دين

دكتور ياسر جعفر يكتب: عيدُ الفطر وتواصُلُ الأرحام

انقضى شهرُ رمضان، وأقبل علينا عيدُ الفطر المبارك؛ عيدُ صِلةِ الأرحام، والتراحمِ بين الناس على مستوى الفرد، والأسرة، والمجتمع، بل وعلى مستوى الدول.

فعلى مستوى الفرد، ينبغي تجنّب الخصام والشحناء، وتطهير القلوب من الأحقاد. وعلى مستوى الأسرة والمجتمع، يكون التلاحم والتوادّ والتكافل. أمّا على مستوى الدول، وخاصة في ظلّ ما نعيشه من أزماتٍ وحروبٍ، فيجب على الدول العربية والإسلامية أن تتجنّب الفرقة والنزاع، وأن تتوحّد كالجسد الواحد.

فقد قال النبي ﷺ فيما رواه النعمان بن بشير -رضي الله عنه-: «تَرى المؤمنين في تَراحُمِهم وتَوادِّهم وتَعاطُفِهم كمثلِ الجسد، إذا اشتكى منه عضوًا تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمّى» (رواه البخاري).

إنه تصويرٌ بليغٌ لوحدة الأمة؛ حيث يشعر المسلم بآلام أخيه، ويسعى لنجدة الملهوف، وإغاثة المحتاج، ومواساة المنكوب، كما يتداعى الجسد كلّه لألم عضوٍ واحد.

يا أمة الإسلام، كونوا جسدًا واحدًا، واتحدوا في وجه الفتن والتحديات، وتمسّكوا بأواصر الأخوة؛ فإن الإسلام قد حثّ على المؤاخاة والألفة، وجعل المؤمنين كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضًا، لتقوى وحدتهم، وتتوحّد كلمتهم.

فالتراحم والتعاضد دعوةٌ إيمانيةٌ وإنسانيةٌ وأخلاقية، تشمل القريب والبعيد، والصغير والكبير، قائمةٌ على العدل والإنصاف، ونصرة المظلوم، وردع الظالم.

وقد ضرب الصحابة -رضي الله عنهم- أروع الأمثلة في ذلك؛ فعندما رأوا فاقةَ قوم مُضَر، بادروا إلى التصدّق عليهم، فتهلّل وجه النبي ﷺ فرحًا بذلك (كما في صحيح مسلم). وقال ﷺ: «الرَّاحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (رواه أبو داود والترمذي).

وفي أوقات الشدائد والمحن، يظهر خُلُق التراحم جليًا، حين يسارع المسلمون إلى إغاثة المنكوبين، ومساعدة المحتاجين، امتثالًا لأمر الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: 11]. وقال ﷺ: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته…» (متفق عليه).

ومن أعظم صور التراحم في هذا العيد: صلةُ الأرحام، وبرُّ الوالدين، والتواصلُ بين الأبناء وآبائهم، ونبذُ القطيعة والعقوق. فاحذر – أيها الإنسان – من الخصام مع والديك؛ فإن برّهما من أعظم القُربات. وفي الحديث عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، قال النبي ﷺ: «إنَّ خيرَ التابعين رجلٌ يُقال له أُوَيس، وله والدةٌ هو بها بَرٌّ، لو أقسم على الله لأبرّه…» (رواه مسلم).

فلنجعل من عيد الفطر بدايةً جديدةً لصفاء القلوب، وصلة الأرحام، ووحدة الصف، ولتكن أمتنا كما أراد الله لها: أمةً متراحمةً متماسكةً، كالجسد الواحد.
كل عام وأنتم بخير، وتقبّل الله منا ومنكم صالح الأعمال.

زر الذهاب إلى الأعلى