طائر يعلم الإنسانية كرامة الميت دفنه!؟

بقلم: د. ياسر جعفر

نعم، طائر يعلم الإنسانية كيفية كرامة الإنسان وكيفية احترامه وتقديره، ولو في حالة موته؛ تعالى معي أخي القارئ المحترم لنتصفح القرآن الكريم لنجد هذه الآية في سورة المائدة: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [سورة المائدة: 31].
وفي الآية عبرة عظيمة في التعامل مع الموتى وكرامتهم. حيث يذكر القرآن الكريم قصة قابيل وهابيل، وكيف أن الله بعث غرابًا ليعلم قابيل كيفية مواراة سوءة أخيه بعد أن قتله. في هذه القصة، نجد درسًا في احترام الميت وضرورة دفنه، حتى في أقدم الروايات الدينية.
هذه القصة تبرز قيمة دفن الموتى كجزء من الكرامة الإنسانية التي حث عليها الدين الإسلامي، وتعد تذكيرًا بأهمية التعامل مع الموتى بتقدير واحترام.
وفي رواية:
(انطلقتُ أنا والأشترُ إلى عليٍّ فقُلنا: هل عهدَ إليهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ شيئًا لَم يعهَدْه إلى النَّاسِ عامَّةً؟ قال: لا! إلَّا ما في كتابي هذا، فأخرجَ كتابًا من قِرابِ سيفِه، فإذا فيهِ: المؤمنونَ تكافَأُ دماؤُهمْ، وهُم يدٌ على مَن سِواهمْ، ويسعى بذمَّتهِم أدناهُم، ألا لا يُقتلُ مِؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهدِه، مَن أحدثَ حدثًا فعلَى نفسِه، ومَن أحدثَ حدَثًا، أو آوى مُحدِثًا فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والنَّاسِ أجمعينَ).
[الراوي: قيس بن عباد أو عبادة | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح أبي داود | الصفحة أو الرقم: 4530 | خلاصة حكم المحدث: صحيح].
هذا الحديثُ بمَنزلةِ القواعدِ والأصولِ لتعامُلِ المسلمين فيما بينهم، وفيما بَينَهم وبينَ غيرِهم، وفيه يقولُ قَيْسُ بنُ عَبَّادٍ: “انطلقْتُ”، أي: ذهبْتُ، “أنا والأَشْتَرُ -وهو مالِكُ بنُ الحارثِ- إلى عليٍّ -وهو ابنُ أبي طالبٍ رضِيَ اللهُ عنه-، فقُلْنا: هل عَهِدَ إليك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شيئًا لم يَعْهَدْه إلى النَّاسِ عامَّةً؟” أي: هل خصَّكَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بوَصيَّةٍ لم يُوصِ بها أحداً غيرَك؟ قال عليٌّ رضِيَ اللهُ عنه: “لا، إلَّا ما في كتابي هذا”، أي: لا، لم يَعْهَدْ إليَّ ولم يَخُصَّني بشيءٍ إلَّا ما ذُكِرَ بهذا الكتابِ.
قال: “فأخرَجَ كتابًا من قِرابِ سيْفِه”، أي: أخرج عليٌّ رضِيَ اللهُ عنه كِتابًا من جِرابِ سيْفِه، “فإذا فيه”، أي: في الكتابِ الَّذي أخرَجَه: “المؤمنون تَكَافَأُ دِماؤُهم”، أي: تَتساوَى دِماؤُهم في القِصاصِ والدِّيَاتِ لبَعضِهم مِن بعضٍ، ولا فَرْقَ بين الشَّريفِ والوضيعِ في الدَّمِ؛ فلا يَفضُل منهم شَريفٌ على وضيعٍ؛ وليسَ كما كان في الجاهليةِ حيثُ كانوا لا يَقتصُّون للرَّجُلِ الشَّريفِ مِن عِدَّةٍ مِن قبيلةِ القاتِل؛ فأبطلَ الإسلامُ حُكمَ الجاهليَّةِ، وجعَل دِماءَ المسلِمين على التكافؤ وإنْ كان بَينَهم تفاضُلٌ وتفاوُتٌ.
“وهُمْ يَدٌ”، أي: قوَّةٌ مُجْتَمِعَةٌ، “على مَنْ سِواهم”، أي: على أعدائِهم وأعداءِ دِينِهم، “ويَسعى بذِمَّتِهم أدناهم”، أي: إذا أعطى أحدٌ مِنَ المسلمين عهْدًا وذِمَّةً لغيرِ مسلمٍ ولو كان ذلك من عبْدٍ أو أَمَةٍ وَجَبَ على باقي المسلمين أنْ يُوفُوا له عهْدَه، وفي قولِه: “أدناهم” إشارةٌ إلى التَّقليلِ من شأنِ مَنْ يُعطي العهْدَ، وعلى المسلمين أنْ يُكبِّروه في ذلك العهْدِ ويحترموه فيه.
وفي رِوايةٍ أخرى زيادةٌ وهي قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: “ويُجيرُ عليهم أَقْصاهم”، أي: ولو أنَّ مُسلِمًا أعطى عهْدًا وذِمَّةً لبعضِ الكفَّارِ سعَى له المسلمون فيه وأَوْفَوْه له، وفي قولِه: “أَقْصاهم” إشارةٌ إلى أنَّه مهما كان بُعْدُه ومكانتُه لَزِمَ على المسلمين إنفاذُ إجارتِه، “ويَرُدُّ مُشِدُّهم على مُضْعِفِهم”، أي: إنَّ القَويَّ يُساهِمُ الضَّعيفَ فيما يَكسِبُه مِنَ الغَنيمةِ، “ومُتَسَرِّيهم على قاعِدِهم”، أي: وكذلك مَنْ غَنِموا في سَرِيَّةٍ تُرَدُّ غَنيمَتُهم على الجيشِ الَّذي خرجَتْ منه تلك السَّرِيَّةُ لا للمُتخلِّفينَ عَنِ الجيش.
وممَّا جاء في هذا الكتابِ: “ألَا لا يُقْتَلُ مؤمنٌ بكافرٍ”، أي: إذا قتَلَ مؤمنٌ كافرًا فلا قِصاصَ عليه، “ولا ذو عهْدٍ في عهْدِه” أي: ولا يُقْتَلُ المُعاهَدُ بكافرٍ، ولا قِصاصَ عليه، “مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا”، أي: مَنْ فعَلَ فِعْلًا فيه عقوبةٌ، أو أتى في الدِّينِ بما ليس فيه، “فعلى نفسِه”، أي: إنَّ عقوبتَه وجزاءَه لا يتعدَّى إلى غيرِه، “ومَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا، أو آوَى مُحْدِثًا”، أي: أجارَه أو نصَرَه، “فَعَلَيْهِ”، أي: فجزاؤُه، “لعنةُ اللهِ والملائكةِ والنَّاسِ أجمعين”، أي: إنَّه يُطْرَدُ من رحمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ وتدعو عليه الملائكةُ والنَّاسُ باللَّعنةِ.
كما يُشير الحديث إلى عدم تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب بما تدعيه الشيعة من ولاية وغيرها [1]. ويبيِّن أن الولاء بين المسلمين يكون للدين لا لأسباب أخرى مثل الأرض أو النسب [1]. ويتضمن الحديث تحذيرًا شديدًا من الابتداع في الدين أو مساندة من يفعل ذلك [1].
وديننا يعلمنا أن نكون إخوة، كل واحد يحرص على سلامة الصدر فلا يحمل في قلبه غلًا لمسلم، وأن نكون سترًا لبعضنا؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة)، والستر لا يكون إلا على شيء قبيح؛ فالمقصود هنا ستر العورات في زمن ضعف فيه الدين، ورَقَّ في القلوب؛ حتى صارت وسائل التواصل الاجتماعي ميدانًا لتتبع عورات الناس؛ والنبي صلى الله عليه وسلم علمنا ألا نكون سببًا لفضيحة مسلم أو التشهير به أو النيل منه حتى وإن كان هذا الذي نتكلم عنه قد وقع بالفعل في هذا الخطأ.
فهل الذي يحدث على أرض المسلمين في كل مكان من أعداء الإسلام من الشرائع السماوية؟! كلا وألف كلا، ولكن الذي يقع للمسلمين من قتل وسفك دماء والتنكيل بحرمة الموتى إنما هو استهزاء بأمة المليار، من ثُلّة سفهاء ومرتزقة وأحفاد القردة والخنازير. أين المسلمون من حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (المُؤْمِنُ للمؤمنِ كالبُنْيانِ يشدُّ بَعضُهُ بعضًا)؟
[الراوي: أبو موسى الأشعري | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الترمذي | الصفحة أو الرقم: 1928 | خلاصة حكم المحدث: صحيح].
وفي رواية:
(إنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا. وشَبَّكَ أصَابِعَهُ).
[الراوي: أبو موسى الأشعري | المحدث: البخاري | المصدر: صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم: 481 | خلاصة حكم المحدث: صحيح].
ببنى الإسلامُ مُجتمَعَ المُسلِمينَ على أساسٍ مَتينٍ مِن الأُخوَّةِ والتآزُرِ فيما بيْنَهم؛ فقد أخْبَرَ اللهُ تعالى في كتابِه الكريمِ أنَّ المؤمنينَ إخوةٌ في الدِّينِ، والأُخُوَّةُ يُنافيها الحِقْدُ والبَغضاءُ، وتَقْتضي التَّوادُدَ والتَّناصُرَ، وقِيامَ الأُلْفةِ والمَحبَّةِ فيما بيْنَهم.
وفي هذا الحديثِ يخبِرُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ المؤمنينَ في تَآزُرِهم وتَماسُكِ كُلِّ فَرْدٍ منهم بالآخَرِ كالبُنيانِ المَرْصوصِ الذي لا يَقْوَى على البَقاءِ إلَّا إذا تَماسَكَتْ أجزاؤُه لَبِنَةً لَبِنَةً، فإذا تفَكَّكَتْ سَقَطَ وانهارَ.
وشَبَّكَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيْن أصابِعِه؛ إشارةً إلى أنَّ تعاضُدَ المؤمنينَ بيْنهم كتَشْبِيكِ الأصابِعِ بَعْضِها في بَعضٍ، فكما أنَّ أصابِعَ اليدينِ مُتعدِّدةٌ فهي تَرجِعُ إلى أصلٍ واحدٍ ورَجُلٍ واحدٍ، فكذلك المؤمنونَ وإنْ تعدَّدَت أشخاصُهم فهمْ يَرجِعونَ إلى أصْلٍ واحدٍ وتَجْمَعُهم أُخُوَّةُ الإيمانِ.
وهذا التَّشبيكُ مِن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هذا الحديثِ كان لمَصلحةٍ وفائدةٍ؛ فإنَّه لَمَّا شَبَّهَ المؤمنينَ بالبُنيانِ الذي يَشُدُّ بَعضُه بَعضًا كان ذلك تَشبيهًا بالقَوْلِ، ثُمَّ أوضَحَه بالفِعْلِ، فشَبَّكَ أصابِعَه بَعْضَها في بعضٍ؛ لِيَتأكَّدَ بذلك المثالُ الذي ضَرَبَه لهم بِقَوْلِه، ويَزدادَ بَيانًا وظُهورًا.
حينما أعرض المسلمون عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، نهشت أعداء الإسلام من أجسادهم -أحياءً وأمواتاً- كالضباع والكلاب الضالة.
ومنها أيضاً قوله ﷺ: «مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثَلُ الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمى». [رواه مسلم].
تحية إجلال لطائر الغراب الذي علم الإنسان الإنسانية واهتم بستر أخيه، وتم كرمه عليه بالدفن وستره، والمسلمون موتى بالطرقات تنهش أجسادهم الكلاب، ولا أحد عنده ذرة من نخوة ولا رجولة من المليار مسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فهذه الأدلة كلها تدل على وحدة المسلمين وترابطهم، وأنه لا بد أن يهتم المسلم بشأن إخوانه فهم كالجسد الواحد، ولا يتصور أن يهمل الإنسان يده أو رجله أو أي عضو من أعضائه فيتركه ولا يتحسس آلامه، إلا إذا كان أشل ميتاً، وبقدر إيمان المؤمن تتقد فيه تلك الجذوة ويتحرك فيه ذلك الإحساس، وقد قال النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». [متفق عليه].
قال ابن حجر: “ما يحب لنفسه أي من الخير كما عند الإسماعيلي، والخير كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية، وتخرج المنهيات لأن اسم الخير لا يتناولها”.
فعلى المسلم أن يهتم بأمر إخوانه، ويسأل عن أخبارهم، ويعين ضعيفهم، وينصر مظلومهم، ويمنع ظالمهم، ويدعو لهم كما يدعو لنفسه، والذي لا يهتم لأمر إخوانه ولا يتأثر بما يصيبهم من فرح أو حزن إنما هو كالعضو الأشل الميت الذي لا يحس.

