دكتور ياسر جعفر يكتب: الدُّنيا سجنُ المؤمنِ وجنَّةُ الكافرِ

هل هذا حكمٌ أم مقولةٌ من السلف الصالح؟!.. لا، هذا كلام رسول الإنسانية -صلى الله عليه وسلم- ليعلم البشرية جمعاء أن هناك صنفين من البشر: صنفٌ يتقي الله ويحافظ على حدود الله، ويتبع ما أنزل الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- ويتبع سنة الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وهذا الصنف يتحرى الحلال والحرام، وفي ظل هذه الفتن وفتنة الدنيا يكون هذا الصنف في “سجن” بسبب أنه يرى ملذات الدنيا وما يقدر أن يتلذذ بها بسبب ضيق العيش؛ وصنفٌ آخر يعرض عن حدود الله ويدخل في كل شيء: أكل أموال الناس بالباطل، في غسيل أموال، في قمار، في رشاوي، “يرتع” في المحرمات ولذلك تكون أمامه فرص الملذات كثيرة ومتاحة، وللأسف الأغلبية من البشر من هذا الصنف الذي مات ضميره وقلبه وفقد جميع حواس الإنسانية… إلخ من المحرمات.
في الحديث الذي رواه أبو هريرة: (الدُّنيا سجنُ المؤمنِ وجنَّةُ الكافرِ) “صحيح الترمذي”.
الدُّنيا للمؤمن دارُ بلاءٍ وابتلاءٍ، يصبر فيها على الفتن، ويتحكم في شهواتها مقيداً نفسه عن لهوها إرضاءً لله تعالى.
وفي هذا الحديث يبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الدنيا سجن المؤمن؛ فكل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة، يسجن نفسه عن الملاذ ويأخذها بالشدائد، مكلف بفعل الطاعات الشاقة، يحبس نفسه من كل شيء لا يبيحه له الإسلام، والإيمان قيده في ذلك الحبس، فلا يقدر على حركة ولا سكون إلا أن يفسح له الشرع، فيفك قيده ويمكنه من الفعل أو الترك، مع ما هو فيه من توالي أنواع البلايا والمحن والهموم، ثم هو في هذا السجن على غاية الخوف والوجل؛ إذ لا يدري بماذا يختم له من عمل؟ ولولا أنه يرتجي الخلاص من هذا السجن لهلك مكانه، لكن الله -سبحانه- لطف به، فهون عليه ذلك كله بما وعد على صبره، وبما كشف له من حميد عاقبة أمره، فإذا مات انقلب إلى ما أعد الله تعالى له من النعيم الدائم والراحة الخالصة من النقصان.
وأمَّا الكافرُ فليسَ عليه قيودُ الإيمانِ، فهو آمِنٌ من تلك المخاوفِ، مُقبِلٌ على لذَّاتِه، مُنهمِكٌ في شهواتِه، يأكلُ ويستمتعُ كما تأكلُ الأنعامُ، وله من الدنيا مع تكديرها بالمنغصاتِ، فإذا ماتَ صارَ إلى العذابِ الدائمِ وشقاءِ الأبدِ.
وفي الحديثِ: مواساةُ أهلِ البلاءِ بأنَّ الدنيا سجنُ المؤمنِ.
والمتأمل -أيها الإخوة- في كون الدنيا سجنًا يقف على حقائق من نور تضيء له طريقه في سيره إلى الله تعالى؛ فمن أهم أسباب شعور العبد بأنه مسجون في الدنيا أن من عرف الله تعالى بكماله وجلاله وجماله ضاقت عليه الدنيا بسعتها شوقاً إلى ربه، ومن أجل ذلك اختار النبي -صلى الله عليه وسلم- الخروج من هذا السجن؛ فعن عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: “شَخَصَ بَصَرُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ قَالَ: «فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى ثَلَاثًا»” [البخاري: 3669].
ويفسر لنا هذا الحديث حديث آخر صريح في رغبة النبي -صلى الله عليه وسلم- في القرب من الله وترك الدنيا، وأنها كالسجن يحجب أرواح الصالحين عن القرب من حياض القدس في جنات ونهر، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ»، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: “فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا”. فَعَجِبْنَا لَهُ، وَقَالَ النَّاسُ: “انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا”، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ. [البخاري: 3904].
فها هو -صلى الله عليه وسلم- تُعرض عليه الدنيا وزهرتها، وهو يهرب منها ويفر إلى الله تعالى، ولسان حاله -صلى الله عليه وسلم-: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: 84].
إن من عرف الله -عزَّ وجلَّ- قرت عينه بالله، وقرت عينه بالموت، وقرت به كل عين، وصفا له العيش، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف كل مخلوق. ومن عرف الله -تبارك وتعالى- لم يبقَ له رغبة فيما سواه، ومن عرف الله أحبه على قدر معرفته به، وتلذذ بذكره وعبادته، وخافه ورجاه، وتوكل عليه وأناب إليه، ولهج بذكره، واشتاق إلى لقائه، واستحيا منه، وأجله وعظمه على قدر معرفته به؛ فعن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة».
واستمع يا من أحببت الدنيا وزينتها -وكلنا ذلك الرجل-، يا من ركنت إليها، وقاتلت من أجلها، واهتممت بالمناصب والسيادة، والكراسي والرياسة، استمع لهذا الحديث الذي يرويه أبو هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا بن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط» [صحيح مسلم: 2807]. فتخيل لذات الدنيا كلها تضيع بغمسة في جهنم، وتخيل تعب الصالحين في ذات الله -سبحانه- وعظيم تضحياتهم ينسى بغمسة في الجنة؛ فأين أنت من هؤلاء؟ .
إن السجن معروف بحصاره وانغلاقه وحدوده الضيقة؛ فالمسجون مقيد الحركة، محاصر بين حدود معينة، لا يسمح له بالتحرك خارجها، وليس له من الأمر شيء، وإنما أمره كله مرهون بأمر من أمر بوضعه في ذلك السجن.
والمسجون لا بد وأن يتعرض للتضييق والأذى النفسي والحسي، والمادي والمعنوي، وربما يتعداه الأذى إلى غيره من أهله وأقربائه بسببه، ويبتلون تبعاً لابتلائه. كما أن السجين يعيش في حالة من الكرب والتكبيل والحال الصعب الثقيل، ويتمنى ذلك اليوم الذي يخرج فيه من السجن، حتى ينعم بحياة يسعد فيها ويتنعم بها.
بهذا المفهوم، يُرى المؤمن في الحياة الدنيا وكأنه سجين، مُقيّد بالأوامر والنواهي الإلهية، والحلال والحرام، والخير والشر. عندما يفكر المؤمن في ارتكاب الشر أو الانغماس في الملذات، يتذكر أنه غير مطلق الحرية في الدنيا، وأن أمره بيد الله. لذلك، عندما يعلم أن شيئًا ما محرم، يتوقف عنه امتثالاً لأمر الله.




