دين

دكتور ياسر جعفر يكتب: ويلٌ للعربِ من شرٍّ قد اقتربَ!

 

في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «ويلٌ للعربِ من شرٍّ قد اقتربَ، من فتنةٍ عمياءَ صمَّاءَ بكماءَ، القاعدُ فيها خيرٌ من القائمِ، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من السَّاعي، ويلٌ للسَّاعي من اللهِ يومَ القيامةِ» (صحيح الموارد).

هذه الفتنة نحن نعيشها في هذه الأيام؛ فتنة العرب بشرِّ الفتنة التي نعيشها الآن في الحرب القائمة على إيران، والتي أدت إلى اندلاع الفتن في الشرق الأوسط؛ شرٌّ للعرب من فتنة عمياء بكماء. نعم، فتنة لا تُسمع فيها النصائح، ولا يُسمع فيها لأهل العلم والخبرات؛ لأنها فتنة صماء عمياء، وهذا على مستوى الأمة فتنة فيها شر للعرب.

معنى قوله: “ويل للعرب من شر قد اقترب”

ويل: كلمة وعيد وتحذير شديد، أي هلاك أو عذاب أو مصيبة.

للعرب: لأن العرب كانوا أول من يحمل رسالة الإسلام، فإذا ضعفت فيهم ظهرت الفتن بينهم.

من شر قد اقترب: أي فتن عظيمة وأحداث خطيرة تقترب من الناس.

معنى الفتنة: “عمياء بكماء صماء”

هذا وصف للفتن الشديدة التي لا يظهر فيها الحق بوضوح:

عمياء: لا يُرى فيها الحق من الباطل، فيختلط الأمر على الناس.

بكماء: لا تنطق بالحق ولا يُسمع فيها صوت الحكمة.

صماء: لا يسمع الناس فيها نصيحة أو موعظة، فيتمادون في الفتنة والضلال.

المعنى العام

المقصود تحذير النبي ﷺ من الفتن الكبيرة التي يختلط فيها الحق بالباطل، ويكثر فيها الظلم والاقتتال بين الناس، ويصعب على كثير من الناس معرفة الطريق الصحيح.

ما يرشد إليه الحديث

التمسك بالقرآن والسنة.

تجنب الظلم والفساد وإيذاء الناس.

الابتعاد عن الفتن والاقتتال.

الإصلاح بين الناس ونشر العدل.

نعوذ بالله من هذه الفتن التي تحكم فيها الجهل وسفهاء القوم وأعداؤها، ولذلك ينبغي على حكماء هذه الأمة الحذر من الخوض في هذه الفتن التي يخطط لها أعداء الأمة للوقوع فيها. حَذَّرَ النَّبيُّ ﷺ أُمَّتَه من كُلِّ الشُّرورِ، كما أخْبَرَها بأُمورِ الخَيرِ التي تَنْفَعُها في دينِها ودنْياها، وممَّا حذَّرَنا منها ﷺ فِتنُ آخِرِ الزَّمانِ، وقد بَيَّنَ كيف نَستَعْصِمُ بالدِّين إذا حَلَّتْ بنا.

وفي هذا الحَديثِ بَيانٌ لِبعْضِ هذه المَعاني، حيثُ يُخبرُ أبو موسى الأشْعرِيُّ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ الله ﷺ قال: «إِنَّ بين يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظْلِمِ»، وهذا كِنايَةٌ عن شِدَّتِها وضَرَرِها وشُمولِها لِكُلِّ من شَهِدَها، فَكأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ من تلك الفِتنِ قِطعَةٌ من اللَّيلِ المُظلِم والالْتِباسِ.

والمراد بالفِتْنَة: هي التي يُخلَطُ فيها الحَقُّ بالباطِلِ بين أهْلِ الإسْلامِ، فيصْعُبُ على المُطَّلِعِ الفَصلُ والتَّمييزُ فيها، «يُصبِحُ الرَّجُلُ فيها مُؤمِنًا ويُمْسي كافِرًا، ويُمْسي مُؤمِنًا ويُصْبِحُ كَافرًا»؛ وذلك لهَولِها وعِظَمِها، فَتَحْتارُ معَها العُقولُ، فَيُصبِحُ مُحرِّمًا لِدَمِ أخيه وعِرْضِه ومالِه، ويُمْسي مُسْتَحِلًّا لِكلِّ ذلك مِن شِدَّةِ الفِتنِ.

ثُمَّ بيَّن النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وجوهَ النَّجاةِ منها، فقال: «القاعِدُ فيها خَيرٌ من القائِمِ، والقائِمُ فيها خَيرٌ من الماشي، والماشي فيها خَيرٌ من السَّاعي»، وهذا بيانٌ لِعظيمِ خَطرِ هذه الفِتنِ، مع الحَثِّ على تَجنُّبِها والهَربِ منها، وعَدَم المُشارَكَةِ فيها بِقولٍ أو فِعلٍ، وأنَّ شَرَّها يكونُ على حَسَب التَّعلُّق بها؛ فَكُلما بَعُد الإنْسانُ من مُباشَرَتها كان خَيرًا له، «فَكَسِّروا قِسِيَّكُم وقَطِّعوا أوْتارَكُم»، أي: اكْسِروا آلاتِ الحَربِ؛ مثلَ أقْواسِ السِّهامِ، واقْطَعوا أوْتارَها التي تُطلِقُ السِّهامَ، «واضْرِبوا بِسُيوفِكم الحِجارَةَ»، أي: لِيَكسِر بذلك حِدَّتَه؛ لِيَسُدَّ الإنسانُ على نَفسِه بابَ القِتالِ والفِتنِ، وحتَّى لا تُغريَه أدَواتُ الحَربِ على الدُّخولِ فيه؛ «فإنْ دُخِلَ على أحَدِكُم»، أي: إنْ دخَلَ على أحدِكم أحدٌ في مكانِ وجودِه يُريدُ قَتْلَه، «فَليَكُن كَخَيرِ ابْنَي آَدَمَ»، أي: فلْيَكُنْ مِثلَ هابيل عندما أرادَ أخوه قَتْلَه، فلم يَدفَعْه بِقتالٍ حتى كان هو المَقتولَ.

وفي رِوايَة أبي داودَ: قالوا: فمَا تَأمُرُنا؟ قال: «كُونوا أحلاسَ بُيوتِكم»، والأحلاسُ جمْعُ حِلْسٍ، وهو كِساءٌ يَلي ظَهرَ البَعيرِ يُفرَشُ تحتَ القَتَبِ وهو رَحْلٌ صغيرٌ على قَدْرِ السَّنامِ، والمرادُ: الأمرُ بلُزومِ البيوتِ وعدمِ الخروجِ مِنها، وعدمِ الدُّخولِ في الفِتنةِ، وبيانُ أنَّ الصَّبرَ على الموتِ في الفِتنِ أحسنُ مِن الحركةِ والدُّخولِ فيها؛ لكونِ الحركةِ تَزيدُ الفتنةَ اشتِعالًا.

وهذا إتمامٌ لِتَحذيرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من المشارَكَةِ في الفِتنَة حتى لو كان فيها مَقتَلُه، فليكنْ فيها المَقتولَ خَيرٌ من أنْ يكونَ فيها القاتِلَ.

وفي الحديثِ: عَلامةٌ من عَلاماتِ نُبوَّتِه ﷺ. وفيه: التَّحذيرُ مِن الإيمانِ الذي يَشوبُه النِّفاقُ، والتَّحرُّزُ منه كُلَّما تَقدَّم الزَّمانُ، وفيه: التَّحذيرُ من الدُّخولِ في الفِتنِ الغامِضَةِ التي لا يَظهَرُ فيها الحَقُّ من الباطِلِ.

وفي رواية حذيفة بن اليمان: عن نصر بن عاصم الليثي قال: أتينا اليشكري في رهط من بني ليث فقال: من القوم؟ قلنا: بنو ليث، أتيناك نسألك عن حديث حذيفة. فذكر الحديث قال: «قلتُ: يا رسولَ اللهِ، هل بعد هذا الخيرِ شرٌّ؟ قال: فتنةٌ وشرٌّ. قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، هل بعد هذا الشَّرِّ خيرٌ؟ قال: يا حُذَيفةُ، تعلَّمْ كتابَ اللهِ واتَّبِعْ ما فيه (ثلاثَ مِرارٍ). قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، هل بعد هذا الشَّرِّ خيرٌ؟ قال: هُدنةٌ على دخَنٍ، وجماعةٍ على أقذاءٍ. قلتُ: يا رسولَ اللهِ، الهُدنةُ على الدَّخَنِ ما هي؟ قال: لا ترجِعُ قلوبُ أقوامٍ على الَّذي كانت عليه. قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أبعد هذا الخيرِ شرٌّ؟ قال: فتنةٌ عمياءُ صمَّاءُ، عليها دعاةٌ على أبوابِ النَّارِ، فإن تمُتْ يا حذيفةُ وأنت عاضٌّ على جَذْلٍ، خيرٌ لك من أن تتبَعَ أحدًا منهم» (صحيح البخاري).

قالَ حُذَيفة: “يا رَسولَ اللهِ، أبعدَ هذا الخيرِ شَرٌّ؟” قالَ: “فِتنةٌ عَمياءُ صمَّاءُ”، أي: كِنايةٌ عن عَدمِ وُضوحِ الأمرِ بها ولا يُسمَع فيها الحقُّ لشدَّةِ ما بها من ظُلمةٍ. “علَيها دُعاةٌ على أبوابِ النارِ”، أي: إنَّ لتلكَ الفِتنةِ دُعاةً يَدعونَ لها الناسَ ليس فيهِم خيرٌ؛ فإنَّ مَن يَتَّبِعهم يكونُ مَصيرُه النارَ. “فإنْ تمَّتْ يا حُذيفةُ وأنتَ عاضٌّ على جِذْلٍ خيرٌ لك مِن أن تَتبِّعَ أحدًا مِنهم”؛ وجِذْلُ الشَّجرِة: أصلُها. والمرادُ: أنَّه ﷺ يأمُرُه بعدَمِ اتِّباعِ هَؤلاءِ الدُّعاةِ وأنْ يَعتزِلَهم ويترُكَ أمْرَ الدُّنيا.

فينبغي على الإنسان العاقل أن يعبد الله في وسط هذه الفتن؛ لأن العبادة في هذه الفتن كهجرة للنبي ﷺ، ففي الحديث الذي رواه معقل بن يسار: «العبادةُ في الهَرْجِ كالهجرةِ إليَّ» (صحيح مسلم). في الزَّمنِ الأَوَّلِ (زمنِ الهِجرةِ) كانَ النَّاسُ يَفِرُّون مِن دارِ الكُفْرِ وأَهلِه إلى دارِ الإِيمانِ وأَهلِه، فإذا وَقعتِ الفِتنُ فإنَّ المَرءَ يَفِرُّ بِدينِه مِنَ الفِتَنِ إلى العِبادةِ، ويَهجُرُ أُولئكَ الأَقوام في تلكَ الحالةِ.

وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ ﷺ أنَّ العِبادةَ في الهَرْجِ -وهو وقتُ الفِتَنِ واختِلاطِ الأُمورِ وتَخبُّطِ النَّاسِ في فَسادِ الدُّنيا وانهماكِهِم فيه- كهِجرةٍ إليه ﷺ، أي: كثَوابِ الهِجرةِ مِن مكَّةَ إلى المدينةِ يوْمَ أنْ كانتِ الهجرةُ واجبةً. وسَببُ كَثرةِ فَضلِ العبادةِ في هذا الوقتِ: أنَّ النَّاسَ يَغفُلون عنِ العِبادةِ في تلكَ الأوقاتِ ويَشتَغلونَ عنها ولا يَتفرَّغُ لَها إلَّا قَليلون، ولأنَّ الهِجرةَ تَبْتني على تَركِ الوطنِ والدَّارِ ورَغائبِها للهِ، والعبادةُ في الهرْجِ أيضًا تَبْتَني على تَركِ رَغائبِ الدُّنيا للهِ، وكما أنَّ المهاجرينَ في أوَّلِ الأمرِ كانوا قَلِيلين؛ لعدَمِ تَمكُّنِ أكثرِ النَّاسِ مِن ذلكَ، فهَكذا العابِدون في الهرْجِ قَلِيلون.

وفي الحديثِ: عِظَمُ قَدْرِ العبادةِ أيَّامَ الفتنةِ.

(يُحكى أن)

شيطاناً وجد حماراً مربوطاً بشجرة، فقام بفك وثاق الحمار وأطلقه. انطلق الحمار إلى بستان أحدهم، فأكل الأخضر واليابس، فرأته زوجة صاحب البستان فأطلقت عليه النار فأردته قتيلاً. سمع صاحب الحمار صوت إطلاق النار فهرع للمكان، فرأى حماره مضرجاً بدمائه، فانطلق وما لبث أن عاد ومعه بندقية صوبها نحو المرأة فقتلها، فرأى زوجها ما حصل فتناول البندقية وقتل صاحب الحمار.

فسألوا الشيطان: ما الذي فعلته؟

فقال: لا شيء سوى أني أطلقت الحمار من عقاله!

هكذا الذي نعيشه في الواقع حالياً؛ لانطلاق الحمير!

(الحكمة)

إذا أردت أن تدمر بلداً، فأطلق العنان لحميرها.

زر الذهاب إلى الأعلى