رُبَّ صائِمٍ حَظُّهُ من صِيامِهِ الجوعُ والعَطَشُ

بقلم: د. ياسر جعفر

احترام شهر رمضان الكريم أن يكون الصيام ليس في الأكل والشراب فحسب، ولكن ينبغي أن يكون الصيام عن اللغو، وعن الغيبة والنميمة والرشوة، وأكل أموال الناس بالباطل، وصيانة الجوارح عن الحرام. وينبغي أن يُطبَّق ذلك فيما بعد شهر رمضان الكريم في جميع حياتنا اليومية، وفي جميع المعاملات على جميع الأصعدة؛ لكي نكون سادة الأمم.
وفي رواية صحيح ابن ماجه: (ربَّ صائمٍ ليسَ لَه من صيامِه إلَّا الجوعُ، وربَّ قائمٍ ليسَ لَه من قيامِه إلَّا السَّهرُ). “صحيح ابن ماجه”.
ينبغي للمسلم أن يؤدي العبادات على وجه التمام والإحسان؛ حتى يفوز بالأجر والثواب، وقد تخالط العباداتِ أعمالٌ تنقص من أجرها أو تبطلها.
وفي هذا الحديث يخبر أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “رُبَّ صائمٍ ليس له مِن صِيامِه إلَّا الجوعُ”، وهذا محمول على من صام ولم يخلص النية، أو لم يتجنب قول الزور والكذب والبهتان والغيبة ونحوها من المناهي؛ فيحصل له الجوع والعطش، ولا يحصل له الثواب، أو هو الذي يفطر على الحرام ولا يحفظ جوارحه عن الآثام.
“ورُبَّ قائمٍ”، أي: متهجد بالصلاة في الليل، “ليس له مِن قيامِه إلَّا السَّهرُ”؛ وذلك لسوء نيته، أو غصب منزل صلاته، أو نحو ذلك. وجعلُ النبي -صلى الله عليه وسلم- الجوع والعطش والتعب والسهر حظه من عمله كالتهكم؛ كأنهما أجره ومطلوبه.
وفيه زجر عن إتعاب الإنسان بدنه وإجاعته وإعطاشه مع عمل لا أجر له فيه، والمراد به المبالغة، والنفي محمول على نفي الكمال، أو المراد به المرائي؛ فإنه ليس له ثواب أصلاً.
وفي الحديثِ: الحثُّ على إخلاصِ النِّيَّةِ لله تَعالَى في الأعمالِ، وتَرْكِ ما يُبْطِلُها.
والفائدة الأساسيَّة من الحديث أنَّ النبيَّ يلفِتُ الأنظارَ إلى وجوب الالتفات إلى جوهر العِبادة ورُوحها ومقاصدها، وعدم الاقتصار على مجرَّد القيام بهيئتها وصورتها؛ وذلك بإخلاصها لله -عزَّ وجلَّ- وحضور القلب فيها، والحرص على التحقُّق بمعانيها، وتحقيق أهدافها ومقاصدها.
كما ينبِّه ويحذِّرُ من كون بعض الصائمين -و”كم” في الرِّواية الثالثة تفيد الكَثْرة- يَحْسبون أنفسهم أنَّهم يصومون، وفي الحقيقة هم يُتعبون أنفسهم بالجوع والعطَش، ويفوتهم الثَّواب، ولا يستفيدون من مقاصد الصيام؛ إمَّا لأنَّهم يَخْلطون طاعتهم بالآثام التي تفوِّت ثواب العبادة فلا يستفيدون منها، وإمَّا لأنهم لا يؤدُّونها إيمانًا واحتسابًا، بل يفعلونها متابعةً وتقليدًا، فتُؤدَّى منهم صورةً، ولا يعيشونها حقيقةً.
الصيام وسيلة لحصول التقوى؛ لقوله تعالى: “لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”. فمن صام الصيام الشرعي وحفظ جوارحه من خدش الصيام، وأدرك معاني الصوم؛ فقد عاش التقوى وتحققت له.
فالتقوى بمعناها العام أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، ولا يكون هذا إلا باتباع أوامره واجتناب نواهيه. والمسلم الصائم متبع لأمر الله له بالصوم، ومجتنب لنهي الله له عن المفطرات بأنواعها؛ فإذا كان ذلك بنية صالحة وعلى منهاج النبوة أفلح بتقواه لله.
رمضان مدرسة للاختبار، حيث يمسك الصائم عن الأكل والشرب والشهوة، وهذا اختبار من الله للعبد بصبره وبعبادته وتركه ما نهاه الله عنه لوجهه سبحانه، وتحمله الأوامر وقيامه بها. فرمضان اختبار للإيمان وللنية وللصبر، وبمعنى أعم: اختبار لحقيقة إسلامه واستسلامه لله؛ لأن الحياة بالنسبة للمؤمن كلها اختبار، ولحظاتها مجاهدة بين نفسه الأمارة بالسوء وواعظ الله في قلب كل مؤمن. فمن وطن نفسه على اختبار الصيام، وأدرك أسراره، وذاق لذة النجاح فيه؛ عرف نتيجة الاختبار في باقي شؤون الحياة.
رمضان يورث محبة الله في قلب المؤمن؛ فإنه إذا رأى كرم ربه وجزيل عطاياه في رمضان زادت محبته سبحانه. والمحبة ركن في الإيمان وهي أساس الأعمال، فيقبل المؤمن على العمل محبًا له، متمسكًا به، متقنًا لأدائه. ففي رمضان يتكرم المولى بالمغفرة لمن صام ولمن قام وفطّر صائمًا، والحسنة تضاعف فيه ما لا تتضاعف في غيره، واختص الله بأجر الصائم دون غيره، وما ذاك إلا محض فضل منه سبحانه وتعالى.
رمضان مدرسة ليتعلم الناس فيها نفع الغير، وتقديم المساعدة لهم، والإحسان إليهم؛ ففي رمضان تكثر مشاريع الإفطار والصدقات والهدايا والهبات، ويتسابق الناس في البذل والعطاء، وهذا درس عملي ميداني للنفع مما هو مقصود للشرع؛ فإن الشرع يسعى أن يتعاون المؤمنون فيما بينهم، ويخدم بعضهم بعضًا، والمجتمع الإسلامي اليوم أحوج ما يكون لأن يتدرب أفراده على ذلك.
رمضان يربي في النفس التعلق بمولاها والرجوع إليه والالتجاء إليه وحده، فيدعو المسلم ربه، وربه يغفر له ويستجيب، فمن يغفر الذنوب إلا الله؟ فمن عرف ذلك وأدركه زاد تعلقه بربه.
والتعلق بالله أساس العقيدة؛ فمن تعلق به صرف له نذره، وخوفه، وعبادته، وذبحه، ودعاءه، وجميع أموره.
رمضان يربي في نفس المسلم إحسان الظن بربه؛ فمن تأمل أحاديث فضائل رمضان أحس بقرب المغفرة، ودنو الرحمة وسهولة إدراكها. وحسن الظن من مسائل العقيدة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظنَّ بربه”. وحسن الظن بالله يجعل المسلم يعمل بيقين وثبات، متفائلًا بدعوته ومستقبله، لا يجعل من الأوهام عقبات بينه وبين الخير، ولا يلتفت لخذلان المخذلين؛ فتح الله له الأمل وأمره بالتعلق به وحده، فلا يرده وهم، ولا يوقفه ظن من الظنون.



