
متابعة: مروان محمد
لا تزال واقعة “سيارة كرداسة” التي حملت ملصق علم إسرائيل وتسببت في دهس مواطنين بالجيزة، تتصدر المشهد الأمني والقانوني في مصر. ومع تقديم أسرة المتهم (المهندس الزراعي) أوراقاً طبية تفيد بمعاناته من اضطرابات عقلية، كشف الخبراء عن أبعاد غير متوقعة للقضية، تتجاوز مجرد “حادث سير” لتصل إلى آفاق تمس الأمن القومي والوعي الرقمي.
اللواء أشرف عبد العزيز: “المرض النفسي” هو الفصل بين الإيداع والسجن

أوضح الخبير الأمني اللواء أشرف عبد العزيز أن القانون المصري صريح في التعامل مع مثل هذه الحالات المعقدة، مشيراً إلى أن القضية الآن تتأرجح بين مسارين لا ثالث لهما، حيث يحدد تقرير الطب النفسي مصير المتهم:
• المسار الأول: ثبوت “انعدام الأهلية” (مانع عقاب): في حال أثبت التقرير الطبي أن المتهم يعاني من “فقدان الإدراك والاختيار” وقت ارتكاب الواقعة، فإن ذلك يعد مانعاً من موانع العقاب وفقاً للمادة 62 من قانون العقوبات. وهنا يتم حفظ الشق الجنائي وإيداعه منشأة طبية متخصصة، مع بقاء المسؤولية المدنية (التعويضات) قائمة.
• المسار الثاني: ثبوت “الوعي والإدراك”: إذا ثبت أن “المرض النفسي” مجرد محاولة للإفلات من العقاب، فإن المتهم يواجه عقوبات مغلظة تشمل جناية الشروع في القتل، وإثارة الفتنة وتكدير السلم العام التي تصل عقوبتها للحبس 5 سنوات، بالإضافة إلى عقوبات إتلاف الممتلكات.
تحليل معمق: كيف يثبت القانون “تعمد الاستفزاز”؟
يشير اللواء عبد العزيز إلى أن جهات التحقيق تبحث فيما يُعرف بـ “القصد الجنائي الخاص”. فوضع علم دولة معادية للوجدان الشعبي في منطقة ذات طبيعة خاصة مثل “كرداسة” ليس فعلاً عشوائياً، بل هو قرينة قانونية على “تعمد إحداث الفتنة”. القانون هنا لا يعاقب على “رفع العلم” كفعل مجرد، بل يعاقب على “النتيجة المتوقعة” منه وهي استفزاز الجمهور ودفعهم للعنف، وهو ما تحقق بالفعل بتجمهر الأهالي ووقوع الحادث.
الدكتورة إيناس عبد العزيز: “السياحة البديلة” فخ رقمي يهدد الأمن القومي

من جانبها، كشفت الدكتورة إيناس عبد العزيز، خبيرة الأمن الرقمي، عن الوجه الأخطر في القضية، وهو لغز “كراسة السياحة البديلة” التي عُثر عليها مع المتهم، موضحة أن هذا المصطلح يتجاوز مفهوم السفر التقليدي السياحة البديلة (Alternative Tourism) في سياق الأمن الرقمي والقومي، قد تُستخدم كغطاء لعمليات (جمع المعلومات الميدانية) بعيداً عن أعين الرقابة التقليدية. الخطورة تكمن في أن هذا النوع من السياحة يركز على التغلغل داخل القرى والمناطق الشعبية والاندماج مع السكان المحليين تحت مسمى التعايش البيئي أو الثقافي.
وأضافت الدكتورة إيناس أن تأثير هذه الأفكار على الأمن القومي يظهر في عدة نقاط:
1. الاختراق المجتمعي: محاولة رسم خرائط دقيقة للتركيبة السكانية والتوجهات الفكرية للمناطق “المغلقة” أو الشعبية.
2. التجنيد غير المباشر: استغلال منصات التواصل الاجتماعي للترويج لهذه السياحة لجذب الشباب وتلقينهم أفكاراً غريبة تحت ستار “الانفتاح الثقافي”.
3. التوثيق الرقمي: قيام “السائح البديل” بتصوير وتوثيق تفاصيل دقيقة للمناطق الحيوية والمداخل والمخارج بدعوى “الهواية”، وهو ما يمثل كنزاً معلوماتياً لجهات معادية.
وأكدت خبيرة الأمن الرقمي أن وجود هذه المذكرات مع المتهم -حتى لو كان مريضاً نفسياً- يشير إلى أنه ربما وقع ضحية لـ “توجيه رقمي” أو تأثر بصفحات مشبوهة على “الإنترنت المظلم” أو مجموعات تواصل مغلقة تروج لهذه الأجندات، مما يجعل فحص “هاتفه المحمول وحساباته الإلكترونية” ضرورة قصوى تفوق في أهميتها الأوراق الطبية المقدمة.
الخلاصة: قضية أمنية بامتياز
بين تحليل اللواء عبد العزيز للمسؤولية الجنائية، وتحذير الدكتورة إيناس من اختراق “السياحة البديلة”، تظل واقعة كرداسة جرس إنذار حول كيفية استغلال “الثغرات النفسية” أو “الرموز المستفزة” لضرب الاستقرار المجتمعي، في انتظار الكلمة الأخيرة لجهات التحقيق.





