دكتور ياسر جعفر يكتب: احتواء الراعي للرعية

احتواء الراعي للرعية -أي احتواء الحكام للشعوب- من الأمور الشرعية الهامة؛ لأنها من الأمانات الكبرى التي يحاسبون عليها. يوجد بالرعية فقراء ومساكين ويتامى وضعفاء ومرضى، والراعي متعدد في جميع المناصب والأعمال، والراعي الأساسي هو رب الأسرة الذي يوجه أولاده في طرق الهداية.
راعي الأسرة عليه مسؤولية كبيرة؛ يخرج من الأسرة رئيس الدولة، والوزير، ورئيس الوزراء، ورئيس النيابات، والمدرسون، ودكاترة الجامعات، والمهندسون، والأطباء، والمحاسبون… إلخ. راعي الأسرة له دور كبير في تأسيس المجتمع، وراعي الدولة يخصص كل شخص ليكون راعياً؛ فمثلاً يخصص كل وزير ليكون راعياً لوزارته، وأيضاً كل محافظ فهو راعٍ على محافظته، فكل راعي مسؤول عن رعيته. وينبغي على كل راعي أن يحكم بالعدل بين الناس وأن يتقي الله في الناس.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58].
قال ابن عطية: “هو للنبي عليه السلام وأمرائه، ثم يتناول من بعدهم”.
وقال أيضاً: “«العدل» هو فعل كل مفروض من عقائد وشرائع وسير مع الناس في أداء الأمانات، وترك الظلم، والإنصاف وإعطاء الحق”.
وقال الخازن: “قيل: الخطاب في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ لولاة أمور المسلمين من الأمراء والحكام وغيرهم، ويدل على ذلك سياق الآية، وهو قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، ومعنى الآية: إن الله يأمركم يا ولاة الأمور أن تؤدوا ما ائتمنتم عليه من أمور رعيتكم، وأن توفوهم حقوقهم وأن تعدلوا بينهم، وقيل: إن الآية عامة في جميع الأمانات… وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ يعني: وإن الله يأمركم أن تحكموا بين الناس بالعدل… وحاصل الأمر فيه أن يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحق إلى مستحقه وألا يمتزج ذلك بغرض آخر”.
وقال ابن عاشور: “جملة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ صريحة في الأمر والوجوب… والخطاب لكل من يصلح لتلقي هذا الخطاب والعمل به من كل مؤتمن على شيء، ومن كل من تولى الحكم بين الناس في الحقوق… والعدل: مساواة بين الناس أو بين أفراد أمة في تعيين الأشياء لمستحقها، وفي تمكين كل ذي حق من حقه”.
وقال الله سبحانه: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: 26].
قال ابن كثير: “هذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى، ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيله، وقد توعد الله تعالى من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب، بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد”.
وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم في أهل الكتاب: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] إلى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: 42].
وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 49].
وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
فأعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن فرضاً عليه وعلى من قبله والناس إذا حكموا أن يحكموا بالعدل، والعدل اتباع حكمه المنزل.
قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم حين أمره بالحكم بين أهل الكتاب: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49].
ووضع الله نبيه صلى الله عليه وسلم من دينه وأهل دينه موضع الإبانة عن كتاب الله عز وجل معنى ما أراد الله، وفرض طاعته، فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]. وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65] الآية. وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: 63] الآية.
وفي الحديث الذي رواه معقل بن يسار: “ما من عبد استرعاه الله رعية، فلم يحطها بنصيحة، إلا لم يجد رائحة الجنة”. (صحيح البخاري).
تولي أمر الناس والتأمر عليهم فيه تكليف بالقيام بمصالحهم ورعايتها بحسب ما أوضحه الشرع المطهر، والإمارة ليست ترفعاً وتجبراً على الناس كما يفعل كثير من الأمراء الذين ينسون حقوق الناس، وتصبح الإمارة في نظرهم مغنماً لهم ومرتعاً؛ فهؤلاء ستكون الإمارة عليهم وبالاً وخزياً يوم القيامة.
وفي هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن كل أحد جعله الله تعالى راعياً ومسؤولاً على رعية مهما قلت -ويشمل ذلك الأمير ولو على ثلاثة نفر، ويشمل كذلك الرجل في بيته والمرأة في بيتها- فقصّر في حق رعيته، ولم يرعها وينصح لها، فضيّع حقوقها الدينية والدنيوية؛ فعقوبته عند الله شديدة، وهي: ألا يشم رائحة الجنة التي تُشم من مسافة سبعين سنة (كما عند أحمد، وفي رواية عنده: مائة عام)، وهذا يدل على بعده عنها وعدم دخوله إياها، وإن كان من أهل التوحيد فيدخلها بأحد أسباب دخولها: كالتطهير بالعذاب، أو المغفرة، أو غلبة الحسنات.
وفي الحديث: بيان سوء عاقبة من تولى أمور الناس ولم يقم بحقوقهم.
وفي الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته؛ فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راعٍ وهو مسؤول عن رعيته”.
قال: “فسمعت هؤلاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال: والرجل في مال أبيه راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته، فكلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته”. (صحيح البخاري).
لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وواجب على العبد ألا يقدم نفسه لأمر وهو غير مؤهل له، فإذا تعينت المسؤولية عليه لزمه القيام بحقها، وسيُسأل عنها أمام الله عز وجل.
وفي هذا الحديث يرشد النبي صلى الله عليه وسلم كل فرد من أمته إلى القيام بواجبه نحو ما خوله الله عليه، فيخبر صلى الله عليه وسلم أنه ما من مسلم في هذه الأمة إلا وتحته من يرعاهم ويتحمل مسؤوليتهم، فيقول: “كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته”، والرعي: هو حفظ الشيء وحسن التعهد له، والراعي: هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه، فكل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته، فإن وفّى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر والجزاء الأكبر، وإن كان غير ذلك طالبه كل أحد من رعيته بحقه، والله عز وجل سائله عن تلك الرعية إن فرّط في حقوقها.



