُ: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1].

يقَدِّرُ اللهُ سبحانه وتعالى فيها كُلَّ ما هو كائنٌ في السَّنَةِ:

قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: 4-5].

ففي تلك الليلةِ يُقَدِّرُ اللهُ سبحانه مقاديرَ الخلائِقِ على مدارِ العامِ، ويُكتَبُ فيها الأحياءُ والأمواتُ، والنَّاجون والهالكونَ، والسُّعداءُ والأشقياءُ، والعزيزُ والذَّليلُ، وكلُّ ما أراده اللهُ سبحانه وتعالى في السَّنةِ المُقبلةِ، يُكتَبُ في ليلةِ القَدرِ هذه.

أنَّها ليلةٌ مُبارَكة: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3].

العبادةُ فيها تَفضُلُ العبادةَ في ألفِ شَهرٍ: قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3].

فالعبادةُ فيها أفضَلُ عند اللهِ مِن عبادة ألفِ شَهرٍ ليس فيها ليلةُ القَدرِ. وألفُ شَهرٍ تَعدِلُ: ثلاثاً وثمانينَ سَنَةً وأربعةَ أشهُرٍ.

ينزِلُ فيها جبريلُ والملائكةُ بالخَيرِ والبَرَكةِ:قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: 4].

فتنزِلُ الملائكةُ فيها إلى الأرضِ بالخَيرِ والبَرَكةِ والرَّحمةِ والمَغفرةِ.

ليلةُ القَدرِ سَلامٌ: قال تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 5].

فهي ليلةٌ خاليةٌ مِنَ الشَّرِّ والأذى، وتكثُرُ فيها الطَّاعةُ وأعمالُ الخَيرِ والبِرِّ، وتكثُرُ فيها السَّلامةُ مِنَ العذابِ؛ فهي سلامٌ كُلُّها.

الفرع الثاني: ما يُشرَعُ في ليلةِ القَدرِ

المسألة الأولى: القيامُ

يُشرَعُ في هذه الليلةِ الشَّريفةِ قيامُ لَيلِها بالصَّلاةِ.

الدَّليل منَ السُّنَّة:

عن أبي هُريرةَ -رَضِيَ اللهُ عنه-، عنِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال: «ومن قامَ ليلةَ القَدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقَدَّمَ مِن ذَنبِه».

المسألة الثانية: الاعتكافُ

يُشرَعُ في ليلةِ القَدرِ الاعتكافُ؛ فقد كان رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يعتَكِفُ في العَشْرِ الأواخِرِ؛ التماسًا لِلَيلةِ القَدْرِ.
الدَّليل منَ السُّنَّة:

عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ -رَضِيَ اللهُ عنه-، أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال: «من كان اعتكَفَ معي، فلْيعتكِفِ العَشرَ الأواخِرَ، وقد أُريتُ هذه الليلةَ ثم أُنسِيتُها، وقد رأيتُني أسجُدُ في ماءٍ وطِينٍ مِن صَبيحَتِها فالتَمِسوها في العَشرِ الأواخِرِ، والتَمِسوها في كُلِّ وِترٍ».

المسألة الثالثة: العَمَلُ الصَّالِحُ

قال الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3].

قال كثيرٌ مِنَ المُفَسِّرينَ: “أي: العَمَلُ فيها خيرٌ مِنَ العَمَلِ في ألفِ شَهرٍ، ليس فيها ليلةُ القَدْرِ؛ ففي تلك الليلةِ يُقسَمُ الخيرُ

الكثيرُ الذي لا يُوجَدُ مِثلُه في ألفِ شَهرٍ”.

المطلب الثاني: وقتُ ليلةِ القَدرِ وعلامَتُها

الفرع الأول: وقتُ ليلةِ القَدْرِ

ليلةُ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، وهي في الأوتارِ أقرَبُ مِنَ الأشفاعِ، وهو مذهبُ الشَّافِعيَّة، والحَنابِلة، وقولٌ للمالكيَّة،

واختاره ابنُ تيميَّةَ، والصنعانيُّ، وابنُ باز، وابنُ عُثيمين.

الأدِلَّة منَ السُّنَّة:

1- عن عائِشةَ -رَضِيَ اللهُ عنها- أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال: «تَحَرَّوْا ليلةَ القَدْرِ في الوِترِ مِنَ العَشرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ».
2- عنِ ابنِ عبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهما- أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال: «التَمِسُوها في العَشرِ الأواخِرِ مِن رمضانَ، ليلةُ القَدْرِ في تاسعةٍ تبقى، في سابعةٍ تبقى، في خامسةٍ تبقى».
3- عن ابنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهما-، أنَّ رجالاً مِن أصحابِ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- أُرُوا ليلةَ القَدْرِ في المنامِ في السَّبعِ الأواخِرِ، فقال رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «أرى رُؤيَاكم قد تواطَأَتْ في السَّبعِ الأواخِرِ، فمن كان مُتَحَرِّيَها فلْيتحَرَّها في السَّبعِ الأواخِرِ».
4- عن ابنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهما- قال: “رأى رجلٌ أنَّ ليلةَ القَدْرِ ليلةَ سَبعٍ وعشرينَ”، فقال النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «أرى رُؤياكم في العَشْرِ الأواخِرِ، فاطلُبوها في الوِترِ منها».

الفرع الثاني: هل ليلةُ القَدْرِ تتنقَّلُ أم هي ثابتةٌ؟

لا تختَصُّ ليلةُ القَدرِ بليلةٍ مُعَيَّنةٍ في جميعِ الأعوامِ، بل تتنقَّلُ في ليالي العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، وهو مَذهَبُ الشَّافِعيَّة، والحَنابِلة، وقولٌ عند المالكيِّة، وهو قَولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ.

الأدِلَّة مِن السُّنَّةِ:

1- عن أبي سعيدٍ الخدريِّ -رَضِيَ اللهُ عنه- أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال: «كنتُ أجاوِرُ هذه العَشْرَ، ثم قد بدا لي أن أجاوِرَ هذه العَشْرَ الأواخِر، فمن كان اعتَكَفَ معي فلْيَثْبُتْ في مُعتَكَفِه، وقد أُرِيتُ هذه الليلةَ، ثم أُنْسِيتُها، فابتَغُوها في العَشْرِ الأواخِرِ، وابتَغُوها في كلِّ وِترٍ، وقد رأيتُني أسجُدُ في ماءٍ وطِينٍ، فاستهَلَّتِ السَّماءُ في تلك الليلةِ فأمطَرَت، فوَكَف المسجِدُ في مُصَلَّى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلةَ إحدى وعشرينَ، فبَصُرَتْ عيني رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ونَظَرْتُ إليه انصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ ووجهُه ممتلئٌ طينًا وماءً».

2- عن عبدِ اللهِ بنِ أُنَيسٍ أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال: «أُرِيتُ ليلةَ القَدْرِ ثمَّ أُنْسِيتُها، وأُراني صُبْحَها أسجُدُ في ماءٍ وطِينٍ، قال: فمُطِرْنَا ليلةَ ثلاثٍ وعِشرينَ، فصلَّى بنا رسولُ الله، فانصرَفَ، وإنَّ أثَرَ الماءِ والطِّينِ على جَبهَتِه وأنفِه».
الفرع الثالث: بقاءُ ليلةِ القَدْرِ

ليلةُ القدْرِ موجودةٌ لم تُرفَعْ، وباقيةٌ إلى يومِ القِيامةِ.

الأدِلَّة:

أوَّلًا: مِن السُّنَّةِ:

عن عائشةَ -رَضِيَ اللهُ عنها-، أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال: «تَحرَّوا لَيلةَ القدْرِ في الوِتْر من العَشرِ الأواخِرِ مِن رَمضانَ».

ثانيًا: من الإجماعِ:

نقَل الإجماعَ على ذلك: النوويُّ.
الفرع الرابع: علامةُ ليلةِ القَدْرِ
من علاماتِ ليلةِ القَدرِ أنَّ الشَّمسَ تطلُعُ في صبيحَتِها صافيةً، ليس لها شُعاعٌ.

الدَّليل منَ السُّنَّة:

عن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ -رَضِيَ اللهُ عنه- أنَّه قال: «… أخبَرَنا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّها تطلُعُ يومَئذٍ لا شُعاعَ لها».

وفي لفظٍ آخَرَ لِمُسلمٍ عن أبَيِّ بنِ كَعبٍ -رَضِيَ اللهُ عنه-: «وأمارَتُها أن تطلُعَ الشَّمسُ في صبيحةِ يَومِها بيضاءَ لا شُعاعَ لها».
هل هذا هو الجزء الأخير من المحتوى، أم هناك إضافات أخرى تود تصحيحها؟ .

زر الذهاب إلى الأعلى