دكتور ياسر جعفر يكتب: لماذا أصبحنا أمة منكوبة!؟

نعم أمة المليار وتزيد أصبحت أمة منكوبة، تتحكم فيها مرتزقة القوم وأعداؤها من أخس وأضعف الأمم أحفاد القردة والخنازير، أمة أصبحت لا قوة لها! وكل هذا بسبب الإعراض عن كتاب الله وحدود الله التي أعرضنا عنها، أصبحنا أمة تضرب في بعضها البعض وتخون بعضها البعض وكل واحد يريد هو الزعيم! ودخل أعداء الإسلام بينهم باشعال الفتن بينهم، أصبحنا أمة هزيلة منكوبة ضعيفة ذليلة تغتصب أراضيها وثرواتها بقوة البلطجة وفرض السيطرة عليها؛ لأننا أصبحنا أمة منكوبة كل همها نحارب في بعض ونتجسس ونتنصت على بعض، وتركنا أعداء الأمة يستهزئون بنا بسبب الإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولم نقم حدود الله؛ {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا}.
ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة: (إقامةُ حدٍّ في الأَرضِ؛ خَيرٌ لأهلِها مِن مَطرِ أربَعين ليلةً) [صحيح الترغيب].
وضع الإسلام الحدود الرادعة التي تناسب خطورة الأفعال الشنيعة التي يرتكبها العصاة، وفي إقامة الحدود حفاظ على المجتمع من الرذائل التي تفسده، وفيها أداء لحق الله تعالى.”
وفي هذا الحديثِ يقولُ أبو هريرةَ -رضي الله عنه-: «إقامةُ حدٍّ في الأرضِ»؛ أي: إقامةُ حدِّ اللهِ على العصاةِ ومرتكبي الكبائر، «خيرٌ لأهلِها من مطرِ أربعينَ ليلةً»؛ أي: خيرٌ لهم، وخيرٌ لهذه الأرضِ التي ارتكبت فيها تلك المعاصي. وذكر المطر؛ لأنَّ المطرَ تنزلُ معه الرحمةُ والخيرُ، ويعمُّ به النفعُ؛ فإقامةُ الحدِّ فيها نفعٌ وخيرٌ أفضل من نزولِ المطرِ أربعينَ ليلةً؛ وذلك لأنَّ في إقامته زجراً للخلقِ عن المعاصي والذنوبِ، وسبباً لفتحِ أبوابِ السماءِ بالمطرِ.
أمَّا إذا قعدَ عنها وتهاونَ في إقامتِها؛ فذلك التهاونُ يُعتبرُ انهماكاً لهم في الإثمِ، وسبباً لأخذهم بالسنينَ والجدبِ وإهلاكِ الخلقِ، وفتحِ بابٍ للتهاونِ في أحكامِ اللهِ.
وفي الحديثِ: الحثُّ على تعظيمِ حدودِ اللهِ، وأنَّ مَن تعدَّاها فهو ظالمٌ لنفسِه، وأنَّ على مَن بيده الأمرُ أن يقيمَ حكمَ اللهِ وحدودَه على العبادِ.
هل سألنا أنفسنا أين يكمن الخلل؟ ومن أين انتشرت هذه الأزمات؟ ثمة أمور يجب علينا أن نسأل أنفسنا عنها ونجيب بصدقٍ وواقعية: لماذا تراجع المسلمون وهُزموا، وتقدم غيرهم وانتصروا؟.. لماذا تفكك المسلمون وانقسموا شِيَعاً {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}، وأعداء الله يرصون الصفوف، ويجمعون الجموع؟.. لماذا حورب الإسلام وأهل السنة والجماعة، وفُتح الباب على مصراعيه لأهل العلمنة والشر والفتنة وغيرهم؟” .
هل من الصحيح إذا سمعنا مثل تلك المآسي آنفة الذكر أن نصرخ قائلين: «وامصيبتاه!»؟ أو يرفع أحدنا صوته قائلاً: «قتلُ امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تُغتفر.. وقتلُ شعبٍ كاملٍ مسألةٌ فيها نظرُ» .
إنني لا أحقر من تلك الصرخات، ولكن هل هي الطريق الصحيح لتصحيح المسار، ومعالجة الأخطاء، والرد على الكفار أعداء الله؟.. لا شكَّ أن الوقاية خير من العلاج، والسلامة لا يعدلها شيء، لكنَّ من المهم أن يعلم أنه ليست المشكلة بأن تجد المرض يدب في جسم إنسان، فإن الجسم معرض للآفات والأمراض، ولكن المشكلة أن تجد ذلك المرض يدب في جسم الإنسان ويفتك بأعضائه، وينتهب منها السلامة، ومع ذلك فإنَّ الإنسان لا يشعر بذلك المرض، وإن شعر لا يقاومه، بل يندب حظه، ويرثي حاله، ويزعج الناس بأناته، ويوقظ أهله بآهاته وزفراته.
هذا مَثَلٌ لحال كثير من المسلمين؛ فهم في الحقيقة لم يكتشفوا المرض الداخلي في أمتهم ولم يعالجوه، ومع ذلك فما تراهم إلا وهم يندبون تلك المصائب، ويبكون هاتيك الفواجع.
«دع النياحة وابدأ بالعمل»
إذا عُلم ذلك، وأن الداء منا، فلا بد أن نبحث عن الدواء؛ ورسول الهدى -صلوات الله وسلامه عليه- أخبرنا أنه: (ما أنزل الله داءً إلا وأنزل له دواءً) [أخرجه البخاري]، وزاد ابن ماجة بسند صحيح: (علِمَه مَن علِمَه، وجهلَه مَن جهلَه). ومن الجدير بنا أن نعقل هذه المصائب، ونحاول أن نعالجها.
وقد يتبادر إلى أذهاننا سؤال: هل ظلمنا الله -عز وجل- عندما أنزل علينا المصائب؟
والجواب: لا، وحاشا ربنا؛ فإن الله عز وجل كما قال عن نفسه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44]، وقال تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46].”
“وأخبرَ -سبحانه- أنه حرَّم الظلم على نفسه، فقال: (يا عبادي، إني حرمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرماً؛ فلا تظالموا) [أخرجه مسلم].
وقال تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 108]، وقال تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} [غافر: 31]. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث؛ فيقينُنا بالله أنه صاحب العدل المطلق، والبعيد كل البعد عن الظلم والجور.
ولكنَّ الله عز وجل أنزل علينا قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة، وقد بيَّن فيه أنه ما من مصيبة تحلُّ بالمسلمين إلا بسبب معاصيهم وذنوبهم وتضييعهم حرمات ربهم وأوامره ونواهيه، فقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].
وقال تعالى: {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ} [الأنفال: 54].
وقال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79].
فهذا أول العلاج الذي يجب علينا أن نعرفه حتى نعالج به واقعنا؛ كي نعلم أنه ما من مصيبة وقعت علينا وحلَّت بديارنا إلا بسبب أنفسنا وذنوبنا وتقصيرنا في حق الله، ومستحيل أن ننتصر ونحن قد ضيعنا الله ونسيناه، ولا غرابة بعدها أن ينسانا ربنا: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} [الحشر: 19]، {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67].
إنَّ سنن الله لا تتغير ولا تتبدل؛ فالله عز وجل وعدنا بالنصر وأن يهزم عدونا ولكن إن نصرناه وجاهدنا لإعلاء كلمته، وربينا أنفسنا على طاعته والفرار من معصيته، قال تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]. وأخبر تعالى أنه لن ينصر إلا أهل الطاعة والإيمان، لا أهل الفجور والخذلان، فقال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51].
وبيَّن لنا سبحانه أنه إن تولينا عن نصرة دينه ورفع رايته، فإنه يستبدل قوماً يقومون بحق الله وبنصرة دينه: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38].”
فأنفسكم هي التي أخلت بشرط الله وشرط رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأنفسكم هي التي خالجتها الهواجس والأطماع، وأنفسكم هي التي عصت أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 152].
فهذا الذي تستنكرون أن يقع لكم وتقولون: كيف هذا؟ هو من عند أنفسكم بانطباق سنن الله عز وجل حين عرضتم أنفسكم لها» ا.هـ. [في ظلال القرآن].
“ولهذا ورد في الأثر عن العباس بن عبد المطلب: «ما نزل بلاءٌ إلا بذنب، وما رُفع إلا بتوبة»؛ فلنندب ذنوبنا قبل أن نندب مآسينا، ولنحارب أنفسنا الأمارة بالسوء وننهاها عن المنكر، عندئذ سيحصل النصر وينجلي الغبار، والله لا يخلف وعده: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].
أي أُخيَّ: تأمل وانظر إلى بلاد المسلمين:
كم يوجد فيها من ضريح يُعبد من دون الله ويُطاف عليه ويُستغاث بصاحبه؟
كم هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله، بل يتحاكمون إلى الطاغوت؟
كم من بدعة تقام في ديار المسلمين صباح مساء؟
كم من فاحشة تُنتهك في ظلام الليل الدامس، وفي الصباح المتفتح الزاهر؟
كم من إنسان يبخس الكيل والميزان، ولا يصدق في المعاملة مع ربه ومع الناس؟
كم من صَرْحٍ لبنوك الربا التي جاهرت الله بالمحاربة والمعصية؟
كم هم الناس المعرضون عن دين الله وحكمه، وأقبلوا على الملاهي والخمور والأغاني والمسلسلات؟
كم هم الناس الذين لا يصلون ويدَّعون بأنهم مسلمون؟
انظر للشوارع والأسواق فلا ترى –ويا للأسف– إلا تخنثاً للرجال، وترجلاً للنساء، والغيبة، والكذب، والنميمة، والغش، والظلم، وخفر العهود، وإخلاف المواعيد، وأكل حقوق الناس، والعصبية القبلية والعرقية المنتنة، والزنا، واللواط، والنفاق، وسوء الأخلاق –إلا قليلاً ممن رحم ربك–؛ ثم مع هذا كله نريد نصر الله، وأن يهزم عدونا ويكف شره ويكبت أمره!! .
عن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما– قال: كنتُ عاشر عشرة من المهاجرين عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأقبل علينا بوجهه وقال: (يا معشر المهاجرين، خمسُ خصالٍ إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم قطُّ حتى أعلنوا بها؛ إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله؛ إلا جعل الله بأسهم بينهم) [أخرجه ابن ماجة والحاكم].
جزاءً بجزاء، ومثلاً بمثل؛ إذا نحن عصينا الله وخالفنا أمره سلط علينا الأعداء والوباء والضراء: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].
إن الله عز وجل لما ذكر الأمم الكافرة التي عصت رسله وخالفت أمره، قال عنهم بعد ذلك: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40].”
“فنفسك لُمْ ولا تَلُمِ المطايا:
أخي القارئ الكريم: قد ورد في الأثر: «إذا عصاني من يعرفني سلطتُ عليه من لا يعرفني»؛ وقد قال نبي من أنبياء بني إسرائيل لما رأى ما يفعل بختنصر بقومه: «بما كسبت أيدينا سُلِّطتَ علينا من لا يعرفنا ولا يرحمنا».
وورد في المسند من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعاً إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسند صحيح: (حدٌّ يُقام في الأرض خيرٌ من المطر لأهلها أربعين صباحاً).
وقد علق الإمام ابن تيمية على هذا الحديث بقوله: «وهذا لأن المعاصي سبب لنقص الرزق والخوف من العدو، كما يدل عليه الكتاب والسنة؛ فإذا أقيمت الحدود وظهرت طاعة الله، ونقصت معصية الله؛ حصل الرزق والنصر».
وعليه، فالنحيب على بلاد للمسلمين ضاعت دون عمل وتوبة صادقة، لا يحقق نصراً ولا يعيد أثراً! وقد قيل في المثل: «إيقاد شعلة خير من لعن الظلام»؛ فلنبدأ في التغيير والعمل، ولنترك لوم الزمان والدهر؛ فهو فعل الفاشلين العاجزين، لا فعل
الطموحين الناجحين. وقد قال الشاعر الإسلامي عدنان النحوي في أبيات له جميلة:
ما لي ألومُ زماني كلما نزلتْ … بي المصائبُ أو أرميهِ بالتُّهَمِ
أو أدّعي أبداً أني البريءُ وما … حملتُ في النفسِ إلا سقطةَ اللّممِ
أنا الملومُ فعهدُ اللهِ أحمـلُـه … وليسَ يحملُـه غيري من الأُممِ
فإذا أردنا أن نغير، فلنغير من حالنا ومن فساد قلوبنا وأنفسنا؛ يغير الله حالنا، ويرفع ما بنا من مصائب أرقتنا، أو بلايا أقلقتنا. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 11].”
“وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 53].
ومن أول الأمور التي نغير بها حال أنفسنا: التوبة النصوح؛ فهي وظيفة العمر، وطريق الفلاح، والتي تفتح كل عمل خير وبر وصلاح. ومن ثَمَّ الأعمال الصالحة التي تقرب من رضوان الله عز وجل وجنته، وتبعد عن سخطه وأليم عقابه.
ورحم الله أبا الدرداء حيث كان يقول للغزاة: «يا أيها الناس: عملٌ صالحٌ قبل الغزو؛ فإنما تقاتلون بأعمالكم». ولله درُّ الفضيل بن عياض حين قال للمجاهدين عندما أرادوا الخروج لقتال عدوهم: «عليكم بالتوبة؛ فإنها ترد عنكم ما لا ترده السيوف».
وإن التوبة والعمل الصالح ومحاسبة النفس ومراجعة الذات، وإعداد هذه النفس إعداداً إيمانياً وبدنياً، والارتباط بالله والتعلق به؛ كل هذا مفتاح للطريق الذي يعيد لنا المجد بنصاعته.
ومن المتوجب علينا معرفته أن إقامة النصر في الأرض، وإعادة الخلافة الراشدة، لا يُقدم ذلك لنا مباشرة على طبق من ذهب؛ بل لا بد من الكلل والتعب، والوصب والنَّصَب، حتى يأتينا نصر الله بعد أن علِم منا الصدق في القلوب، والصلاح في الأعمال، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.”



