دكتور ياسر جعفر يكتب: شهر رمضان والتمر

إذا ذُكر شهر رمضان يُذكر معه التمر، والتمر من الأغذية المفيدة لجميع أعضاء الجسم، ويستطيع الإنسان العيش على التمر والحليب. وللأسف هناك أشخاص على “النت” يقولون: “لا تزد عن تمرتين أو ثلاث”، وهذا كلام غير صحيح؛ فأي كلام بعد كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يُعتد به.
ففي الحديث الذي رواه سعد بن أبي وقاص: (مَنْ أكلَ سبْعَ تمْراتٍ مِمّا بين لابتَيْها حينَ يُصبِحُ، لمْ يَضرَّهُ ذلكَ اليومَ سُمٌّ حتى يُمسِيَ). “صحيح الجامع”.
وفي رواية: (مَن تَصَبَّحَ كُلَّ يَومٍ سَبْعَ تَمَراتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ في ذلكَ اليَومِ سُمٌّ ولا سِحْرٌ). “صحيح البخاري”.
وإذا شرب التمر بالحليب في وقت الإفطار فيخلص الجسم من جميع السموم؛ تضع سبع تمرات في لتر حليب مع سبع ورقات سدر (نبق) وقطعة قسط هندي، وتُنقع لمدة سبع ساعات، ويُشرب كوب كبير على الإفطار مع أكل السبع تمرات، وتذهب لتصلي المغرب في المسجد وبعدين تفطر، وتستمر عليها طول الشهر. يمحو جميع السموم من الجسم والأعضاء، ومطهر للدم، ويقضي على البكتيريا الضارة بالجهاز الهضمي، ويقوي العظام. ويُفضل بالتمر الناشف، وإذا استعملت الأسرة فيكون لكل فرد سبع تمرات، ولا يفطر إلا بعدها بساعة؛ وتمحو الحسد والسحر من الجسم والأعضاء.
وفي هذا الحديثِ تَوجيهٌ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للأخْذِ بالأسبابِ في حِفظِ النَّفسِ مِن شرِّ السُّمِّ والسِّحرِ؛ حيث يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ مَن أكَلَ في صَباحِ كُلِّ يَومٍ سَبْعَ تَمَراتٍ مِن التَّمرِ المَعروفِ بالعَجْوةِ على الرِّيقِ؛ لَم يَضُرَّهُ في ذلك اليَومِ شيْءٌ مِن المَوادِّ السَّامَّةِ التي قد تُسبِّبُ بأيِّ شكلٍ مِن الأشكالِ المرضَ أوِ الموتَ، إذا تَناوَلها أو استنْشَقَها الإنسانُ، أو تعرَّضَ لها عن طَريقِ الجِلدِ، أوِ العينِ، أو عن طَريقِ اللَّدَغاتِ.
وكذلك يحفَظُ من الموادِّ السِّحرِيَّةِ، والسِّحرُ: هو قِراءاتٌ وطَلاسِمُ يَتوصَّلُ بها السَّاحرُ إلى استخدامِ الشياطينِ فيما يُريدُ به ضَرَرَ المسحورِ؛ فمَن أكَلَ سبْعَ تَمَراتٍ في الصَّباحِ يَحفَظُه اللهُ -عزَّ وجلَّ- مِن جَميعِ الأشياءِ الضَّارَّةِ جِسميًّا أو نفسيًّا.
وتَخصيصُ عدَدِ السَّبعِ الواردِ في الحَديثِ منَ الأمورِ التي عَلِمَها الشارعُ ولا نَعلمُ نحن حِكمَتَها؛ فيَجِبُ الإيمانُ بها، واعتقادُ فضْلِها والحكمةِ فيها، وهذا كأعدادِ الصَّلواتِ، ونِصابِ الزكاةِ، وغيرِ ذلك. وقدِ اختَلَفَ العلماءُ في تَخصيصِ (نوعِ التمرِ): هل يَختَصُّ بتَمرِ العَجوةِ، أمْ يَندرِجُ تحتَ هذا الحديثِ أيُّ نوعٍ مِن أنواعِ التَّمرِ؟ فالنَّصُّ هنا على تمْرِ العَجْوةِ عامَّةً، لكِنْ جاء عند مُسلمٍ، عن سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ -رَضِيَ اللهُ عنه- أنَّ رَسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال: «مَن أكَلَ سَبعَ تَمَراتٍ ممَّا بيْن لابَتَيها حينَ يُصبِحُ، لم يَضُرَّه سُمٌّ حتَّى يُمسِيَ»، وظاهرُه خُصوصيَّةُ عَجْوةِ المدينةِ ببَركةِ دَعوةِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- لِتَمْرِ المدينةِ، لا لِخاصيَّةٍ في التَّمْرِ، وقيل بالعُمومِ في كلِّ العَجْوةِ.
وفي الحَديثِ: فَضْلُ العَجْوَةِ مِن التَّمرِ في مُقاوَمةِ السُّمومِ والسِّحْرِ.
وفي الحديث الذي روته عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- لابن أختها عروة: (ابْنَ أُخْتي، إنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إلى الهِلَالِ، ثُمَّ الهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أهِلَّةٍ في شَهْرَيْنِ؛ وما أُوقِدَتْ في أبْيَاتِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَارٌ، فَقُلتُ: يا خَالَةُ، ما كانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الأسْوَدَانِ: التَّمْرُ والمَاءُ، إلَّا أنَّه قدْ كانَ لِرَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جِيرَانٌ مِنَ الأنْصَارِ، كَانَتْ لهمْ مَنَائِحُ، وكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن ألْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَا). “صحيح البخاري”.
وفي الحديث الذي رواه عبد الله بن بسر: (نَزَلَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ علَى أَبِي، قالَ: فَقَرَّبْنَا إلَيْهِ طَعَامًا وَوَطْبَةً، فأكَلَ منها، ثُمَّ أُتِيَ بتَمْرٍ، فَكانَ يَأْكُلُهُ وَيُلْقِي النَّوَى بيْنَ إصْبَعَيْهِ، وَيَجْمَعُ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى، قالَ شُعْبَةُ: هو ظَنِّي، وَهو فيه -إنْ شَاءَ اللَّهُ- إلْقَاءُ النَّوَى بيْنَ الإصْبَعَيْنِ، ثُمَّ أُتِيَ بشَرَابٍ فَشَرِبَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذي عن يَمِينِهِ، قالَ: فَقالَ أَبِي وَأَخَذَ بلِجَامِ دَابَّتِهِ: ادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَقالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لهمْ في ما رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لهمْ وَارْحَمْهُمْ). “صحيح مسلم”.
وفي رواية أبي هريرة: (نِعمَ سحورُ المؤمنِ التَّمرُ). “صحيح أبي داود”.
التَّمْرُ له فوائدُ عِدَّةٌ، وفَضْلٌ عظيمٌ، وقد اهتمَّ به النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- ورغَّبَ فيه، وقامَتْ حياةُ الصَّحابةِ في المدينةِ عليه بشكلٍ كبيرٍ. وفي هذا الحَديثِ يَقولُ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: “نِعْمَ سَحورُ المؤمنِ التَّمْرُ”، أي: مِنْ خيرِ ما يَأكُلُ المؤمِنُ عِنْدَ وقتِ السَّحَرِ اسْتِعدادًا للصِّيامِ هو التَّمْرُ؛ وذلك لِمَا في هذا الوقتِ والتَّمْرِ من بَرَكةٍ يَستعينُ بهما الصَّائمُ على نهارِه. وفي الحَديثِ: الحثُّ على التَّسحُّرِ بالتَّمْرِ.
التمر غني بالفيتامينات والمعادن مثل الحديد والبوتاسيوم، بالإضافة إلى الألياف الغذائية التي تعزز من صحة الجهاز الهضمي. تناول سبع تمرات يوميًا يعمل على تحسين مستويات الطاقة، تقوية المناعة، وتنظيم وظائف الجهاز الهضمي.


