وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ

بقلم: د. ياسر جعفر

آفة الاستخفاف ميكروب بكتيري مدمر، هذه الآية يحذر الله فيها نبيه صلى الله عليه وسلم: أن يستخف بك أعداؤك. حينما يستخف الأعداء بنا نكون مسخرة بين الأمم، وتستخف بنا أعداؤنا في حالة إعراضنا عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي حالة الفتنة بيننا فيحدث التناحر والشقاق. هذا تحذير للأمة الإسلامية: الحذر أن يستخف بنا أعداؤنا، والاستخفاف يكون على مستوى الفرد والمجتمع والدول. حينما يستخف إنسان بآخر يزعل منه زعلاً شديداً ربما يصل إلى الخصام بينهما، فهذا يكون على المستوى الدولي.
ونحن نرى في هذه الأيام اشتعال نيران الفتن بين الأمة الإسلامية والتي أدت إلى الخلافات، وكل هذا بسبب استخفاف الصهيونية الأمريكية واليهودية بالأمة الإسلامية؛ لعدم تمسكها بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أصبحنا أمة نحارب في بعضنا البعض وتركنا العدو الحقيقي للأمة الإسلامية. ففي أول الآية توجيه لرسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم من الله بالصبر على أذى قومك وتكذيبهم رسالتك، واحذر أن يستخفوا بك؛ لأن في الاستخفاف ضعفاً وهزيمة.
﴿فاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾
هذه الآية توجيه من الله تعالى إلى النبي محمد بن عبد الله، وهي كذلك رسالة لكل مؤمن ولكل أسرة ولكل دولة!
﴿فاصْبِرْ﴾
أي: اثبت على طريق الحق، واصبر على الأذى والتكذيب والمشاق.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾
أي: وعد الله بالنصر، والتمكين، والجزاء، واقع لا شك فيه، لا يتخلف أبداً.
﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾
أي: لا يدفعك أو يزعزعك أهل الشك والكفر عن ثباتك، ولا يؤثروا عليك بكلامهم أو استهزائهم.
(المعنى العام)
الآية تدعو إلى الصبر والثبات، والثقة الكاملة في وعد الله، وعدم التأثر بالمشككين أو أصحاب القلوب الضعيفة.
رسالة الآية لنا: في زمن الفتن والضغوط التي تعيشها الأمة حالياً، وخاصة بعض الدول التي تعيش تحت ضغوط قوية للاستخفاف بها، وهنا نفهم من مجمل الآية أن: (الحق) يحتاج صبراً.
النصر قد يتأخر لكنه آتٍ.
لا تجعل كلام الناس يضعف يقينك!
﴿فَاصْبِرْ﴾ على ما أُمرت به وعلى دعوتهم إلى الله، ولو رأيت منهم إعراضاً فلا يصدنك ذلك. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: لا شك فيه، وهذا مما يعين على الصبر؛ فإن العبد إذا علم أن عمله غير ضائع بل سيجده كاملاً هان عليه ما يلقاه من المكاره، ويسرَّ عليه كل عسير، واستقلَّ من عمله كل كثير.
﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ أي: قد ضعف إيمانهم وقلَّ يقينهم فخفَّت لذلك أحلامهم وقلَّ صبرهم، فإياك أن يستخفك هؤلاء؛ فإنك إن لم تجعلهم منك على بال وتحذر منهم وإلا استخفوك وحملوك على عدم الثبات على الأوامر والنواهي، والنفس تساعدهم على هذا وتطلب التشبه والموافقة، وهذا مما يدل على أن كل مؤمن موقن رزين العقل يسهل عليه الصبر، وكل ضعيف اليقين ضعيف [العقل] خفيفه؛ فالأول بمنزلة اللب والآخر بمنزلة القشور، فالله المستعان.
والاستخفاف فيروس وبائي انتشر بالأمة ليدمر مناعتها وتصبح أمة ذليلة يستخف بها أعداؤها، ويستهزئ بها المرتزقة من اليهود والصهيونية الأمريكية. الاستخفاف يعني الاستهزاء والسخرية. إن المجتمع الفاضل الذي يريد الإسلام بناءه، وتقوية أركانه، هو المجتمع الذي له الأدب الرفيع، وكل فرد يعرف مكانته وكرامته فيه، والمؤمنون فيه كالجسد الواحد: ﴿إِنَّما الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].
وفي الحديث يقول ﷺ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً» وشبَّك بين أصابعه، ويقول: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».
والشارع الحكيم قد حرَّم مساوئ الأخلاق، ورذائل الصفات؛ فحرَّم السخرية بالناس والاستهزاء بهم، وهمزهم ولمزهم لأي عيب فيهم خَلْقياً أو خُلُقياً، وحقيقة السخرية أنها كل كلام أو فعل يظهر منه إهانة المسلم واحتقاره وإذلاله.
وقد جاءت النصوص في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ بتحريم السخرية بالناس؛ قال الله جل وعلا مبيناً ذلك واصفاً بأن السخرية فسوق وظلم وعدوان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11].
والسخرية بالناس منكر؛ سألت أم هانئ النبي ﷺ عن قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: 29] قال: «يسخرون بأهل الطريق ويحذفونهم». والسخرية حرام وإثم كبير؛ تقول عائشة -رضي الله عنها-: قلت يا رسول الله: حسبك من صفية إلا أنها قصيرة -تشير بيدها-، قال يا عائشة: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ». يعني: أن كلامك هذا سيءٌ وخطيرٌ، وأنه إثمٌ لأنك وصفتها بالقصر من باب التنقص في حقها، فأدبها ﷺ بقوله: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ».
السخرية والاستخفاف من أخلاق الكافرين والمنافقين؛ قال جل جلاله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: 29-30]. فبيَّن تعالى في أول السورة جزاء المجرمين وثواب المؤمنين المتقين، ثم بيَّن أن أهل الإجرام يسخرون بالمؤمنين ويضحكون منهم كـ”كلمة احتقار” كما حدث للأمة من الكافرين والمنافقين، وكما نرى من تمزيق للأمة الإسلامية بالقتل العلني بآلاف الموتى على أرض فلسطين وسوريا والعراق واليمن وليبيا… إلخ في جميع الدول، وامتهان لهم: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾؛ كل ذلك مما في قلوبهم من الحقد.
وقال جل وعلا: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: 110-111]. فأهل الكفر والضلال سخروا بأهل الخير والصلاح وأئمة الهدى، وشغلتهم سخريتهم بهم عن ذكر الله وعن التدبر فيما ينفعهم؛ بل شغلوا بالسخرية والاستهزاء والاحتقار والتنقص من العباد.
والله -جلَّ وعلا- بيَّن أن من أخلاق المنافقين السخرية بأهل الإيمان؛ قال جلَّ وعلا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: 65]. قالوا مقالتهم السيئة في النبي وأصحابه: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسنةً، وأجبننا عند اللقاء»؛ فبيَّن جلَّ جلاله أن تلك سخرية واستهزاء بأهل الإيمان كفر: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 66].
وأخبر جلَّ وعلا عن المنافقين وسخريتهم بأهل الصدقات والخير: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 79]. فإذا جاء المتصدق بالشيء الكثير قالوا: “هذا مراءٍ”، وإن جاء بالقليل قالوا: “الله غني عن صدقتك”.
لقد نهى الله عن الاستخفاف والاستهزاء والسخرية لأنها رذيلة من أخس رذائل البشر، وصفةٌ من أقبح صفاتهم؛ هذا الخلق الذميم يدل على خسة صاحبه، ولؤم طبعه، وفساد نشأته، وانحطاط مستواه.
الاستخفاف والسخرية والاستهزاء قد تكون بنظرة، أو كلمة، أو إشارة، أو محاكاة، أو غمز، أو همز، أو لمز؛ ومردُّ ذلك كلِّه إلى القلب، فإذا انعقد على شيء من ذلك وقع المحذور. إن الاستهزاء والسخرية صفةٌ من صفات الشيطان الرجيم؛ إذ أمره الله بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام فأبى وامتنع مستهزئاً بآدم قائلاً: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12]؛ فاستحق بهذا الاستهزاء أن يكون مطروداً مرجوماً ملعوناً، محروماً من الجنة، خالداً مخلداً في النار وبئس المصير.




