حدود شهر رمضان في السنة النبوية

بقلم: د. ياسر جعفر

قال رسول الله ﷺ: «من صام رمضان وعرف حدوده، وتحفظ مما ينبغي له أن يتحفظ؛ كفر ما قبله» [رواه ابن حبان والبيهقي].
في هذا الحديث بشارة عظيمة من النبي ﷺ لمن وُفق لصيام شهر رمضان كله عند القدرة عليه، وكان أثناء صيامه عارفاً ومطبقاً لحدود الله من الأوامر والنواهي، واتبع أوامر الشرع، وفعل ما يجب عليه فعله من أداء الفرائض والطاعات، وابتعد عن المنهيات مثل الرفث والفسوق وسوء الكلام والفعال. فمن صام رمضان على هذا الوجه المطلوب شرعاً، مؤمناً بالله وبما فرضه الله عليه، ومحتسباً للثواب والأجر من الله تعالى؛ فإنه بذلك يكون صائماً حقاً، والمرجو من الله تعالى أن يغفر له ما تقدم من ذنوبه جزاءً على صيامه.
وفي الحديث: بيان فضل صيام رمضان.
إن جوهر الحديث أن من صام رمضان بشرط أن “يعرف حدوده”؛ ففي حالة حفظ حدوده يكفر جميع الذنوب والمعاصي. لذا وجب علينا أن نتعرف على هذه الحدود أولاً؛ فما هي حدود شهر الصيام؟ .
نعم، شهر رمضان له حدود ينبغي ألا نتعداها، وليس الصيام مجرد امتناع عن الأكل والشرب. شهر الصيام شهر عظيم وأيام معدودات، تفوح منه الروحانيات الجميلة! فليس المقصود بالصيام الأكل والشرب وفقط، ولكن حدوده متعددة وكثيرة ينبغي ألا نتعداها، ومنها:
- حفظ اللسان: عن اللغو والغيبة والنميمة، وشهادة الزور وقول الزور والكذب والنفاق والرياء.
- غض البصر: عن المحرمات.
- حفظ النفس: من الطمع والجشع والكبر والتعالي على عباد الله، والظلم وأكل أموال الناس بالباطل، والغش في جميع
- المعاملات والرشوة.
- العالم الرقمي: ألا تنشر المحرمات من هاتفك!
هذه حدود ينبغي معرفتها لكي تُتجنب، وهي الصيام عن جميع المحرمات وما نهى عنه الشرع، بما في ذلك اللغو وضياع الوقت أمام المسلسلات والبرامج التافهة التي تُنفذ خصيصاً في شهر رمضان لكي تضيع عليك الوقت! فتتكاسل عن قراءة القرآن والصلاة والذكر والتسبيح والاستغفار.
هذه المسلسلات يُنفق عليها المليارات لضياع أعظم شهور السنة عليك؛ فاحذروا من شياطين الإنس في رمضان، لأنها لم تُقيد ولم تُسلسل، ولأن لهم فرصة في رمضان (بالتوبة)، فاستغلوها، مظهر آخر خطير للأسف؛ إذ يرى البعض في رمضان شهراً للطعام وليس شهراً للصيام، بالتالي فإن الصمود والتوقف عن المأكولات والمشروبات طوال النهار يأتي تعويضه بشكل مبالغ فيه ومضاعف بعد الإفطار، ويتحول الشهر الفضيل من شهر عبادة وصحة روحية وجسدية إلى شهر للأكل والمشروبات.
للأسف، استسلم بعض المسلمين للعادات وليس للعبادات، وأهملوا جوهر الدين؛ فاستنفدوا النصف الأول من شهر رمضان في “العزومات” وضياع الوقت، والنصف الآخر في التنظيف والتجهيز للعيد، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولذلك تجد الأمة دائماً في إذلال وانكسار وشكوى ليل نهار، وكل هذا بسبب عدم الطاعة لله كما ينبغي!، ناهيك عن سوء الأدب في المساجد؛ فتجد في صلاة التراويح وأنت تصلي شخصاً بجوارك هاتفه يرن بصوت عالٍ بنغمة أغنية! فقد تسمع هاتفه يرن بأغنية (هي الليالي كدا)، وتارة تسمع (عيون القلب سهرانة مابتنامشي)، وتارة تسمع رنة (الأذان) وأنت في الصلاة؛ فتسمع “كوكتيلاً” من الأصوات، وتارة أخرى تسمع صياح الأطفال وأصواتاً عالية.
هل هذا يليق بشرع الله في شهر تغفر فيه الذنوب، شهر القرآن؟ للأسف، هؤلاء محسوبون على الإسلام، وبسبب إهمال شرع الله ضاعت الشعوب، ويصرخون من فيروسات لا تُكشف إلا بالمجهر! وهذه مجرد البداية قبل الشدائد الكبرى.
قد يقول قارئ: (بشِّر ولا تنفر)؛ أقول لك: أبشر لو تؤدي طاعة ربك كما ينبغي، أبشر لو تطبق شرع الله، أبشر لو تتعامل مع خلق الله بالأخلاق والقيم الإنسانية.. أبشر!”
شهر الصيام.. لا شهر الطعام! .
“في الشهر الكريم يكثر الحديث عن الصيام وتأثير الامتناع عن الطعام والشراب على الإنسان، وعن الأخلاقيات التي يطالعنا بها بعض الصائمين، وهي ما تخلق أحياناً -للأسف- انطباعاً سلبياً لدى الكثيرين بخصوص رمضان.
ما أخبرنا به رسولنا الكريم ﷺ عن رمضان بأنه فرصة يتقرب فيها العبد من الله، وفرصة لتكفير الذنوب وحصد الحسنات، وكذلك فرصة لتقويم الروح وتحقيق صحة الجسد؛ بالتالي يُفترض برمضان أن يخرج أفضل ما في الإنسان، وأن يخلق لديه الإحساس بمعاناة الفقير ومن لا يملك قوت يومه، والمعسرين في أرزاقهم.
السؤال هنا: هل هذا يحصل بالفعل؟!
لن أحصر هنا كل المظاهر التي نراها تتجدد كل عام في رمضان، لكن بإيراد بعضها سنحاول إجابة السؤال أعلاه؛ فمثلاً الالتزام بالعبادة: إذ ترى أشخاصاً مقصرين في أداء الصلاة طوال العام، ولكن في رمضان تجدهم حريصين على أدائها في المساجد، إضافة لصلاة التراويح وصلاة القيام، ولكن بعد نهاية الشهر الفضيل يعودون لسابق عهدهم؛ بالتالي هذه صحوة مؤقتة غير صحية، لأن الشاهد في العبادة أن الصلاة رباط دائم بين العبد وربه، وليست صلاة موسمية بدخول شهر رمضان فقط؛ إذ ما الفائدة بأن يلتزم الشخص بعبادته خلال شهر واحد ثم يقصر فيها طوال العام؟
أما بشأن الصيام، فللأسف الملاحظ على الكثيرين أنهم يتعاملون معه وكأنه عقابٌ أو مصابٌ وقع بهم، لا باعتباره ركناً من أركان الدين؛ بالتالي هذا الركن الذي يُفترض أن يصحح كثيراً من المسارات في تهذيب السلوك، يحول بعض البشر -للأسف- إلى أشخاص سيئي السلوك بحجة الصيام والامتناع عن الطعام والشراب وحتى التدخين.
تجد الشخص في رمضان حادَّ الطباع، لا تتوقع منه معاملة إيجابية، تراه طوال اليوم بمزاج معكر والحجة في ذلك الصيام! وأيضاً من المظاهر السخيفة أن يكون بينك وبين المصلي متر، وهذا مخالف لشرع الله.”
“وهناك أحاديث وردت بشأن تسوية الصفوف، ومنها حديث النعمان بن بشير قال: أقبل رسول الله ﷺ على الناس بوجهه، فقال: «أقيموا صفوفكم» -ثلاثاً- «والله لَتُقِيمُنَّ صُفوفَكم، أو ليُخالِفَنَّ الله بين قلوبكم». قال: فرأيت الرجل يلزق مَنْكِبَهُ بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه. [رواه أبو داود، وصححه الألباني].
أما كيفية تسوية الصف المطلوبة: فإنها تحصل بتلاصق وتراص المنكب بالمنكب، والكعب بالكعب، والقدم بالقدم، مع كون المصلين على سمت واحد دون تقدم أو تأخر لبعضهم عن بعض، ودون وجود خلل أو فرجة في الصف. جاء في الموسوعة الفقهية: (يُسْتَحَبُّ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ فِي صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ بِحَيْثُ لاَ يَتَقَدَّمُ بَعْضُ الْمُصَلِّينَ عَلَى الْبَعْضِ الآخَرِ، وَيَعْتَدِل القَائِمُونَ فِي الصَّفِّ عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ مَعَ التَّرَاصِّ، وَهُوَ تَلاَصُقُ الْمَنْكِبِ بِالْمَنْكِبِ، وَالْقَدَمِ بِالْقَدَمِ، وَالْكَعْبِ بِالْكَعْبِ حَتَّى لاَ يَكُونَ فِي الصَّفِّ خَلَلٌ وَلاَ فُرْجَةٌ).
فمن الوعي الصحي أن أي إنسان مريض -ولو بدور برد عادي- لا يخرج من بيته لكي لا يسبب عدوى لأخيه؛ لأن جوهر الإسلام (لا ضرر ولا ضرار). ومن أكبر الكبائر الإشراك بالله والإضرار بالناس؛ لذا فإن أي إنسان يشعر أن عنده دور برد، يُفضل بقاؤه بالبيت؛ فمن باب “الوقاية خير من العلاج” لا بد أن يكون هناك وعي صحي من وزارات الصحة في كل محافظة.”




