أخباردين

دكتور ياسر جعفر يكتب: من رأى منكم منكرًا فليغيره!

المنكر: (مصطلحات).. ما أنكره الشرع ونهى عنه {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}.

المنكر: ما أنكره الشرع في كل شيء؛ أي شيء مخالف للشرع فهو منكر، ممكن يوجد في جميع الوزارات وجميع الأعمال الخاصة والعامة وعلى جميع الأصعدة، فيجب على كل إنسان في أي عمل وفي أي مكان رأى منكرًا لازم يتدخل بتغييره بالنصيحة، فهذا واجب على كل فرد في المجتمع؛ لأن انتشار المنكر يساعد على انتشار الفساد، وإذا انتشر الفساد دمر المجتمع بل دمر دولًا بأكملها، ولذلك نهى عنه الشرع لأنه مثل خلايا السرطان التي تنتشر في الأعضاء لهلاك الجسم.

المنكر فيروس وبائي مدمر قاتل للحقوق، تجد المنكر استشرى في أنحاء المصالح والناس ماتت ضمائرهم تجد المنكر، والمنكر حذر الشرع منه لأنه فساد مدمر؛ ففي الحديث: أبو بكر الصديق: (عن أبي بكرٍ الصديقِ رضي الله عنه أنه خطب على منبرِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: أيُّها الناسُ إنكم تقرءون هذه الآيةَ وتضعونها في غيرِ موضعِها، وإني سمعتُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: إن الناسَ إذا رأوا المنكرَ فلم يغيروه أوشك أن يعمَّهم اللهُ بعقابٍ منه).

الأمْرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المُنْكَرِ من أركان دِينِ الإسلامِ، وهو مِن أسبابِ خَيريَّةِ هذه الأُمَّةِ على غيرِها من الأُممِ، وترْكُه والتخلِّي عنه مِن أسبابِ العِقابِ العامِّ.

وهذا ما حذَّرَ منه الصِّدِّيقُ رضِي اللهُ عنه خليفةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، عندما خَطَب في الناسِ على مِنْبَرِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: “أيُّها الناسُ، إنَّكم تَقْرؤون هذه الآيةَ” -يعني قولَه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]- “وتضَعونها في غير مَوْضِعِهَا”؛ يعني: تَفْهَمون منها أنَّكم غيرُ مُطالَبين بالأَمْرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المُنْكَرِ، وأنَّ عليكم السَّعيَ في إصلاحِ النَّفْسِ فقط، وليس كذلك؛ فَقَدْ قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: “إنَّ الناسَ إذا رأَوُا المُنْكَرَ فلم يُغيِّروه” -وكانوا قادِرينَ على تغْيِيره- “أَوْشَكَ أنْ يَعُمَّهم اللهُ بعِقَاب منه”؛ أي: يُعذِّبهم اللهُ جميعًا؛ يَستوي في ذلك الفاعلُ للمُنْكِر والسَّاكتُ عنه؛ لأنَّ سُكُوتَهم وتَرْكَهم له رِضًا به، وسببٌ في انتشارِه أيضًا.

وجَاء في تفْسيرِ هذِه الآيةِ أنَّ المقصودَ منها هو أنْ يُلزَمَ المرءُ إصلاحَ نفْسِهِ في آخِرِ الزَّمانِ عند فَسادِ الناسِ، كما في سُنن الترمذيِّ وغيرِه: عن أبي أُميَّةَ الشَّعْبانيِّ، قال: “سألْتُ أبا ثَعْلبةَ الخُشَنيَّ رضِي اللهُ عنه قال: قُلْتُ: «يا أبا ثَعْلبةَ، كيف تقولُ في هذه الآيةِ: {عَلَيْكُم أَنْفُسَكُم}؟ [المائدة: 105]» قال: أَمَا واللهِ لقَدْ سألْتَ عنها خبيرًا؛ سألْتُ عنها رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: «ائتَمِروا بالمعْروفِ، وانْتَهُوا عن المُنْكَرِ، حتى إذا رأَيْتُم شُحًّا مُطَاعًا، وهوًى مُتَّبَعًا، ودُنيا مُؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذِي رأْيٍ برأْيِه، فعليكَ بنَفْسِكَ، ودَعْ عَنْكَ العَوَامَّ؛ فإن من ورائِكم أيامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فيهنَّ مثلُ القَبْضِ على الجمر، للعاملِ فيهنَّ مثلُ أجْرِ خمسينَ رَجُلًا يعملونَ مِثلَ عَمِلكُم»”.

فعَلَى المؤمنِ الحقِّ أنْ يقومَ بالأمرِ والنهيِ على الوجهِ المشروعِ مِن العِلمِ والرفقِ والصَّبرِ وحُسنِ القَصدِ وسُلوكِ السبيلِ القَصدِ؛ فإنَّ ذلك داخلٌ في قولِه: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} وفي قولِه: {إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}. وعليه أيضًا الإقبالُ على مَصلحةِ نفْسِه عِلمًا وعَملًا، والإعراضُ عمَّا لا يَعنيه.

وفي الحديثِ: التحذيرُ والترهيبُ من ترْكِ الأَمْرِ بالمعْروفِ والنَّهيِ عن المُنْكَرِ.

وفيه: إرشادُ الأئمَّةِ والعُلَماءِ للعامَّةِ، وإفهامُهُمْ النُّصوصَ على الوجْهِ الصَّحيحِ لها.

وفي الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري: (أَوَّلُ مَن بَدَأَ بالخُطْبَةِ يَومَ العِيدِ قَبْلَ الصَّلاةِ مَرْوانُ. فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ، فقالَ: الصَّلاةُ قَبْلَ الخُطْبَةِ، فقالَ: قدْ تُرِكَ ما هُنالِكَ، فقالَ أبو سَعِيدٍ: أمَّا هذا فقَدْ قَضَى ما عليه سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: «مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلكَ أضْعَفُ الإيمانِ»). [صحيح مسلم].

فالدعوة إلى الله -عز وجل- هي الوظيفة الأكمل، والمهمة العظمى لكل الناس حتى يحذوا حذو الأنبياء، وقد خُصَّت هذه الأمة بهذه الفضيلة؛ قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]، فكأن الله جَعَلَ خَيْرِيَّة الأمة لكونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

والناظر في حال الأمة الآن يضرب كفًّا بكفٍّ؛ فلقد أصبح شعار الناس في هذه الآونة: “هذا ليس من شأني فلا أنشغل به”، الكل يقول: “أنا مالي”، وهذا الذي ضيَّع الأمة؛ وأخرج ابن ماجه، عن عبيد الله بن جرير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من قوم يُعمَل فيهم بالمعاصي، ثم يقدروا على أن يُغيِّروا ولا يغيروا، إلا أوشك أن يعمَّهم الله بعقاب».

(النصيحة)

النصيحة هي أساس الدين؛ فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث تميم الداري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة»، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

ولقد كرر الرسول -صلى الله عليه وسلم- كلمة النصيحة؛ اهتمامًا بالمقام، وإرشادًا للأمة أن يعلموا أن الدين هو النصيحة؛ وهي القيام التام بهذه الحقوق الخمسة.

قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]؛ قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: “يقول تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ أي: مُنتصبة للقيام بأمر الله تعالى في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾”.

أَرسَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقّ، وَجَعَلَهُ خَاتَمَ رُسُلِهِ وَأَنبِيَائِه، وَتَكَفَّلَ بِحِفظِ دِينِهِ وَكِتَابِه، وَلِأَجلِ ذَلِكَ أَبقَى فِي أُمَّةِ الإِسلَامِ طَائِفَةً بِهِم يَبقَى نُورُ الحَقِّ ظَاهِرًا مَنشُورًا، وَعَلَمُ الهُدَى شَامِخًا مَشهُورًا، كَمَا قَالَ ﷺ: «لَاَ يَزَالُ مِن أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمرِ اللَّه، مَا يَضُرُّهُم مَن كَذَّبَهُم وَلَاَ مَن خَالَفَهُم، حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللهِ وَهُم عَلَى ذَلِك». [مُتَّفَقٌ عَلَيه].

إنَّ الأَمرَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيَ عَنِ المُنكَرِ أَصلٌ عَظِيمٌ مِن أُصُولِ الإِسلَام، وَشَعِيرَةٌ جَلِيلَةٌ مِن شَعَائِرِهِ العِظَام، وَهُوَ مِن أَوجَبِ الأَعمَالِ وَأَجَلِّهَا، وَأَحسَنِهَا وَأَفضَلِهَا؛ وَهُوَ مِن أَعظَمِ أَسبَابِ النَّصرِ وَالتَّمكِين، بِهِ تُحمَى حَوزَةُ الدِّين، وَتَقُومُ الحُجَّةُ عَلَى المُخَالِفِين، وَهُوَ الأَمَانُ مِن العَذَابِ وَالِاندِثَار، وَبِهِ تُدْرَأُ كَثِيرٌ مِن الشُّرُورِ وَالأَخطَار.

إِنَّ الأَمرَ بِالمَعرُوفِ وَالنّهيَ عَن المُنكَرِ مِن أَهَمِّ المُهِمَّات، وَأَعظَمِ الوَاجِبَات، وَهُوَ وَظِيفَةُ كُلِّ مُسلِم؛ لَيسَ خَاصًّا بِرِجَالِ الحِسبَة، أَو الهَيئَاتِ الخَاصَّة، أَو الشُّيُوخِ وَالعُلَمَاء، بَل كُلُّ فَردٍ مِن المُسلِمِينَ مُطَالَبٌ بِهِ عَلَى حَسبِ قُدرَتِه، وَيَتَأَكَّدُ الأَمرُ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيُ عَن المُنكَرِ حِينَ يَعُمُّ الفَسَادُ وَيَكثُر، وَحِينَ يَقِلُّ القَائِمُونَ بِه.

الأَمرُ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ مِن خَصَائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ المُبَارَكَة، وَمِن أَعظَمِ أَسبَابِ خَيرِيَّتِهَا؛ قَالَ تَعَالَى: {كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِاللهِ}. وَهُوَ صِفَةُ خَيرِ الرُّسُلِ مُحَمّدِ بنِ عَبدِ اللهِ ﷺ، كَمَا وَصَفَهُ رَبُّهُ بِهِ فَقَال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكتُوبًا عِندَهُم فِي التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأمُرُهُم بِالمَعرُوفِ وَيَنهَاهُم عَنِ المُنكَرِ}، وَهُوَ وَصفُ أَتبَاعِهِ المُؤمِنِين، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَاتُ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ يَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

وَالمُتَصَدِّرُونَ لَهُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ هُم أَهلُ الفَلَاحِ الأَكمَل، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلْتَكُن مِنكُم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيرِ وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ}.

زر الذهاب إلى الأعلى