
تحقيق: محمود عياد
لم تعد الوقائع الأخيرة مجرد أحداث متفرقة؛ هي نمط يتكرر، ويتصاعد، ويختبر صبر المجتمع وهيبة الدولة في آن واحد. من اعتداء “صاحب مصنع” على فرد أمن داخل كمبوند، إلى فوضى “بدلة الرقص” وما تلاها من اشتباكات، وصولاً إلى “رصاص القناطر” الذي اخترق سكون منطقة مأهولة بالأطفال.. ثلاث وقائع مختلفة في الشكل، واحدة في الجوهر: تحول العنف من سلوك إجرامي خفي إلى استعراض علني يتغذى على الكاميرا والتريند.
حين يصبح الاعتداء “محتوى”

تؤكد خبيرة الأمن الرقمي، الدكتورة إيناس عبد العزيز، أن الخطر لم يعد في الفعل الإجرامي وحده، بل في فلسفته الجديدة: “بعض الجناة لا يهربون من الكاميرا، بل يبحثون عنها لصناعة مشهد.” ومن هنا، يبرز السؤال الصادم: هل العقوبات التقليدية كافية لردع “البلطجة الاستعراضية”؟
ما هو “الإعدام المدني”؟
المصطلح الذي أثار جدلاً واسعاً، لا يعني الموت الجسدي، بل “تعطيلاً مؤقتاً ومحددًا لبعض الامتيازات المدنية والاجتماعية”. وتضع د. إيناس خطة الإنقاذ من خلال 5 بنود “خارج الصندوق”:
1. المقصلة الاقتصادية: منع الجاني من استخراج سجل تجاري، تأسيس شركات، أو تولي مناصب قيادية (كما في واقعة صاحب المصنع).
2. رفع الغطاء الحكومي: حرمان المعتدي وأسرته من “بطاقة التموين” وأي صور للدعم، كرسالة بأن من يروّع الدولة لا يستحق دعمها.
3. تجريد الوجاهة: سحب رخصة القيادة وتجميد عضويات الأندية؛ فمن لا يحترم جسد الإنسان لا يؤتمن على “البرستيج” أو قيادة سيارة في الشوارع.
4. الوصم القانوني (الفيش الأحمر): إدراج الجاني في سجل خاص بمرتكبي جرائم العنف الجسيم، تطلع عليه جهات التوظيف والشركات.
5. الحظر الرقمي: حظر إدارة حسابات عامة ومنع تحقيق أرباح من أي محتوى مرتبط بالجريمة.

اللواء أشرف عبد العزيز: “هيبة الدولة تبتلع النفوذ”

من جانبه، يؤيد الخبير الأمني والاستراتيجي، اللواء أشرف عبد العزيز، هذا التوجه، مؤكداً أن سرعة تحرك وزارة الداخلية في ضبط هؤلاء الجناة هو “المشرط” الذي يستأصل الورم، لكن الردع النهائي يتطلب “عقوبات تبعية”.
ويضيف اللواء أشرف: “تطبيق المادة 375 مكرر (البلطجة) جنباً إلى جنب مع الحرمان المدني، سيجعل البلطجي يشعر أنه ميت اجتماعياً قبل أن يُساق للمحاكمة”.
بين الردع والضمانات الدستورية
أي نظام من هذا النوع يجب أن يستند إلى إطار تشريعي متوازن، يضمن صدور العقوبة بحكم قضائي نهائي، مع تحديد مدة واضحة واحترام التناسب، وإلا تحول الردع إلى انتهاك.
الخلاصة
المجتمع يشعر أن بعض الجناة لا يخشون الحبس بقدر ما يخشون فقدان “السطوة” و”المال”. وإذا كانت الشهرة هي الدافع، فليكن الحرمان منها هو القصاص. بلطجة الشوارع لم تعد مشاجرات عابرة، بل أصبحت ظاهرة مركبة تتقاطع فيها الجريمة مع الكاميرا.. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يكفي الردع التقليدي، أم أن المرحلة تفرض “الإعدام المدني” كخطة إنقاذ أخيرة؟ .





