دكتور ياسر جعفر يكتب: من هم شرار الناس؟!

هناك نوع من الناس فيهم صفات الشر، ومن هذه الصفات الذميمة “المجاهرون بالمعاصي”، وصفهم رسول الإنسانية -صلى الله عليه وسلم- بشر الناس، وهؤلاء الناس تجدهم كثيرين في زمننا هذا؛ عقول سخيفة يتكلم بالمعاصي ولا يستحي من الله، هؤلاء شر الناس ينبغي تجنبهم ولا يُتعامل معهم لا من قريب ولا من بعيد، هؤلاء الناس يفخرون بالمعاصي مجردين من الحياء، إذا كان هؤلاء شر الناس فما بالك بالذين يجاهرون بالتبرج في الشوارع والأماكن العامة والمزدحمة؟!.. ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة: (إنَّ من شرارِ النَّاسِ المجاهرين. قالوا: يا رسولَ اللهِ! وما المجاهرون؟ قال: الَّذي يُذنِبُ الذَّنبَ باللَّيلِ فيسترُه اللهُ عليه، فيصبحُ فيحدِّثُ به النَّاسَ فيقولُ: فعلتُ البارحةَ كذا وكذا، فيهتِكُ سِتْرَ اللهِ عنه).
وفي رواية: (كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وقدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عليه، فَيَقُولَ: يا فُلانُ، عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وقدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، ويُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عنْه). [صحيح البخاري]
حذَّرَنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هذا الحديثِ عن الجَهرِ بالسُّوءِ، فقال: «كلُّ أُمَّتي مُعافًى»، أي: كلُّ واحدٍ مِن هذه الأمَّةِ إذا ارتكَبَ مَعصيةً، يُرجى له عفْوُ اللهِ ومَغفرتُه، والنَّجاةُ مِن النَّارِ، «إلَّا المجاهِرين» بالمَعاصي، فلا يُعافَوْنَ، والمجاهِرُ: الفاسقُ المُعلِن بفسْقِه، الَّذي يَأتي بالفاحشةِ ثمَّ يُشيعُها بيْن النَّاسِ تَفاخُرًا وتَهوُّرًا ووَقاحةً.
ثمَّ أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ مِن المُجاهرةِ -أي: الوقاحةِ والاستهتارِ بالدِّينِ والاستخفافِ بحُدودِ اللهِ- أنْ يَعمَلَ الرَّجلُ باللَّيلِ مَعصيةً، ثمَّ يُصبِحَ وقدْ ستَرَه اللهُ، فيُحدِّثَ إخوانَ السَّوءِ مِن أصدقائِه بأنَّه فعَلَ المعصيةَ الفلانيَّةَ أمسِ، وقدْ بات يَستُرُه ربُّه ويُصبِحُ يَكشِفُ سِترَ اللهِ عليه! وهذا المجاهِرُ لا يُريدُ السِّترَ، وإنَّما يُريدُ الفضيحةَ؛ حيث يَراها في نظَرِه مَفخرةً ومُباهاةً، والعياذُ بالله!
وفي الحَديثِ: أنَّ على مَن ابتُليَ بمَعصيةٍ أنْ يَستُرَ على نفْسِه.
وفيه: أنَّ ارتِكابَ المعصيةِ مع سَتْرِها أهونُ وأخفُّ مِن المجاهَرةِ بها.
وفيه: أنَّ المجاهرةَ بالسُّوءِ وَقاحةٌ وجُرأةٌ وانتهاكٌ لحدودِ اللهِ.
والعاصي المجاهر هو أنا وأنت… إنها بلية عظمى ورزية كبرى أن يتبجح المرء بمعصيته لله -عز وجل- ويعلنها صريحة مدوية بلسان حاله ومقاله، ناسيًا أو قل متناسيًا حق الله وفضله عليه.
لذا فقد حذر الشرع المطهر من مجاهرة الله بالمعصية، وبيّن الله تعالى أن ذلك من أسباب العقوبة والعذاب؛ فمن النصوص الدالة على ذلك قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النور: 19]. هذا الذم والوعيد فيمن يحب إشاعة الفواحش، فما بالك بمن يشيعها ويعلنها؟!
وقوله تبارك وتعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]. قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسير الآية: “{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}: بأن النقص في الزروع والثمار بسبب المعاصي”. وقال أبو العالية: “من عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة”. [تفسير ابن كثير 3/ 576].
كما أخبر سبحانه بأنه لا يحب الفساد: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205]، ولا شك أن المجاهرة بالمعاصي من أعظم الفساد.
وبين جل وعلا أنه لا يحب الجهر بالسوء: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148]. قال البغوي -رحمه الله- في تفسير الآية: “يعني لا يحب الله الجهر بالقبح من القول إلا من ظلم”. [تفسير البغوي 1/ 304].
وفي الحديث عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الناسَ إذا رأوا المنكرَ لا يُغيِّرونه أوشك اللهُ أن يَعُمَّهم بعقابِه». [رواه الترمذي 5/ 256].
وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال رسول الله ﷺ: «كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرين». [رواه البخاري ومسلم].
وهكذا سنة الله تعالى في الكون، فما أعلن قوم التجرؤ على الله بالمعاصي والتبجح بها إلا وأهلكهم الله وقضى عليهم ودمرهم.. والمتأمل في سير الغابرين والأقوام السالفين يجد ذلك جلياً واضحاً؛ فما الذي أهبط آدم من الجنة؟ وما الذي أغرق قوم نوح؟ وما الذي أهلك عاداً بريح صرصر عاتية؟ وما الذي أهلك ثمود بالصاعقة؟ وما الذي قلب على قوم لوط ديارهم وأتبعها بالحجارة من السماء؟ وما الذي أغرق فرعون وجنده؟ وما الذي…؟ وما الذي..؟ إنها المعاصي والمجاهرة بها.
فالله تعالى هو القوي والبشر هم الضعفاء، والله هو العزيز وهم الأذلاء بين يديه، وهو الكبير المتعالي، فله الكبرياء المطلق والعظمة الكاملة. عن أبي سعيد وأبي هريرة -رضي الله عنهما- قالا: قال رسول الله ﷺ: قال الله تعالى: «الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزاري، فمن نازَعَني واحداً منهما قذفتُه في النارِ». [رواه مسلم].
ولعل من أسباب قبح هذه المعصية وزيادة شناعتها أن فيها نوعاً من الاستهانة وعدم المبالاة، وكأن لسان حال هذا العاصي لله تعالى يقول: “أعلم أنك ترى مكاني، وتسمع كلامي، وأنك عليَّ رقيب ولعملي شهيد.. ولكن مع ذلك كله أعصيك وأعلن ذلك أمامك وأمام كل من يراني من خلقك!!”.
ومن أسباب شناعتها وقبحها أن فيها دعوةً للناس إلى الوقوع في المعاصي والانغماس في وحلها.. حيث إن هذا المبارز لله بالمعصية يدعو بلسان حاله كل من رآه أو سمع به.. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: ((ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثلُ آثامِ من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)). [رواه مسلم].
ومن أسباب قبحها أن الذي يفعل المعصية جهراً قد يستمرئ هذا الفعل ويصبح عنده أمراً عادياً، فربما أدى به ذلك إلى إباحته واستحلاله، ولا شك أن استحلال المعاصي واستباحتها من أخطر الأمور على عقيدة المسلم، وقد يؤدي به ذلك إلى الخروج من دين الإسلام؛ لاسيما إذا كان الأمر معلوماً من الدين بالضرورة تحريمه؛ كالزنا واللواط وشرب الخمر وأكل الربا ونحو ذلك من المحرمات، أجارنا الله منها.
ولقد تفشى بين بعض المسلمين – هداهم الله – هذا الداء العضال، وسرى في جسد الأمة حتى لا يكاد يسلم منه بلد أو حي أو مجتمع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


