أخبارتقارير

عندما يرتدي الموت “البالطو الابيض”.. صرخة ضد “مافيا الوهم” وسيرك التريند الطبي!

متابعة: مروان محمد

لم يعد الموت في بلادنا يطرق الأبواب خفية، ولم يعد يحتاج إلى كفنٍ أبيض يُنسج في صمت؛ لقد صار الموت اليوم يرتدي “بالطو أبيض” ناصع البياض، ويجلس خلف كاميرا “رينج لايت” متطورة، ليطل علينا عبر الشاشات بابتسامة “هوليودية” زائفة، يبيع لنا الوهم في أكياس أعشاب، ويقدم لنا القتل العمد تحت مسمى “نظام الطيبات” و”الطب البديل”.

سيرك “البالطو” والبحث عن اللايك

نحن نعيش زمن “السيولة الطبية”، حيث تحول الطب من أقدس المهن الإنسانية إلى “سيرك” رقمي مفتوح. كل من يمتلك بضع مئات من الجنيهات لشراء بالطو طبي، وقدرة “تمثيلية” على رص المصطلحات، يصبح في ليلة وضحاها “علامة دهر” و”محيي عظام وهي رميم”.

بينما تحرق كبرى شركات الأدوية العالمية مليارات الدولارات في معامل الأبحاث، وتستنزف عقول آلاف العلماء لعقود من الزمن لابتكار حقنة “إنسولين” واحدة أو دواء يوقف زحف الخلايا السرطانية، يخرج علينا “نجم السوشيال ميديا” بكل وقاحة ليخبرنا أن كل هذا “مؤامرة”، وأن الحل يكمن في ملعقة كمون، أو في حرمان مريض السكري من دوائه ليعيش على “أوهام الطيبات”.

من “محرقة مريم” إلى “نظام الطيبات”.. مسلسل لا ينتهي

إن الذاكرة المصرية لا تزال تنزف بوجع واقعة الطفلة مريم (16 عاماً)، تلك الروح البريئة التي كانت ضحية لـ “دجل” جودة عواد.

مريم لم تقتلها غيبوبة السكر، بل قتلها “البالطو” الذي أفتى لأهلها بإلقاء الإنسولين في القمامة، واليوم، يتكرر المشهد بسيناريو أكثر حداثة مع د. ضياء العوضي وما يسمى بـ “نظام الطيبات”.

هذا النظام الذي لا يقل خطورة عن “وصفات الأعشاب”، يضرب بجذور العلم الأرض، ويصنع “ديناً طبياً” جديداً يتبعه المريدون كأنهم في “حضرة” صوفية، لا في عيادة طبية.

والسؤال المرير هنا: إلى متى ستظل أرواح المصريين “حقل تجارب” لكل من هب ودب من أجل حفنة من المشاهدات؟ .

هندسة التضليل.. من الذي شرعن وجودكم؟

هنا لابد أن نضع “الإعلام” أمام مرآة الحقيقة. تؤكد د. إيناس عبد العزيز (خبيرة الأمن الرقمي) أن هؤلاء “الدجالين الجدد” لم ينجحوا إلا لأننا سمحنا لهم باختراق “وعينا الجماعي”.

إن القنوات التي فتحت أبوابها لسنوات لهؤلاء المدعين بحجة “حرية الرأي” أو بحثاً عن “التريند الرخيص”، هي شريك أصيل في كل جنازة تخرج بسبب وصفة مضللة، لقد منحتموهم “صك الثقة” الذي ذبحوا به عقول البسطاء.

المواجهة الأمنية.. هل يكفي “إيقاف سنة”؟

يقول اللواء أشرف عبد العزيز (الخبير الأمني والاستراتيجي) بوضوح: “إن الأمن الصحي هو قلب الأمن القومي”، فكيف نرضى بعقوبات ‘هزيلة’ مثل إيقاف المزاولة لمدة عام؟ هل حياة مريم أو غيرها من الضحايا المجهولين تساوي سنة إجازة للطبيب يعود بعدها لممارسة هوايته في التضليل؟ .

أطالب، كما يطالب كل غيور على هذا الوطن، بوقفة حازمة، لابد من “مناظرة علنية”؛ لجان طبية وطنية تحاكم هؤلاء علمياً أمام الملايين، لنرى كيف تذوب أوهامهم أمام حقيقة العلم. لابد من تشريع يعتبر “التضليل الطبي المتعمد” الذي يؤدي لوفاة أو عجز مريض جناية “قتل عمد”، لا جنحة إهمال.

كلمة أخيرة.. الطب ليس “وجهة نظر”

يا سادة، الطب علم تجريبي، تراكمي، تحكمه معامل وجامعات وبروتوكولات دولية، وليس “خاطرة” يكتبها طبيب على “فيسبوك” وهو يحتسي قهوته. الطب ليس “وجهة نظر” تقبل الصواب والخطأ على جثثنا.

ارفعوا أيديكم عن أوجاعنا، كفوا عن المتاجرة بآلام المرضى. إن البالطو الأبيض أمانة، وليس “زياً تنكرياً” يرتديه الموت ليخدع الضحايا قبل ذبحهم.

لقد حان الوقت لنغلق “دكاكين الموت” الرقمية.. قبل أن يقتلنا “اللايك” القادم.

 

زر الذهاب إلى الأعلى