
العالم يحبس أنفاسه بين الدبلوماسية الماكرة والحشد العسكري الأكبر
بينما كانت أروقة الفنادق الفخمة في جنيف تشهد همسات دبلوماسية ناعمة وحديثاً متفائلاً عن انفراجة وشيكة، كانت مياه الخليج العربي وسماء المنطقة تزدحم بأعتى الآلات الحربية التي عرفها العصر الحديث.
هذا التناقض الصارخ ليس مجرد صدفة سياسية، بل هو جوهر الاستراتيجية التي تتبعها القوى العظمى في التعامل مع الملف الإيراني المعقد في بدايات عام 2026.
مفارقة جنيف: هل اقتربنا فعلاً من السلام؟
جاءت الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة بوساطة سلطنة عُمان لتعطي بصيص أمل في ليل التوتر الدامس. وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للمحادثات بأنها الأكثر جدية لم يأت من فراغ، بل يشير إلى أن الطرفين وصلا إلى نقاط تماس فنية تتجاوز الشعارات السياسية المعتادة.
الاتفاق على الانتقال إلى فيينا يوم الاثنين المقبل تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية يعني أن النقاش انتقل من “هل نتفق؟” إلى “كيف ننفذ؟”.
ومع ذلك، تظل تصريحات الرئيس بزشكيان حول سلمية البرنامج النووي مستندة إلى الفتوى الدينية، سلاحاً ذا حدين؛ فهي من جهة لطمأنة المجتمع الدولي، ومن جهة أخرى تؤكد أن طهران لن تتنازل عن حقها في التكنولوجيا النووية كمسألة سيادة وطنية، مما يجعل الهامش المناور للدبلوماسيين ضيقاً للغاية.
معضلة “المواقع الثلاثة”: لماذا تصر واشنطن على تفكيكها؟
في قلب العاصفة الدبلوماسية، تبرز ثلاثة أسماء تشكل العمود الفقري للقلق الأمريكي والإسرائيلي: ناتانز، وفوردو، وأصفهان. إن إصرار إدارة ترمب على “التفكيك الكامل” لهذه المنشآت بدلاً من مجرد تجميدها يعود لأسباب استراتيجية عميقة:
1. منشأة فوردو (الحصن المنيع): تقع في عمق جبل صخري قرب مدينة قم، وهي محمية ضد أقوى القنابل التقليدية “مخترقة التحصينات”.
واشنطن ترى أن وجود أجهزة طرد مركزي متطورة في مكان لا تطاله الغارات الجوية العادية يعني أن إيران تحتفظ بـ “تأمين” لمواصلة التخصيب مهما بلغت الضغوط، لذا فإن المطلب هو إغلاقها نهائياً.
2. مجمع ناتانز (قلب التخصيب): يضم آلاف أجهزة الطرد المركزي. تعتبره واشنطن “مصنع القنبلة” المحتمل، وتفكيكه يعني تقليص “زمن الاختراق” (المدة اللازمة لإنتاج وقود قنبلة واحدة) من أسابيع إلى سنوات، وهو ما تسعى واشنطن لانتزاعه في فيينا.
3. منشأة أصفهان (مركز تحويل الوقود): تلعب دوراً حيوياً في دورة الوقود النووي وإنتاج معدن اليورانيوم، وهو عنصر تقني لا يحتاجه البرنامج السلمي عادة، لكنه أساسي في صناعة الرؤوس النووية.
زلزال الطاقة: سيناريوهات أسعار النفط في مهب الريح
إن فشل مفاوضات فيينا والتحول نحو الخيار العسكري لن يبقى حبيس الجغرافيا الإيرانية، بل سيمتد ليضرب عصب الاقتصاد العالمي. يتوقع خبراء الطاقة أن أي احتكاك عسكري في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس استهلاك النفط العالمي، سيؤدي إلى قفزة جنونية في الأسعار قد تتجاوز 150 دولاراً للبرميل في غضون ساعات.
في السيناريو الأسوأ، إذا نفذت طهران تهديداتها بإغلاق الملاحة أو استهداف المنشآت النفطية في دول الجوار كرد فعل على الضربة الأمريكية، فإن الأسواق ستواجه “صدمة عرض” غير مسبوقة، مما يهدد بدخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود تضخمي تطيح بمعدلات النمو في أوروبا وآسيا.
هذا الضغط الاقتصادي هو ما يجعل من مفاوضات الاثنين المقبل ليست مجرد شأن سياسي، بل معركة بقاء لاستقرار الأسواق العالمية التي تترقب بحذر كل إشارة تصدر عن قاعة الاجتماعات.
استراتيجية حافة الهاوية: الحشد العسكري الأكبر
ما يميز هذه الأزمة عن سابقاتها هو حجم الوجود العسكري الأمريكي الذي يحيط بإيران كـ “كماشة”. إن نشر مقاتلات F-22 الشبحية في إسرائيل، وتواجد حاملتي طائرات عملاقتين مثل جيرالد فورد وأبراهام لينكولن مع 13 سفينة حربية، ليس مجرد إجراء احترازي.
هذا الحشد هو الأكبر منذ غزو العراق في 2003، ويهدف لتحقيق غرضين متلازمين: الأول هو “الردع الهجومي”، لإقناع طهران بأن تكلفة الرفض قد تكون ضربة شاملة، والثاني هو “تأمين الحلفاء” وشل أي رد فعل إيراني محتمل ضد القواعد الأمريكية أو إسرائيل في حال انفجار الموقف.
الخاتمة: مفترق طرق تاريخي
نحن الآن أمام مشهد سريالي؛ دبلوماسيون يتبادلون الأوراق الفنية في فيينا، وجنرالات يضعون اللمسات الأخيرة على خطط الهجوم والدفاع.
إن نجاح مفاوضات الاثنين المقبل يتوقف على مدى استعداد واشنطن لتخفيف مطالبها مقابل ضمانات تفتيش صارمة، ومدى قدرة طهران على تقديم تنازلات مؤلمة دون أن تبدو منكسرة.
المنطقة بأسرها تقف على رؤوس أصابعها، بانتظار ما ستسفر عنه مفاوضات فيينا. فإما اتفاق تاريخي ينهي عقوداً من العداء، أو انفجار عسكري قد يعيد رسم خارطة الشرق الأوسط بالدم والنار.