دين

دكتور ياسر جعفر يكتب: احذروا حكم وإمارة السفهاء

حذرنا رسول الإنسانية -صلى الله عليه وسلم- من ست خصال؛ لأن فيها السواد الأعظم (من البلاء) للبشرية، ففي الحديث الذي رواه عوف بن مالك الأشجعي: “أخافُ عليكم ستًّا: إمارةَ السُّفهاءِ، وسفكَ الدَّمِ، وبيعَ الحُكمِ، وقطيعةَ الرَّحِمِ، ونَشْواً يتخذون القرآنَ مزاميرَ، وكثرةَ الشُّرَطِ” [صحيح الجامع].

وفي رواية لابن عم عابس الغفاري:

“بادِرُوا بالأعمالِ خصالاً سِتًّا: إمارةُ السفهاءِ، وكثرةُ الشُّرَطِ، وقطيعةُ الرَّحِمِ، وبيعُ الحُكْمِ، واستخفافاً بالدَّمِ، ونَشْوٌ يتخذون القرآنَ مَزامِيراً، يُقدِّمونَ الرجلَ ليس بأفقهِهِم ولا أعْلَمِهِم، ما يُقدِّمُونَهُ إلا لِيُغَنِّيَهُمْ”.

حثَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته على المداومة على الأعمال الصالحة والمسارعة إليها؛ حتى يكون المسلم على أتم الاستعداد للقاء الله تعالى. وفي هذا الحديث يرشدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: “بادروا بالأعمال خصالاً ستاً”، والمراد: سارعوا وسابقوا بالاشتغال بالأعمال الصالحة قبل وقوع ست علامات من أشراط الساعة.

وأول هذه العلامات هي: “إمارة السفهاء”؛ بمعنى ولاية السفهاء للحكم، وهم الجهال علماً وعملاً، وخفاف العقول؛ وذلك لما يحدث في إمارتهم من التعسف والطيش والخفة. وفي رواية عند أحمد من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن كعب بن عجرة -رضي الله عنه- سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: “وما إمارة السفهاء؟ قال: أمراء يكونون بعدي لا يقتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني، ولست منهم، ولا يردوا علي حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك مني، وأنا منهم، وسيردون علي حوضي”.

وثاني العلامات: “كثرة الشُّرَط”، وهم أعوان الولاة، والمراد كثرتهم بأبواب الأمراء فيكثر الظلم؛ سُموا بالشرط لأنهم أعلموا (ميّزوا) أنفسهم بعلامات يُعرفون بها.

وثالث العلامات: “قطيعة الرحم”، والرحم هي الصلة التي تكون بين الشخص وغيره، والمراد بها هنا: الأقارب، ويطلق عليهم: أولو الأرحام؛ وقطع الرحم يكون بهجر هؤلاء ومقاطعتهم، أو إيذائهم، أو بعدم الإحسان إليهم.

ورابع العلامات: “بيع الحكم” بأخذ الرشوة عليه، والحكم لمن يدفع المال، وسمي بيعاً بالمعنى اللغوي، وهي معاملة شيء بشيء.

وخامس العلامات: الاستخفاف بالدم، وهو الاستهتار بحرمة الدماء، وعدم المبالاة بسفكه، وعدم القصاص من القاتل؛ كما حدث على أراضٍ إسلامية من سفك دماء ليل نهار في فلسطين، والعراق، ولبنان، وسوريا، واليمن، والسودان، وليبيا… إلى آخره من سفك دماء المسلمين.

وسادس العلامات: نشء يتخذون القرآن مزاميراً؛ أي يتغنون به ويتشدقون، ويأتون به بنغمات مطربة؛ والنشء هم الجيل من الشباب صغار السن، وخصهم بالذكر لأن غالب حسن الصوت وطراوته وتطريبه يقع فيهم؛ “يقدمون الرجل” في الصلاة، وفي مجالسهم، وفي أمورهم، “ليس بأفقههم ولا أعلمهم، ما يقدمونه إلا ليغنيهم” بالقرآن بحيث يخرج الحروف عن موضعها، ويزيد وينقص فيها لأجل الألحان؛ لأن غرضهم تلذذ الأسماع بتلك الألحان والأوضاع، مع أنه منهي عن تقديم غير الأفقه، وخاصة في الصلاة، وقد كثر ذلك في هذا الزمان، وانتهى الأمر إلى التباهي بإخراج ألفاظ القرآن عن وضعها.

وقيل: الأمر بالمبادرة بالأعمال لهذه الأمور؛ لأنها إذا حدثت عسر معها أعمال الخير، أو كان وقوعها سبباً لعدم قبول الأعمال، ولأنه يحال بين المرء وبين ما يريده من الخير عقوبة للعباد.

أول من يصنع الحاكم الطاغوتي نفسه الأمارة بالسوء، والتي تجعله يسير وراء هواه ويتخذه إلهاً ومعبوداً؛ قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 23].

فيزلُّ الحاكم على حكم العاطفة من غير تحكيم العقل أو الرجوع إلى شرع أو تقدير لعاقبة، فإذا ما تحدث تحدث عن هوى، وإذا ما قاتل قاتل عن عصبية ومصلحة؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76].

فهو في حكمه يرى نفسه أعقل الناس وأذكاهم وأرجحهم رأياً وأوفرهم عقلاً، فلا يصلح للحكم غيره؛ فهو المعصوم الذي لا يخطئ والمصان الذي لا يهان، وعلى الناس ألا ترى إلا بعينه ولا تسمع إلا بأذنه، كما قال فرعون لقومه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29].

بل يرى نفسه أفضل من أبي بكر -رضي الله عنه- الذي حينما تولى الخلافة خطب في الناس قائلاً: “أمّا بعدُ أيّها الناسُ، فإنّي قد وُلّيتُ عليكُم ولستُ بخيرِكُم، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأتُ فقوّموني؛ الصّدقُ أمانةٌ والكذبُ خيانةٌ، والضعيفُ فيكُم قويٌّ عندي حتّى أريحَ عليهِ حقّهُ إن شاءَ اللهُ، والقويُّ فيكُم ضعيفٌ عندي حتّى آخذَ الحقَّ منهُ إن شاءَ اللهُ؛ لا يدعُ قومٌ الجهادَ في سبيلِ اللهِ إلا ضربَهُمُ اللهُ بالذلِّ، ولا تشيعُ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ إلا عمّهُمُ اللهُ بالبلاءِ؛ أطيعوني ما أطعتُ اللهَ ورسولَهُ، فإذا عصيتُ اللهَ ورسولَهُ فلا طاعةَ لي عليكُم. قوموا إلى صلاتِكُم يرحمكُمُ اللهُ” [السهيلي: الروض الأنف 4/450].

وأفضل من عمر -رضي الله عنه- الذي وهو على المنبر يخضع لأمر الله تعالى، ويقول للمسلمين أمامه: “إذا رأيتم مني اعوجاجاً فقوّموني”، ولا يغضب حينما قال له رجل: (يا أمير المؤمنين) -ويشهر سيفه في المسجد-: “والله لو رأينا منك اعوجاجاً لقوّمناك بسيوفنا هذه”، فيقول: “الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقوّمه بسيفه لو انحرف”.

قال أبو يوسف في كتابه (الخراج ص19): رُوي عن الحسن البصري أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب: “اتقِ الله يا عمر” وأكثر عليه، فقال له قائل: “اسكت فقد أكثرت على أمير المؤمنين”، فقال له عمر: “دعه؛ لا خير فيهم إن لم يقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبل”.

وأوفى عقلاً من عمر بن عبد العزيز الذي قال عنه شيبة بن مساور: سمعت عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- يحدث زمان استُخلف وجلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: “أما بعد أيها الناس، فإن الله عز وجل لم يرسل رسولاً بعد رسولكم، ولم ينزل بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاباً، فما أحل الله على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم الله على لسان رسوله فهو حرام إلى يوم القيامة؛ ألا وإني لست بمبتدع ولكني متبع، ولست بقاضٍ ولكني منفذ، ولست بخير من واحد منكم ولكني أثقلكم حملاً؛ ألا وإنه ليس لأحد أن يُطاع في معاصي الله؛ ألا هل أسمعت؟ ألا هل أسمعت؟” [السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 215].

وهذا ما يصوره له خياله المريض، فيظن أنه الزعيم الملهم والقائد الموحى إليه، فيصاب بعد ذلك بمرض جنون العظمة، الذي يحوله من حاكم إلى طاغوت، فيتكبر ويتجبر ويتعالى على الحق؛ قام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان يخطب من على المحراب في الناس قائلاً: “والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه”. [فوات الوفيات لابن شاكر 2/404].

زر الذهاب إلى الأعلى