أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ

بقلم: د. ياسر جعفر

مقولة رسول الإنسانية، وتوجيه للأمة الإسلامية على التثبت في العبادات، و”أفلح إن صدق”، الاستمرار على العبادات من صفات المؤمنين، وهناك أشخاص محسوبون على الإسلام ما عندهم إلا الكلام، وبالعمل والاستمرار في العبادات صفر! كما نشاهد في هذا الشهر الكريم نجد زحام المساجد في الأسبوع الأول وبعد ذلك تقل الأعداد بالتدريج، هل هذه أمة تنتصر على أعدائها؟! .
ففي الحديث الذي رواه طلحة بن عبيد الله، جاء رجل من أهل نجد يسأل عن الإسلام، فذكر له النبي ﷺ الصلاة والصيام والزكاة، وعندما تعهد الرجل بالاقتصار على الفرائض دون زيادة أو نقصان، قال النبي ﷺ: “أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ” (صحيح البخاري).
الصِّدقُ في الإتيانِ بشَرائعِ الإسلامِ وأركانِه على الوجْهِ الذي يَنْبغي مع الإخلاصِ فيها هو سبيل النَّجاحِ والفلاحِ، وسببُ النجاةِ مِن هَولِ يومِ القِيامةِ. وفي هذا الحديثِ يَروي طَلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ -رَضيَ اللهُ عنه- أنَّ رجُلًا جاءَ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- مِن أهلِ نَجدٍ، وهي أرْضُ العربِ ما بيْن الحِجازِ والعراقِ، والرَّجلُ هو: ضِمامُ بنُ ثَعلبةَ، وكان شَعَرُ رَأسِه مُنتفِشًا مِن أثَرِ السَّفرِ، وله صَوتٌ عالٍ لا يُفهَمُ منه شَيءٌ، حتَّى اقتَرَب مِن رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، فإذا هو يَسأَلُه عن شَرائعِ الإسلامِ، فأجابَه النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- بأنَّ أوَّلَ ما يَجِبُ عليه مِن أعمالِ الإسلامِ هو الصَّلواتُ الخَمسُ في كلِّ يَومٍ ولَيلةٍ، فقال: “هل يَجِبُ علَيَّ مِن الصَّلاةِ غيرُ هذه الصَّلواتِ الخَمسِ؟” فأجابَه النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- أنَّه لا يَجِبُ عليك مِن الصَّلواتِ غيرُها، إلَّا أنْ تَتطَوَّعَ بشيءٍ مِن الرَّواتبِ والسُّننِ؛ فإنَّه مُستحَبٌّ تُثابُ عليه ولا تُعاقَبُ على تَرْكِه.
ثمَّ ذكَرَ له النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- الصِّيامَ، وأنَّه يَجِبُ عليه صِيامُ رمضانَ، والصِّيامُ هو: الإمساكُ بنيَّةِ التَّعبُّدِ عن الأكلِ والشُّربِ، وسائرِ المُفطِراتِ، وغِشيانِ النِّساءِ، مِن طلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشَّمسِ. فقال: “هل علَيَّ غيرُه؟” قال: “لا يَجِبُ عليك غيرُه، إلَّا أن تَتطوَّعَ، فتَصومَ أيَّامًا في غيرِ رَمضانَ؛ فإنَّه مُستحَبٌّ تُثابُ عليه”.
ثمَّ ذكَرَ له الزَّكاةَ، وهي عِبادةٌ ماليَّةٌ واجِبةٌ في كُلِّ مالٍ بلَغَ المِقدارَ والحدَّ الشَّرعيَّ، وحالَ عليه الحَوْلُ -وهو العامُ القمَريُّ «الهِجريُّ»- فيُخرَجُ منه رُبُعُ العُشرِ، وأيضًا يَدخُلُ فيها زَكاةُ الأنعامِ والماشيةِ، وزَكاةُ الزُّروعِ والثِّمارِ، وعُروضِ التِّجارةِ، وزَكاةُ الرِّكازِ، وهو الكَنزُ المدفونُ الَّذي يُستخرَجُ مِنَ الأرضِ، وقيل: المعادِنُ، بحَسَبِ أنْصابِها، ووَقتِ تَزكيتِها. وفي إيتاءِ الزَّكاةِ على وَجهِها لِمُستحِقِّيها زِيادةُ بَرَكةٍ في المالِ، وجَزيلُ الثَّوابِ في الآخرةِ، وللبُخلِ بها ومَنعِها مِن مُستحقِّيها عَواقبُ وخِيمةٌ في الدُّنيا والآخرةِ، بيَّنَتْها نُصوصٌ كثيرةٌ في القُرآنِ والسُّنةِ، وهي تُصرَفُ لِمُستحقِّيها المذكورينَ في قولِه تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].
فسَأَلَ الرجُلُ وقال: “هل علَيَّ غيرُها؟” قال: “لا، إلَّا إنْ تَصدَّقْتَ بغيرِها فهو تَطوُّعٌ تُثابُ عليه، لا واجبٌ تَأثَمُ بتَرْكِه”، فأدْبَرَ الرَّجلُ وهو يُقسِمُ باللهِ أنَّه لا يَزيدُ على هذه الفَرائضِ بفِعلِ شَيءٍ مِن النَّوافلِ، ولا يَترُكُ شَيئًا منها، فقال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: “أفلَحَ إنْ صدَقَ”، أي: إذا صدَقَ في قولِه هذا، فأدَّى هذه الأركانَ مُخلِصًا للهِ تعالَى؛ فقدْ فاز بالجنَّةِ، ونَجا مِن النَّارِ ولو لم يَأتِ مِن النَّوافلِ شيئًا. وفي الحديثِ: أنَّ الإنسانَ إذا اقتَصَر على الواجِبِ في الشَّرعِ فإنَّه مُفلِحٌ، ولكنْ لا يَعْني هذا أنَّه لا يُسَنُّ أنْ يَأتيَ بالتَّطوُّعِ؛ لأنَّ التَّطوُّعَ تُكمَّلُ به الفرائضُ يومَ القِيامةِ.
(أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ)؛ وفي نفس المعنى والسياق ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي عبد الله جابرِ بن عبد الله الأنصاريِّ -رضي الله عنهما- أن رجلاً سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: “أرأيتَ إذا صليتُ المكتوباتِ، وصُمْتُ رَمَضَانَ، وأحللتُ الحلالَ، وحرَّمْتُ الحرامَ، ولم أَزِدْ على ذلك شيئاً، أدخلُ الجنة؟ قال: نعم”.
ومنها أيضاً ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: “أن أعرابياً جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله دُلَّني على عمل إذا عَمِلْتُهُ دخلتُ الجنَّةَ، قال: تعبدُ الله لا تشركُ به شيئاً، وتقيمُ الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: والذي نفسي بيده لا أَزِيدُ على هذا شيئاً أبداً ولا أَنْقُصُ منه، فلما ولَّى قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: مَن سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا”.
قال النووي في “شرح مسلم”: “ويحتمل أنه أراد أنه لا يُصَلِّي النافِلة مع أنه لا يُخِلُّ بشيء من الفرائض وهذا مُفلِح بلا شك، وإن كانت مواظبته على ترك السنن مذمومة، وترد بها الشهادة عند بعض الأئمة، إلا أنه ليس بعاصٍ بل هو مُفْلِحٌ ناجٍ”.




