

من القائل: “من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل”؟ إنه لرسول الإنسانية، إنه لرسول الرحمة، إنه لرسول الخُلق. رسالة من محمد بن عبد الله -صلوات ربي وسلامه عليه- للإنسانية؛ كل إنسان عنده استطاعة أن يفعل خيرًا أو مساعدة من أنواع المساعدات الخيرية فليفعل ولا يتأخر، في جميع المجالات وعلى جميع الأصعدة، في الشركات الخاصة والعامة وفي جميع الوزارات.
احذر أنك تقول: “يلا نفسي”، احذر أنك تقول: “خلي الخدمة دي لابني أو لابن اختي أو لابن أخي” كما يحدث في هذه الأيام؛ تُقصر الخدمات على الأقارب والأهل، ابن فلان يبقى مع أبوه في نفس الوظيفة في جميع الأعمال، هذا ضلال وظلام دامس الناس عايشة فيه، لماذا لا تساعد كل محتاج؟!
نحن أمة رسول الإنسانية -صلى الله عليه وسلم- خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ليه كل واحد يقول: “يلا نفسي”! ليه ابن فلان هو الذي يدخل في المكان المناسب وابنه غير مناسب وفيه أفضل منه مناسب؟
من أراد أن ينفع الناس فليفعل، وكثير من البشر في المقدرة مساعدة الناس ويتجنبون مساعدتهم ويعرضون عنها، هذا ليس في الدين الإسلامي العظيم، دين العدل والإنسانية والرحمة.
ومناسبة قول الرسول: “من أراد أن ينفع الناس فليفعل” ففي الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله: (نَهَى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عَنِ الرُّقَى، فَجَاءَ آلُ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فَقالوا: يا رَسولَ اللهِ، إنَّه كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بهَا مِنَ العَقْرَبِ، وإنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، قالَ: فَعَرَضُوهَا عليه، فَقالَ: ما أَرَى بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنكُم أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ). [صحيح مسلم]
وفي رواية: (أَرْخَصَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ في رُقْيَةِ الحَيَّةِ لِبَنِي عَمْرٍو. قالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: وَسَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: لَدَغَتْ رَجُلًا مِنَّا عَقْرَبٌ وَنَحْنُ جُلُوسٌ مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللهِ، أَرْقِي؟ قالَ: مَنِ اسْتَطَاعَ مِنكُم أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ). [صحيح مسلم]
وفي الحديث رخص بقراءة الرقية على المريض، وهذا لتجنب السحرة والمشعوذين والدجالين.
الرُّقيةُ هي ما يُقرَأُ على المريضِ مِنَ الآياتِ القرآنيَّةِ والأدعيةِ المشروعةِ، وقد أباحَها الإسلامُ، وفعَلَها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لنفْسِه ولغَيرِه، وهي لأمراضٍ مُتعدِّدةٍ؛ منها: الرُّقيةُ مِنَ السِّحرِ، ومِنَ العقربِ، ومِن نظرةِ العَينِ والحسَدِ، وغيرِها، وقد عرَفَها العربُ في الجاهليَّةِ، وكانوا يَرقُونَ ببَعضِ الأُمورِ الشِّركيَّةِ الَّتي حرَّمَها الإسلامُ، وبعضُ الرُّقى كانت خاليةً مِنَ الشِّركِ فأقرَّها الإسلامُ.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رخَّص لِبَنِي عَمْرِو بنِ حَزْمٍ في الرقيةِ مِن لَدْغِ الحيَّةِ وعَضِّها -وهي نوعٌ مِن الثَّعابينِ-، والرُّخْصة إنَّما تكونُ بعدَ النهيِ، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد نَهى عن الرُّقَى؛ لِمَا عَسَى أنْ يكونَ فيها من الألفاظِ الجاهليَّةِ، فتَوقَّفَ النَّاسُ عن الرُّقَى، فرَخَّص لهم فيها إذا خَلَت مِن الشِّركيَّاتِ ونحوِها.
ويُخبِرُ جابِرٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رجلًا لَدَغَتْه وعَضَّتْه عَقْرَبٌ، وكانوا جُلوسًا عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فطَلَب رجلٌ واستأذَنَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَرْقِيه؛ وذلك لأنَّ الرُّقيةَ نوعٌ مِن أنواعِ الاستشفاءِ، فأجابه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «مَن استطاع مِنكم أن يَنْفَعَ أخاه فَلْيَفْعَلْ»، وهذا إذنٌ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ للرَّجلِ أنْ يَرقِيَه بما هو أنفَعُ له، فجَعَل الرُّقيَةَ مِن باب المنفعةِ، والمرادُ بالأخوَّةِ أُخوَّةُ الدِّينِ والإسلامِ، لا أُخوَّةُ النَّسبِ، وهذا القولُ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وإنْ كان في الرُّقيةِ، إلَّا أنَّه يَتعدَّى إلى كلِّ ما فيه نفعٌ وخيرٌ للمسلمِ.
وفي الحديثِ: بيانُ التداوِي بالرُّقَى الشرعِيَّةِ وغيرِها إذا كان مَفهومًا ولا مانِعَ منه شَرْعًا.
«مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» وفي رواية «فَلْيَنْفَعْهُ» [رواه مسلم عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]. فتملك نفسي العجبُ عندما تدبرتُ بعضَ معانيه.. ففيه معانٍ رائعة تأخذ بالألباب.. ذلك إن الشعور الذي يخالج نفسَ المسلم وهو يهم بنفع إخوانه بأي نفع مهما صغُر وقلَّ منبعه ودافعه، غايته واحدة، وهي أن يكون الخير ونفع الآخرين هو سمة المجتمع.
والسعي في نفع الآخرين من أعظم الأخلاق التي يتحلى بها الإنسان، ولفضل هذا الخلق قرنه الله سبحانه بأعظمِ عباده فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الحج:77].
قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: “يأمر تعالى عباده المؤمنين بالصلاة، وخص منها الركوعَ والسجود لفضلهما وركنيتهما، وعبادتَه التي هي قُرةُ العيون، وسلوةُ القلب المحزون، وأن ربوبيته وإحسانه على العباد يقتضي منهم أن يخلصوا له العبادة، ويأمرهم بفعل الخير عمومًا.. وعلق تعالى الفلاحَ على هذه الأمور فقال: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي: تفوزون بالمطلوب المرغوب، وتنجون من المكروه المرهوب، فلا طريق للفلاح سوى الإخلاص في عبادة الخالق، والسعي في نفع عبيده، فمن وُفِّق لذلك، فله القدح الـمُعَلَّا من السعادة والنجاح والفلاح” أهـ.
وقال سبحانه عن أصفيائه -عليهم السلام-: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ) [الأنبياء:73]، أي: يفعلونها ويدعون الناس إليها، وهذا شاملٌ لجميع الخيرات؛ من حقوق الله وحقوق العباد.
أيها الأحبة: ولقد رفعَ النَّبِيُّ ﷺ مقامَ من ينفعُ عبادَ الله إلى درجة سامية عليّة، فجعلهم أحبَ الناس إليه؛ فقد سُئل ﷺ: أيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إلى اللهِ؟ فَقَالَ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعَهُمْ لِلنَّاسِ». وبين أنواعًا من النفعِ فَقَالَ: «يَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ يَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ يَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَأَنْ أَمْشِي مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ -مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ- شَهْرًا» [حديث صحيح رواه الطبراني عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما].
وجعل في حديث آخر من يتصف بنفع الأمة خَيْرَ النَّاسِ فقال ﷺ: «الْمُؤْمِنُ يَأْلَفُ وَيُؤْلَفُ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ، وَلَا يُؤْلَفُ، وَخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» [رواه الطبراني بالأوسط عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وحسنه الألباني].
قيل في شرح “أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ” أي: بالإحسانِ إليهم بمالِه وجاهِهِ، فإنهم عبادُ الله وأَحَبُهم إليه أنفعُهم لعبادِه، أي: أكثرُهم نفعًا للناس بنعمةٍ يُسديها أو نقمةٍ يَزْويها عنهم دِيْنًا أو دُنْيًا، ومنافعُ الدين أشرفُ قدرًا وأبقى نفعًا.. قال بعضهم: “هذا يفيد أن الإمامَ العادلَ خيرُ الناس -أي: بعد الأنبياء- لأن الأمور التي يعم نفعها ويعظم وقعها لا يقوم بها غيره، وبه نفع العباد والبلاد، وهو القائم بخلافة النبوة في إصلاح الخلق ودعائهم إلى الحق وإقامة دينهم وتقويم أَوَدِهْم، ولولاه لم يكن علم ولا عمل”.
أيها الإخوة: والأجر في نفع المسلمين عظيم؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [رواه مسلم].
«ومن مشى مع مظلوم حتى يُثبت له حقَه ثبَّت الله قدميه على الصراط يوم تزل الأقدام». [رواه ابن أبي الدنيا بسند حسن].
واعلموا أن نفع الناس من أسبابِ الوقاية من المهالك، وسبيلٌ للظفر بحسن الخاتمة، يقول رسول الله ﷺ: «صنائع المعروف تَقِي مصَارِع السُّوءِ، وصدقة السر تُطفئ غضبَ الربِّ، وصِلَةُ الرَّحِم تزيد في العمر» [رواه الطبراني في الكبير عن أبي أمامة رضي الله عنه وقال الألباني حسن لغيره].
وقالت خديجة رضي الله عنها للنبي ﷺ لما جاءه الوحي وخاف على نفسه: «كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» [رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها].
قال شيخ الإسلام: “فاستدلت بعقلِها على أن من جعل اللهُ فيه هذه المحاسن والمكارم التي جعلها من أعظم أسباب السعادة لم تكن من سنة الله وحكمته وعدله أن يخزيه، بل يكرمه ويعظمه فإنه قد عُرف من سنة الله في عباده وإكرامه لأهل الخير وإهانته لأهل الشر ما فيه عبرة لأولي الأبصار”.
وبركة العبد تدرك بمدى نفعه؛ فقد فسر مجاهد قول الله حكاية عن المسيح عليه السلام: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا) أي: نافعًا للناس.
وقال ابن القيم رحمه الله في وصف شيخ الإسلام ابن تيمية: “كان شيخُ الإسلام يسعى سعيًا شديدًا لقضاء حوائج الناس”.
هذا هو منهج وجوهر الدين الإسلامي في الحياة، دين يريد الحياة للإنسانية، ولكن كل واحد يقول: “يلا نفسي”، ويختزن الخدمة لنفسه ولأسرته ولأقاربه، ولا يعلم أن الله مطلع عليه، وممكن تكون حياته نكد بسبب عدم البركة وعدم الراحة وعدم الاستقرار.
ما أجمل مجتمع المسلمين وهو ينفعُ بعضُه بعضًا ويسعى كلُ فردٍ فيه إلى نفعِ إخوانه.. فإن كان في مجال البيع والشراء وجدته ناصحًا لأخيه لا يغشه ولا يغالي بالثمن.. وإن كان في مجال التعليم وجدته حريصًا على طلابه أو جماعته يعلمُهم ويرشدُهم ويستفرغُ وسعه في ذلك.. وإن كان في وظيفته وجدته مُنجزًا لأعمال مراجعيه متهللًا في تعامله وناصحًا لهم سعيدًا مبتسمًا لكل مراجع يأتيه لحاجته.. وإن كان ذا صنعة وجدته جادًا فيها متقنًا لها حريصًا على تجويد عمله يراقب الله في ذلك.. وإن كان في مكان آخر كان فيه متقنًا متهللًا.. المهم أن يكون دافع المسلم وهمه نفع الناس وإن تقاضى على عمله أجرة.



