دكتور ياسر جعفر يكتب: نفحات شهر الصيام.. لا يجوز العذاب في العبادات!

كثيراً ما نرى ونسمع أن إنساناً مصاباً بمرضٍ مزمن ويصوم! وسيدة حاملاً وعندها نقص ببعض الفيتامينات وتصوم وتُعرّض نفسها للهلاك! وشيخاً مسناً لا يقدر على الصوم ويصوم ويُعرّض نفسه للهلاك! هذا لا يجوز شرعاً كما هو مبين في قوله تعالى: {مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا}؛ فما يفعل الله بعذابكم إن أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله؟ فإن الله سبحانه غنيٌ عمَّن سواه، وإنما يُعذب العباد بذنوبهم، وكان الله شاكراً لعباده على طاعتهم له، عليماً بكل شيء.
وللأسف هناك نساء في فترة الدورة الشهرية لا يشربن إلا ماءً ولا يأكلن إلا عند الإفطار، فلماذا هذا العذاب وأنتِ معكِ رخصة من الله سبحانه وتعالى؟! لماذا تعذب نفسك أيها المريض في صيامك خاصة في مرضك وسفرك وأنت معك رخصة من الله سبحانه وتعالى بالإفطار؟! لماذا تعذب نفسك بناءً على جهل فقهي وعلمي؟! الدين الإسلامي رسالة عظيمة من أعظم الرسائل على الإطلاق، بما فيها من الرحمة والشفقة بالعباد؛ فنحن ندعو: “ربنا ولا تُحملنا ما لا طاقة لنا به”.
جوهر العبادات في حقيقتها هو تقوى الله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. والمقصود من العبادات هو الوصول للتقوى، وفي حالة وصولك للتقوى وصلت لدرجة الإيمان الرفيعة؛ أن تخاف الله وتراقب أعمالك بالخوف منه! هذا هو جوهر الإيمان. وربما يصوم المرء ولا يأخذ من صيامه إلا الجوع والعطش، لأنه لا يتقي الله في محارم الله، بالخوض في أعراض العباد وفعل المحرمات.
تقصد المشقة في الشريعة الإسلامية:الأصل أن الشريعة جاءت للتيسير لا للتعنت؛ فالمشقة التي تُخرج العبادة عن مقصودها وتؤدي إلى الهلاك منهي عنها شرعاً.
يعتقد بعض الناس أن تقصُّد المشقة يحصل به الأجر الكبير؛ فترى بعض الجهلاء يستحب أداء مناسك الحج حافياً تقرباً إلى الله، حتى يتحقق فيه قول النبي ﷺ لعائشة: “أجركِ على قدر نصبكِ”. ولحديث جابر في صحيح مسلم قال: “خَلَتِ البِقاعُ حَوْلَ المَسْجِدِ، فأرادَ بَنُو سَلِمَةَ أنْ يَنْتَقِلُوا إلى قُرْبِ المَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذلكَ رَسولَ اللهِ ﷺ، فقالَ لهمْ: إنَّه بَلَغَنِي أنَّكُمْ تُرِيدُونَ أنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ المَسْجِدِ؟ قالوا: نَعَمْ يا رَسولَ اللهِ، قدْ أرَدْنا ذلكَ، فقالَ: يا بَنِي سَلِمَةَ، دِيارَكُمْ تُكْتَبْ آثارُكُمْ، ديارَكُمْ تُكْتَبْ آثارُكُمْ”. وفي رواية: “فقالوا: ما كانَ يَسُرُّنا أنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنا”.
والذي يظهر لي أن تقصُّد المشقة ممنوع لما يأتي:
أولاً: لا يجوز للإنسان أن يتقصد المشقة عند أدائه لأي عبادة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “قول بعض الناس: الثواب على قدر المشقة، ليس بمستقيم على الإطلاق، كما يستدل به طوائف على أنواع من الرهبانيات والعبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ورسوله، من جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات، ومثل التعمق والتنطع الذي ذمه النبي ﷺ حيث قال: (هلك المتنطعون)، وقال: (لو مدّ لي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم)؛ مثل الجوع أو العطش المفرط الذي يضر العقل والجسم، ويمنع أداء واجب أو مستحبات أنفع منه”.
وكذلك الاحتفاء والتعري والمشي الذي يضر الإنسان بلا فائدة؛ مثل حديث أبي إسرائيل الذي نذر أن يصوم وأن يقوم قائماً ولا يجلس ولا يستظل ولا يتكلم، فقال النبي ﷺ: “مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه…”.
ثم قال -رحمه الله-: “فأما كونه مشقاً فليس سبباً لفضل العمل ورجحانه، ولكن قد يكون العمل الفاضل مشقّاً ففضله لمعنى غير مشقته، والصبر عليه مع المشقة يزيد ثوابه وأجره، فيزداد الثواب بالمشقة… فكثيراً ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب؛ لا لأن التعب والمشقة مقصود من العمل، ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب، هذا في شرعنا الذي رفعت عنا فيه الآصار والأغلال، ولم يجعل علينا فيه حرج، ولا أريد بنا فيه العسر. وأما في شرع من قبلنا فقد تكون المشقة مطلوبة، وكثير من العباد يرى جنس المشقة والألم والتعب مطلوباً مقرباً إلى الله لما فيه من نفرة النفس عن اللذات والركون إلى الدنيا، وهذا من جنس زهد الصابئة والهند وغيرهم”.
(ثانياً): النيات في العبادات معتبرة في الشرع، فلا يصلح منها إلا ما وافق الشرع.
قال الإمام الشاطبي -رحمه الله-: “إذا كان قصد المكلف إيقاع المشقة فقد خالف قصد الشارع؛ من حيث إن الشارع لا يقصد بالتكليف نفس المشقة، وكل قصد يخالف قصد الشارع باطل، فالقصد إلى المشقة باطل، فهو إذاً من قبيل ما ينهى عنه، وما ينهى عنه لا ثواب فيه، بل فيه الإثم إن ارتفع النهي إلى درجة التحريم؛ فطلب الأجر بقصد الدخول في المشقة قصد مناقض”. وقال أيضاً: “ونهيه عن التشديد -أي النبي عليه الصلاة والسلام- شهير في الشريعة، بحيث صار أصلاً قطعياً، فإذا لم يكن من قصد الشارع التشديد على النفس، كان قصد المكلف إليه مضاداً لما قصد الشارع من التخفيف المعلوم المقطوع به”.
ثالثاً: باستقراء الأدلة الشرعية فإن الشارع لم يقصد إلى التكاليف بالمشاق والإعنات.
لقوله تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}، وقوله: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا}، وقوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ}. وقوله ﷺ: “بُعثتُ بالحنيفيةِ السَّمحةِ”، و “ما خُيِّرَ بينَ شيئينِ إلَّا اختارَ أيسرَهما ما لم يكن إثماً”.
رابعاً: لو قصد الشارع التكاليف بالمشقة لما حصل الترخيص.
فالرخص الشرعية أمر مقطوع به ومعلوم من الدين بالضرورة، وهي لرفع الحرج والمشقة الواقعة على المكلفين؛ كرخص القصر، والفطر، والجمع بين الصلاتين.
(خامساً): ثبت في شريعتنا ما يمنع من التكلف والتنطع في دين الله.
لقوله تعالى: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}، وقوله ﷺ: “اكلفوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يملُّ حتى تملوا”.
(سادساً): نقل الإمام الشاطبي الإجماع على عدم وجود التكليف بالمشاق غير المعتادة في الشريعة.
(سابعاً): لو قصدت المشقة في كل مرة وداوم عليها المكلف، لوجدت مشقة غير معتادة وحرج كبير.
مما يفضي إلى ترك العبادة بالكلية والانقطاع عنها، وهذا النوع لم تأتِ به الشريعة الإسلامية؛ فشرع الله جل وعلا لنا الرفق والأخذ من الأعمال بما لا يحصِّل مللاً، ونبّه النبي ﷺ على ذلك فقال: “القصدَ القصدَ تبلغوا”. لذلك نهى النبي ﷺ عن التنطع وقال: “هلك المتنطعون”.
أما استدلالهم بحديث: «بني سلمة دياركم تكتب آثاركم»؛ فالجواب عليه من وجهين:
(الوجه الأول): قال الإمام الشاطبي: “إن هذه أخبار آحاد في قضية واحدة لا ينتظم منها استقراء قطعي، والظنيات لا تعارض القطعيات، فإن ما نحن فيه من قبيل القطعيات”.
(الوجه الثاني): الحديث لا دليل فيه على قصد نفس المشقة؛ فقد جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ما يفسره، فإنه ﷺ: “كره أن تُعرّى المدينة قِبَل ذلك، لئلا تخلو ناحيتهم من حراستها”.
قلت: فلا حجة لمن تعلق ببعض النصوص واستدل بها على تقصد المشقة في العبادات، وخير الهدي هدي محمد ﷺ؛ فمن زاغ عن هذا المنهج يخشى عليه في دينه، قال الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. والفتنة -كما قال العلماء- هي الشرك، نسأل الله أن يحيينا على سنة نبيه وأن يميتنا عليها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
(وهديتي لكم في شهر رمضان -شهر القرآن- من أسرار القرآن للنصر على الأعداء سواء من الإنس والجن): أن تأخذ هذه الآية ورداً صباحاً ومساءً (مائة مرة): {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 250]. ستكون النتيجة: {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251].





