تعليممقالات

أهمية وضرورة العلم والتعلم

بقلم: د. ياسر جعفر

إن للعلم أهمية كبيرة لا حدود لها؛ فبالعلم وتعلم العلوم الشرعية يفيد الإنسان دينه ويعبد الله على بصيرة، وبالعلوم الدنيوية يعمر الأرض. فبدون العلم يصبح العالم في ظلام دامس وتخبط، إذ بالعلم تعبد الله كما أمرك، وبه تنير حياتك في جميع أمورك وعلى جميع الأصعدة.

وإذا دخل العلم والعلماء في مجالات الزراعة والصناعة وكافة الميادين، أصبحت الدولة في مصاف الدول المتقدمة. أما إذا ساد الجهل وتفشى الجهلاء، فإن الدولة تهوي إلى “أسفل السافلين” ولن تقوم لها قائمة؛ فلا تتقدم أي دولة إلا بالعلوم الصحيحة، والاهتمام بالعلماء، ورعاية الطلاب النوابغ، فهي بلا شك “قضية أمن قومي”.

وينبغي على الدولة أن تضع العلم في مقدمة أولوياتها، فكل إنسان يبحث عن “الرفاهية”، والرفاهية مصدرها الوحيد هو العلم. فمثلاً، حين يشتد الحر وتتأثر صحة الإنسان، نجد أن “المكيف” الذي ابتكره العلم يهدئ الدورة الدموية ويعيد الجسم لحالته الطبيعية.

وقس على ذلك الكثير في صناعة السيارات، حيث يتسابق الجميع لاقتناء أحدث السيارات ذات التقنيات العالية والابتكارات الحديثة، وكذلك الأمر في صناعات الطائرات والأدوية وغيرها؛ فكلما زاد التطور العلمي في المنتج، زادت قيمته وأهميته.

إن الأمور العلمية الحديثة أصبحت هي المقياس؛ فإذا لم نهتم بالعلوم في جميع المجالات، ستسقط الدول في هاوية سحيقة من الجهل، ولن تقوم لها قائمة، حيث تصبح المعيشة فيها “ذلاً وهماً وكرباً وخراباً”.

وإذا نظرنا إلى هدي الرسول ﷺ، نجد أنه اهتم بالعلم اهتماماً بالغاً؛ ففي الحديث الشريف: “من غدا يريدُ العلمَ يتعلَّمُهُ للهِ فتحَ اللهُ لَهُ باباً إلى الجنةِ، وفرشَتْ لَهُ الملائكةُ أكنافَها، وصلَّت عليهِ ملائكةُ السماواتِ وحيتانُ البحرِ، وللعالمِ منَ الفضلِ على العابدِ كالقمرِ ليلةَ البدرِ على أصغرِ كوكبٍ في السماءِ، والعلماءُ ورثةُ الأنبياءِ؛ إنَّ الأنبياءَ لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً ولكنَّهم ورَّثوا العلمَ فمَن أخذَهُ أخذَ بحظِّهِ، وموتُ العالمِ مصيبةٌ لا تُجبرُ وثُلمةٌ لا تُسَدُّ، وهو نجمٌ طُمِسَ، موتُ قبيلةٍ أيسرُ من موتِ عالمٍ”. (الراوي: أبو الدرداء | المحدث: المنذري).

وفي رواية أخرى صحيحة: “من سلك طريقاً يطلبُ فيه علماً، سلك اللهُ به طريقاً من طرقِ الجنةِ، وإنَّ الملائكةَ لتضعُ أجنحتَها رضاً لطالبِ العلمِ، وإنَّ العالمَ ليستغفرُ له من في السماواتِ ومن في الأرضِ، والحيتانُ في جوفِ الماءِ، وإنَّ فضلَ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثُوا ديناراً ولا درهماً، ورَّثُوا العلمَ فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافرٍ”. (الراوي: أبو الدرداء | المحدث: الألباني).

إنَّ العلم نورٌ للعقول وضياءٌ للحضارات، وقد حثَّ الإسلام على طلب العلم النافع بكل فروعه؛ لما فيه من إعمارٍ للأرض، وإقامةٍ للدين الحق على الهدى والنور والبينات، وجعل لطلاب العلم وللعلماء منزلة رفيعة ومقاماً محموداً.

وفي هذا الحديث قِصَّةٌ يرويها كُثَيرُ بْنُ قَيْس -ويُقال: قَيسُ بنُ كَثيرٍ كما في رِوايةِ التِّرمذيِّ- قال: «كُنْتُ جالساً عند أبي الدَّرداءِ في مَسجدِ دِمشقَ، فأتاه رجلٌ فقال: يا أبا الدَّرداءِ، أتَيتُكَ من المَدينةِ -مَدينةِ رسولِ الله ﷺ- لحديثٍ بَلغني أنَّك تُحدِّثُ به عن النبيِّ ﷺ».

حينها أراد أبو الدرداء رضي الله عنه أن يستوضح عن نية الرجل، فقال له: «فما جاءَ بِكَ تِجارةٌ؟»، قال الرجل: «لا»، قال: «ولا جاءَ بِكَ غيرُه؟»، قال: «لا». وهذا الاستِفهامُ للإيضاحِ عن سَسببِ المجيءِ، وتأكيداً على أنَّه لم يأتِ لطلبِ تِجارةٍ أو عَرَضٍ من أعراضِ الدُّنيا، بل كان مَسعاهُ خالصاً لطَلبِ الحديثِ.

فلما عرف أبو الدرداء رضي الله عنه صِدق نِيَّةِ الرَّجلِ، سَردَ له فضل ما صَنع قائلاً: «فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: “مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يطلب فيه علماً سلك اللهُ به طَرِيقاً إلى الجنةِ”؛ أي سلك طريقاً نافعاً خالصاً لله تعالى، فيُوفقه اللهُ للطاعاتِ في الدُّنيا، ويُيسر له دخول الجنةِ في الآخرةِ.

ثم أردف ﷺ: “وإنَّ المَلائِكةَ لَتضَعُ أَجْنِحَتَها رِضا لِطالِبِ العِلْمِ”، وهذا يُحتمَلُ أن يكون على حقيقته؛ فتضعُ أجنحتها لتكونَ وِطاءً له إذا مشى، أو تكفُّ عن الطيرانِ وتنزلُ لسماعِ العِلمِ إجلالاً له.

وختم ﷺ بقوله: “وإنَّ العالِمَ ليَستَغْفِرُ له مَن في السَّمواتِ ومَن في الأَرضِ، والحيتانُ في جَوفِ الماءِ”، وهذا الاستغفارُ يكونُ طلباً للمغفرةِ له إذا لحقه ذنبٌ، أو مُجازاةً له على حُسنِ صنيعِهِ؛ وذلك لعمومِ نفعِ العلمِ، فإنَّ مَصالحَ كُلِّ شيءٍ ومنافعَه مَنوطةٌ به.

ثم بيَّن ﷺ فضلَ العالِمِ على العابدِ بقوله: “وإِنَّ فَضْلَ العالِمِ” -وهو المشتغل بالعلم النافع بأصوله وقواعده الصحيحة- “على العابِدِ” -وهو من غلبت عليه العبادة مع اطلاعه على العلم الضروري- “كَفَضْلِ القَمَرِ ليلةَ البَدرِ على سائِرِ الكَواكِبِ”.
وشبَّهه بالقمر لأن نوره يعمُّ الأرض، على عكس الكواكب التي لا تُنير لغيرها. وفي هذا تنبيهٌ على أنَّ كمال العلم ليس للعالِم من ذاته، بل بما تلقَّاه عن النبي ﷺ، كنور القمر المستفاد من نور الشمس. ثم أكد ﷺ أنَّ: “العُلَماءَ هم وَرَثةُ الأنْبياءِ، وإنَّ الأنْبياءَ لم يُورِّثوا دِيناراً ولا دِرهماً، وإنما وَرَّثوا العِلمَ؛ فَمنْ أَخَذَه أَخَذَ بِحظٍّ وافِرٍ”؛ أي بنصيبٍ تامٍ وكامل.

لذا، ينبغي على العلماء رعاية طلابهم، وعلى الطلاب إكرام علمائهم وتبجيلهم؛ فالله سبحانه جعل العلماء حاملين لعلم الأنبياء لتستمر المسيرة. فالإنسان عالي الهمة يطلب أشرف ما ينفعه، وقد عُلم بالضرورة أنه ليس في الوجود أشرف من العلم؛ قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}، وقال عز وجل: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وقوله سبحانه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}.

وكيف لا يكون العلم كذلك وهو الدليل؟ فإذا عُدم وقع الضلال، ولا صلاح للعباد في معاشهم ومعادهم إلا بالعلم. وبالغفلة عنه تزول النعم وتحلُّ النقم. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}: “العلماء فوق المؤمنين مائة درجة، وما بين الدرجتين مائة عام”.

وخلاصة القول:

علينا أن نضع الرجل المناسب في المكان الذي يناسب تخصصاته ودرجاته العلمية، وأن نتجنب “المحسوبيات” والمحاباة؛ لأن قضية العلم والعلماء هي “قضية أمن قومي” كبرى؛ فهم نور الدول، ومصابيح الظلام، وشموس تضيء دروب النهضة والبناء.

زر الذهاب إلى الأعلى