دين

أهمية ليلة النصف من شعبان

بقلم: د. ياسر جعفر

 

يُعد شهر شعبان من الشهور التي تمتاز بالخيرات والمسرات؛ لما يتضمنه من أعمال خيرية، وفيه ليلة النصف التي تُغفر فيها الذنوب والمعاصي. هي منح ربانية عظيمة، يغنم المرء بعدها سعادة غامرة بفضل مغفرة الخطايا؛ ففي الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: “يطَّلِعُ اللهُ عزَّ وجلَّ إلى خلقِه ليلةَ النَّصفِ مِن شعبانَ، فيغفِرُ لعبادِه إلَّا لاثنَينِ: مُشاحنٍ، وقاتلِ نفْسٍ”.

يا لها من منحٍ من الله الرحمن الرحيم! منحٌ لا تُقدر بثمن لغسل الذنوب والمعاصي، وفتح أبواب السعادة والأنوار، وبوابات الصحة والعافية وراحة البال. منحٌ تحوي سعادة الدارين، وكل ذلك في ليلة واحدة، وهي ليلة النصف من شعبان، إلا اثنين لم يُقبل منهما: “المشاحن”؛ صاحب القلب الأسود الممتلئ بالحقد والحسد والشر، الذي يتمنى السوء دائماً للناس، و”قاتل النفس” بغير حق.

إن شهر شعبان من شهور الله المباركة؛ ففيه تُرفع الأعمال إلى الله تعالى، وهو الذي يلي “رجب” شهر الله الحرام، ويُعد مدخلاً لرمضان، ويغفل عنه كثير من الناس؛ لذا كان من الواجب أن تتداعى الهمم لعمارته بالطاعة والاجتهاد في العبادة، وإعداد النفس لاستقبال شهر الصيام.

ولليلة النصف منه مزيد فضل، كما في الحديث حيث يقول النبي ﷺ: “يَطَّلعُ اللهُ عزَّ وجلَّ إلى خَلقِه ليلةَ النصفِ مِن شَعبانَ”، وفي رواية: “يَنزِلُ ربُّنا تبارَكَ وتَعالى إلى سماءِ الدُّنيا ليلةَ النِّصفِ مِن شعبانَ” -نزولاً يليق بذاته وجلاله- فيغفر لعباده إلا لاثنين: “مُشاحنٍ”؛ وهو الذي يعادي غيره ويحمل له الخصومة والبغضاء، وقيل: لعلها تلك التي تقع بين المسلمين من قِبَلِ النفس الأمّارة بالسوء لا للدين، فلا يأمن أحدهم أذى صاحبه من يده ولسانه. و”قاتلِ نفسٍ”؛ وهو الذي قتل نفساً بغير حق وقد حرّم الله قتلها؛ وذلك لما في قلبي الاثنين من القسوة والغلظة والشر، مما يدعوهما إلى إيذاء الناس بالقول والفعل حتى يصل أحدهما إلى قتل النفس.

وكل ذلك يستوجب توبة العبد إلى الله توبة نصوحاً حتى يغفر الله للمذنب منهما، مع أخذ القصاص من القاتل. وفي الحديث بيان فضيلة ليلة النصف من شعبان، والحث على المحبة والتآلف والمودة والتعاطف، والتحذير من التشاحن بين الناس وقتل النفس.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: “تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا” (رواه مسلم وغيره).

سبحانك ربي ما أعظمك! سبحانك ربي ما أكرمك! ألهذا الحد يصل أثر الشحناء على الأمة؟! ألهذا الحد تفتك الشحناء بالإنسان؟!.. فلمَ الشحناء بين المسلمين؟! ولماذا الحقد والانتقام من عباد الله؟! اغسل قلبك أيها المشاحن قبل ليلة النصف من شعبان، اغسل قلبك وتُب إلى الله واتقهِ، واعلم أن كل شيء بقدر الله. طهّر قلبك من السواد الأعظم تجاه عباد الله، وعامل الناس بما يرضي رب العباد.

حقٌ علينا جميعاً أن نتعرف على هذا الداء الدوي لنتجنبه، وحقٌ علينا أن نقف على أسبابه وآثاره المدمرة، وأن نبحث عن السبل الناجعة للتخلص منه؛ فالشحناء هي: العداوة والبغضاء، وقيل: “الشحن: أيُّ عداوة تملأ القلب”.
أيها الإخوة: أسباب الشحناء كثيرة، نذكر منها: تحريش الشيطان بين المؤمنين؛ فقد قال الله سبحانه: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]، وقال النبي ﷺ: “إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ” (رواه مسلم عن جابرٍ رضي الله عنه).

وقوله: “ولكن في التحريش بينهم”؛ أي يسعى في الإيقاع بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن وغيرها.

إن للشيطان دوراً خطيراً في إذكاء الشحناء على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدول، إذ يتلاعب بالعقول والقلوب لينشر العداوة والبغضاء، ويفسد تماسك المجتمع ويذكي النزاعات والفرقة والخلافات بين الناس وبين الدول. وقد نال من خلال هذا المسلك كثيراً من مراده ومبتغاه حين استسلم له البعض، فانساقوا خلف هذا المرض القلبي الفتاك؛ فشحن إبليس قلوب بعض الأبناء على الآباء والأمهات، وشحن قلوب بعض الإخوة والأخوات والأزواج والزوجات وأبناء العمومة، فضلاً عما يبثه بين عموم المسلمين من ضغينة؛ حتى غدونا نرى فئاماً من المسلمين قد تباغضوا وتقاطعوا وتدابروا، وتقاضوا في المحاكم على لعاعة من الدنيا؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.

تجد أحدهم قد احمرَّ وجهه، وانتفخت أوداجه، وجحظت عيناه، وقد تطاير البغض والحنق من نظراته؛ ليس على كافرٍ محاربٍ تعدى على دين الله، ولكن على أخيه شقيقه؛ من أجل خلافٍ ماليٍّ أو ما دونه.

ومن أسباب الشحناء: الغضب؛ فإن الإنسان إذا عجز عن كظم غضبه وتصريفه، ارتدَّ إلى باطنه فصار حقداً وغلاً؛ ولذلك أوصى النبي ﷺ ذلك الرجل بأن لا يغضب، فردد مراراً، فأوصاه بهذه الوصية العظيمة.

ومن أسبابها كذلك: الحسد؛ وقد قال ﷺ: “دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ” (رواه الترمذي وصححه الألباني). والحسد هو تمني زوال النعمة عن الآخرين، وهو من أخطر أمراض القلوب.
ومن أسباب التشاحن والغل بين الناس: الهوى والجدال والتعصب للرأي؛ وربما يكون ذلك في أمورٍ تافهة كالمباريات الرياضية وغيرها من أمور اللهو واتباع الهوى. فمتى ما تحول النقاش وطلب الحق إلى جدالٍ مذموم وتعصبٍ للرأي، صار الجدال طلباً لتحقيق الرغبات والانتصارات الشخصية؛ مما يُنتج حقداً وشحناء وبغضاء على من خالفه في رأيه؛ لأن الوصول إلى الحق لم يكن الدافع في هذا النقاش. ولذلك ضمن رسول الله ﷺ بيتاً في الجنة لمن ترك الجدال، فقال: “أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا” (رواه أبو داود عن أبي أمامة رضي الله عنه).

ومن الأسباب أيضاً: التنافس على الدنيا وحطامها؛ فإنها ترهق المتنافسين في طلبها، وتورث التشاحن والعداوات فيما بينهم. قال ﷺ ذات يوم لأصحابه: “إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ، أَيُّ قَوْمٍ أَنْتُمْ؟” قال عبد الرحمن بن عوف: “نقول كما أمرنا الله”، قال رسول الله ﷺ: “أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، تَتَنَافَسُونَ، ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ، ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ” (رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما).

ومن الأسباب كذلك: النجوى وكثرة المزاح؛ وقد أخبر الله سبحانه أن النجوى من الشيطان، والنجوى هي أن يتحادث اثنان دون الثالث إذا لم يكن في المجلس سواهم؛ فهذا مما يوغر الصدور، ويحرّش بين الناس، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ.
أيها الإخوة: أما الآثار التي تترتب على الشحناء، فمن أهمها: التفرق والضعف والهوان؛ وقد بيّن لنا ربنا ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].

ومن آثارها: الوعيد بسوء الخاتمة في حق من كان قلبه يحمل الغل والحسد والبغضاء على إخوانه؛ وقد قال ﷺ: “لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ” (رواه أبو داود وصححه الألباني عن أبي هريرة).
ومن آثار التشاحن كذلك: ما يقع في القلب من الأذى والهم والغم والعذاب الذي يتلظى به صاحب الشحناء والبغضاء؛ ولذلك كان من نعيم أهل الجنة أن نزع الله من صدورهم الغل، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47].

ومن آثار الشحناء أيضاً: الغيبة والنميمة وتتبع الزلات والهمز واللمز؛ فقلما تجد من يحمل في قلبه شحناء على مسلم إلا وسعى في كل مجلس إلى عيبه وتنقُّصه، بل ربما وقع في الكذب والظلم وتجاوز الحد.. وفي المقابل، تجده يغفل عن عيوب نفسه وأخطائها.

ومن آثارها: تأخيرُ مغفرة الذنوب؛ فقد قال ﷺ: “تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا” (رواه مسلم وغيره).

ما أعظمها من فاجعة! يغفر الله لجميع المسلمين ويُرجأ المتشاحنون! تخيل نفسك -أيها المشاحن- في جمعٍ من الناس تنتظر عطاءً أو قضاء حاجةٍ في يوم الاثنين؛ فتُقضى حوائج الحاضرين جميعاً، ويقال لك: “راجعنا يوم الخميس”، وهكذا كلما حضرت لحاجتك تُؤجل بين اثنين وخميس. فإذا انقضى العام وحلت الهبات الكبيرة والأعطيات الجزلة في ليلة النصف من شعبان، قيل لك: “راجعنا العام القادم”. وهكذا هو حالك؛ مرتان في الأسبوع ومرة كل عام، تغدو وتروح دون أن تنال مصلحتك المرجوة! وكم من المسلمين اليوم -مع الأسف الشديد- هذا هو حالهم في مجتمعاتهم.

وفي شهر شعبان تعمُّ مغفرته سبحانه وتعالى جميع خلقه؛ غرباً وشرقاً، شمالاً وجنوباً، عرباً وعجماً؛ إلا صنفين من الخلق يُحرمان من هذه الرحمة والمغفرة. فمن هم هؤلاء المحرومون؟ قال ﷺ: “فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن”.
فأما المشرك فهو الذي صرف ما لله لغير الله تعالى بأي نوع من أنواع العبادة؛ كالدعاء، أو النذر، أو الذبح، أو الحج، وغير ذلك من العبادات التي لا تكون إلا لله تعالى. فمن فعل ذلك فقد أشرك واستحق العقوبة، وهي عدم المغفرة؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48].

إنَّ أعظم ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه هو الشرك؛ كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: 36]، وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: 151].

والشرك إذا خالط الأعمال أفسدها وأحبطها مهما عظمت وكثرت؛ فلو أن العبد صلّى وصام وقام، بل لو قضى حياته ساجداً ثم توجه بسجدة واحدة لغير الله -جلّ في علاه- لحبطت جميع أعماله؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]. وتوعّده الله تعالى بالحرمان من دخول الجنة والخلود في النار؛ كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72].
وللشرك صور عديدة، منها:

دعاء غير الله تعالى.
الذبح والنذر لغير الله تعالى.
الحلف بغير الله تعالى تعظيماً للمحلوف به.
تعليق التمائم والخيوط؛ لرفع البلاء أو دفع الضر أو جلب النفع.
الطيرة والتشاؤم.

الاستسقاء بالنجوم والكواكب؛ وهذه الظاهرة انتشرت انتشار النار في الهشيم على وسائل التواصل الاجتماعي عبر “المهاترات” والخزعبلات التي فشت في عالم التنجيم والأبراج والحديث عن الجن والشياطين؛ فينبغي الحذر من هؤلاء المرتزقة.

الذهاب إلى السحرة والعرّافين والمنجمين وسؤالهم وتصديقهم.

الشرك الخفي الذي خافه النبي ﷺ على أمته، وهو “الرياء”.

بعض الألفاظ التي تنافي التوحيد أو تقدح فيه؛ مثل قول: “ما شاء الله وشاء فلان”، أو “لولا الله وفلان”، أو “توكلت على الله وعليك”.

زر الذهاب إلى الأعلى