دكتور ياسر جعفر يكتب: سبب عقاب الأمة؟!

عقاب الله إذا نزل على العباد يكون بسبب المعاصي والذنوب، وفيه عقاب من الله يعمهم به بسبب عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وللأسف الأمة أعرضت عن هذا الأمر ولذلك عمهم العقاب؛ أصبحت الأمة نسبة النفاق فيها كبيرة وأيضًا نسبة الرياء، ولذلك أصبحت أمة منكوبة بالعذاب؛ لأنها أعرضت عن أفضل مفاتيح الخيرات وهو “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.
ففي الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- أنه خطب على منبر رسول الله ﷺ فقال: «أيُّها الناسُ إنكم تقرءون هذه الآيةَ وتضعونها في غيرِ موضعِها، وإني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: إن الناسَ إذا رأوا المنكرَ فلم يغيروه أوشك أن يعمَّهم اللهُ بعقابٍ منه».
الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ من أركانِ دينِ الإسلامِ، وهو من أسبابِ خيريَّةِ هذه الأمةِ على غيرِها من الأممِ، وتركُه والتخلي عنه من أسبابِ العقابِ العامِّ. وهذا ما حذَّر منه الصديقُ -رضي الله عنه- خليفةُ رسولِ اللهِ ﷺ، عندما خطب في الناسِ على منبرِ رسولِ اللهِ ﷺ فقال: «أيُّها الناسُ، إنكم تقرءون هذه الآيةَ» -يعني قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]- «وتضعونها في غيرِ موضعِها»؛ يعني: تفهمون منها أنكم غيرُ مطالبين بالأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، وأنَّ عليكم السعيَ في إصلاحِ النفسِ فقط، وليس كذلك؛ فقد قال رسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ الناسَ إذا رأوا المنكرَ فلم يغيروه» -وكانوا قادرين على تغييره- «أوشك أن يعمَّهم اللهُ بعقابٍ منه»، أي: يعذبهم اللهُ جميعًا؛ يستوي في ذلك الفاعلُ للمنكرِ والساكتُ عنه؛ لأنَّ سكوتَهم وتركَهم له رِضًا به، وسببٌ في انتشارِه أيضًا.
وجاء في تفسير هذه الآية أنَّ المقصود منها هو أن يلزم المرء إصلاح نفسه في آخر الزمان عند فساد الناس، كما في سنن الترمذي وغيره عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- قال: قلت: «يا أبا ثعلبة، كيف تقول في هذه الآية: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}؟ [المائدة: 105]، قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا؛ سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: ائتمروا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحًّا مطاعًا، وهوىً متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك العوام؛ فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهنَّ مثل القبض على الجمر، للعامل فيهنَّ مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم».
فعلى المؤمن الحق أن يقوم بالأمر والنهي على الوجه المشروع من العلم والرفق والصبر وحسن القصد وسلوك السبيل القصد؛ فإن ذلك داخل في قوله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} وفي قوله: {إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}. وعليه أيضًا الإقبال على مصلحة نفسه علمًا وعملًا والإعراض عما لا يعنيه.
وفي الحديث: التحذير والترهيب من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه إرشاد الأئمة والعلماء للعامة وإفهامهم النصوص على الوجه الصحيح لها.
أصبح النفاق والرياء في الأمة ظاهرة منتشرة، وآفة خبيثة، وفيروسًا فتاكًا، وأصبحت أمة ضعيفة استهزأ بها أعداؤها. وفي الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري: «أوَّلُ مَن بَدَأ بالخُطبةِ يَومَ العيدِ قَبلَ الصَّلاةِ مَروانُ. فقامَ إليه رَجُلٌ، فقال: الصَّلاةُ قَبلَ الخُطبةِ، فقال: قد تُرِك ما هُنالِك، فقال أبو سَعيدٍ: أمَّا هذا فقد قَضى ما عليه، سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: مَن رَأى مِنكُم مُنكَرًا فليُغَيِّرْه بيَدِه، فإن لَم يَستَطِعْ فبِلِسانِه، فإن لَم يَستَطِعْ فبِقَلبِه، وذلك أضعَفُ الإيمانِ» (صحيح مسلم).
فالدعوة إلى الله -عز وجل- هي الوظيفة الأكمل، والمهمة العظمى لكل الناس حتى يحذوا حذو الأنبياء، وقد خُصَّت هذه الأمة بهذه الفضيلة؛ قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]، فكأن الله جَعَلَ خَيْرِيَّة الأمة لكونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.




