توبة داعشي بسجن جمصة

“من ظلمات التكفير إلى فجر الهداية.. شهادة تائب خذلته الأوهام فأنقذه العلم”
الحمد لله الذي يقيل العثرات، ويفتح أبواب التوبة لمن أضاع الطريق، ويجعل الرجوع إلى الحق شرفاً ورفعةً لا مذلةً ولا منقصة. والصلاة والسلام على من بُعث بالرحمة المهداة، نبينا محمد ﷺ، الذي لم يكن فظاً ولا غليظ القلب، بل كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً.
أكتب هذه الكلمات بمدادٍ من دموع الندم، لا أريد بها جاهاً ولا رياءً، بل هي شهادةٌ لله ثم للتاريخ، أضع فيها عصار تجربةٍ مريرة بين يدي كل شابٍ تحرقه الغيرة على دينه، لعلها تكون حائطاً يحجزهم عن السقوط في الهاوية التي ترديتُ فيها سنين عدداً.
البداية: حماسٌ أعمى و”حسبة” بلا فقه
بدأت قصتي عام 2010، كنت شاباً يفيض حماساً للدين، لكنه حماسٌ “أعزل” من سلاح العلم.
وفي عام 2012، اتهمت فيقضية وحبست
سجن طرة.. الانحدار في دركات الغلو
خلف أسوار سجن طرة، بدأت رحلة “التدرج في التكفير”؛ رحلةٌ يسلمك فيها ضلالٌ إلى ضلالٍ أعمق:
• في 2012: جلستُ مع من جاهر بتكفير الدولة أمام الجميع، فأقنعني بأن كل الجماعات الإسلامية التي لا تكفّر الدولة هي جماعات مرتدة.
• في 2014: وقعتُ في فخِ من أقنعني بأن المشايخ قاطبةً هم “سدنة الطواغيت”، فكفرتُ الرسميين منهم وغير الرسميين. نهلتُ من سموم كتاب “ملة إبراهيم”، وغرقتُ في تخيلات “إدارة التوحش”، وتشرّبت مذكرات “أبي مصعب السوري” ومحاضراته وغيرها، حتى ظننتُ أنني ملكتُ الحقيقة المطلقة.
• في 2015: اكتملت المأساة حين التقيتُ بأفراد من “ولاية سيناء”، واخذت بعض ما عندهم وصرتُ رأساً من رؤوس فكر التكفير، وداعياً شرساً له، أناظر بعض الدعاة بصلف الجاهل، وأتوهم ان عجزهم، لقوة حجتي
• سجن جمصة: رهان الذكاء على سلطان العلم
في عام 2021، نُقلتُ إلى سجن جمصة، وهناك وقعت الفاصلة الكبرى. طلبتُ من ضابط الأمن الوطني أن أجلس في غرفة الشيخ (ع. س.)، وتذرعتُ بأسبابٍ واهية، بينما كنتُ أُضمر في نفسي نية “تحطيمه” علمياً وكسر حجته.
وهنا تجلّى الذكاء الفذ والحكمة البالغة لضابط الأمن الوطني بجمصة. كان يعلم يقيناً من أنا، ويعرف أنني “قيادي فكري” لكن هذا الضابط راهن على سلطان العلم.
لقد أدرك أن العقول المظلمة لا تُفتَح بالقهر، بل بالنور. وافق على طلبي بكل ثقة، فاتحاً لي باباً لـ “العلاج الفكري”، في بيئةٍ رأيتُ فيها بأم عيني كيف تتهاوى أفكار العشرات وتستقيم بوصلتهم تحت وهج الحجة والمنطق، وهو مشهدٌ لم أره في أي سجنٍ آخر.
صدمة الحقيقة.. الوقوف على أرض صلبة
بدأتُ مع الشيخ (ع. س.) ماراثوناً من النقاشات، استمرت شهوراً، نسهر فيها الساعات الطوال. كنتُ أُلقي بشبهاتي المسمومة، فيتلقاها بهدوء ويفككها بآيات الكتاب، وصحيح السنة، وفهم سلف الأمة.
والله الذي لا إله غيره، لقد سقطت الأوثان الفكرية من عقلي واحداً تلو الآخر. اكتشفتُ أن كل ما بنيتُ عليه تكفيري كان:
1. نصوصاً مبتورةً من سياقها.
2. أو أحاديث مفهمومةً على غير وجهها.
3. أو جهلاً مطبقاً بضوابط الحاكمية والتشريع والولاء والبراء والجهاد والتكفير والامامة وغيرها
لقد بكيتُ ندماً، لا خوفاً من سجنٍ ولا طمعاً في عفو، بل لأنني رأيتُ الحق ساطعاً كالشمس. اليوم، أنا أقف على أرضٍ صلبة، أفهم ديني بدليله، وأدرك ضوابط الأمر بالمعروف، وحرمة الدماء، وعظم الأمانة. اليوم، أنا مستعدٌ لمناقشة أي متطرف وكشف عوار فكره، فالعلم الذي حصّلته في جمصة جعلني أسمع الإسلام وكأنني أسمعه لأول مرة.
صرخة ندم ورسالة للشباب
يا شبابنا الغالي، لا تخوضوا تجربتي، فقد أحرقتُ فيها زهرة عمري خلف سراب.
• تعلّموا قبل أن تحكموا: فالحماس بلا فقه هو مطيّة الشيطان للدمار.
• لا تغلقوا آذانكم: اسمعوا من العلماء الراسخين، ولا تستقوا دينكم من مجاهيل الإنترنت وكتب الفتن.
• الرجوع للحق شرف: فلا تأخذنكم العزة بالإثم، فالندم في الدنيا خيرٌ من الخزي يوم القيامة.
كلمة شكر واجبة
جزى الله ضابط الأمن الوطني بسجن جمصة خير الجزاء؛ فقد كان رجلاً يحمي العقول قبل الأبدان، وراهن على إنسانيتي وعقلي فربح الرهان.
وجزى الله الشيخ (ع. س.) الذي كان يده الحانية التي انتشلتني من مستنقع الغلو إلى رحاب الحق.
اليوم، أخرج من ضيق التكفير إلى سعة وسماحة الإسلام، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والله الموفق .