دكتور ياسر جعفر يكتب: من هم أحب الناس إلى الله؟!

هل هناك أناس يحبهم الله؟! هنيئاً لهؤلاء القوم الذين يحبهم الله سبحانه وتعالى ملك الملوك، نعم هناك أشخاص من صفوة المجتمع يحبهم الله لأنهم يحملون صفات الأنبياء والمرسلين. تعال معي لنرى من هم هؤلاء الذين يحبهم الله؛ ففي الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر:(أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، تَكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُدُ عنه جوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ من أن أعتكِفَ في هذا المسجدِ -يعني: مسجدَ المدينةِ- شهرًا، ومن كظم غيظَه ولو شاء أن يُمضِيَه أمضاه؛ ملأ اللهُ قلبَه يومَ القيامةِ رِضًا، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يَقضِيَها له؛ ثبَّتَ اللهُ قدمَيه يومَ تزولُ الأقدامُ) [صحيح الترغيب].
وفي رواية:(أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ يدْخِلُهُ على مسلمٍ، أوْ يكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً، أوْ يقْضِي عنهُ دَيْنًا، أوْ يَطْرُدُ عنهُ جُوعًا، ولأنْ أَمْشِيَ مع أَخٍ لي في حاجَةٍ أحبُّ إِلَيَّ من أنْ أعْتَكِفَ في هذا المسجدِ -يعني: مسجدَ المدينةِ- شهرًا، و مَنْ كَفَّ غضبَهُ سترَ اللهُ عَوْرَتَهُ، ومَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ و لَوْ شاءَ أنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللهُ قلبَهُ رَجَاءً يومَ القيامةِ، ومَنْ مَشَى مع أَخِيهِ في حاجَةٍ حتى تتَهَيَّأَ لهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يومَ تَزُولُ الأَقْدَامِ، [و إِنَّ سُوءَ الخُلُقِ يُفْسِدُ العَمَلَ، كما يُفْسِدُ الخَلُّ العَسَلَ) [السلسلة الصحيحة].
أيها الإنسان، أتريد أن يحبك الله؟! انفع الناس في كل شيء، شاركهم في الأفراح والأحزان، قم بمساعدة المحتاج، ولا يشترط أن تكون هناك قرابة بينك وبينه لكي تقوم بمساعدته، ساعد كل محتاج حسب الاستطاعة.
إذا كانت في مقدرتك المساعدة فساعد ولا تتأخر عنها، وساعد لوجه الله، لا يشترط أن يكون ذلك بمقابل؛ بل ساعد لوجه الله لكي تنال حب الله تعالى، وإذا أحبك الله كسبت الدنيا والآخرة، وإذا أحبك الله ستكون عبداً ربانياً تقول للشيء كن فيكون؛ ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة:(- إنَّ اللَّهَ قالَ: مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شَيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوْتَ، وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ) [صحيح البخاري].
هل بعد هذا الكلام لا تنوي المساعدة؟!
ومن الإعجاز اللفظي أنه عام وشامل لكل الناس وليس لفئة معينة، ولجميع الفئات والمناصب، وللغني والفقير، وأصحاب المناصب من جميع الوظائف المختلفة؛ ساعد الناس لكي يحبك الله ويفتح لك جميع الأبواب المغلقة، ويشفي أبناءك وييسر لك أمرك. جرِّب المساعدة وانظر إلى السرور والسعادة التي ستراها في حياتك.
وأقول للموظفين: لا داعي لتعطيل مصالح الناس وأنت تملك القدرة على المساعدة، تجنب الرشوة والتعقيدات التي لا داعي لها، وساعد الناس لكي تنال حب الله. وأي إنسان في استطاعته المساعدة لأي محتاج فليساعد؛ لا تقتصر المساعدة على الأقارب والمعارف فقط، فلا أحد يأخذ رزق أحد، واعلم أن الكون يملكه الله مالك الملك؛ ساعد لكي يحبك مالك الملك ويخلف عليك بالخيرات في الدنيا والآخرة. لا تبخل بمساعدة أي إنسان محتاج في جميع الأعمال وعلى جميع الأصعدة، فالكل محتاج لحب الله؛ لا تبخل بالمساعدة.
وفي هذا الحديثِ يقول النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “أحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفَعُهم للناسِ”، أي: أكثَرُ مَن يَنتفِعُ الناسُ بهم، وهذا لا يَقتصِرُ على النَّفعِ المادِّيِّ فَقَطْ، ولكنَّه يمتَدُّ ليشمَلَ النَّفعَ بالعِلمِ، والنَّفعَ بالرَّأْيِ، والنَّفعَ بالنَّصيحَةِ، والنَّفعَ بالمَشورةِ، والنَّفعَ بالجاهِ، والنَّفعَ بالسُّلطانِ، ونحوَ ذلك، فكُلُّ هذه من صُوَرِ النَّفعِ التي تجعَلُ صاحِبَها يشرُفُ بحُبِّ اللهِ له، “وأحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ سُرورٌ يُدخِلُه على مُسلِمٍ”، أي: أنَّ أحَبَّ الأعمالِ هي السَّعادَةُ التي تُدخِلُها على قَلبِ المُسلِمِ، وهذا يَختلِفُ باختِلافِ الأحوالِ والأفرادِ، فقد يتحقَّقُ السُّرورُ في قلْبِ المُسلِمِ بسُؤالِ أخيه عنه، وقد يتحقَّقُ بزيارةِ أخيه له، وقد يتحقَّقُ بهدِيَّةِ أخيه له، وقد يتحقَّقُ بأيِّ شَيءٍ سِوى ذلك؛ الأصْلُ أنْ تُدخِلَ السُّرورَ عليه بأيِّ طريقةٍ استطَعْتَ، “أو يَكشِفُ عنه كُربَةً”، والكُربةُ: هي الشِّدةُ العظيمةُ التي تُوقِعُ صاحبَها في الهمِّ والغمِّ، فمنِ استطاعَ أنْ يكشفَ عن أخيه كُرَبَه، ويرفعَ عنه غمَّه، فقد وُفِّقَ بذلك إلى أفضلِ الأعمالِ، “أو يقضي عنه ديناً”، أي: تقضي عن صاحبِ الدَّينِ دَينَه؛ وذلك فيمن يعجزُ عن الوفاءِ بدَينِه، “أو تطردُ عنه جوعاً”، أي: بإطعامِه أو إعطائِه ما يقومُ مقامَ الإطعامِ.
“ولأنْ أمشيَ مع أخٍ لي في حاجةٍ أحبُّ إليَّ من أنْ أعتكفَ في هذا المسجدِ -يعني: مسجدَ المدينةِ- شهراً”؛ ففي قوله هذا إشارةٌ إلى فضلِ المشيِ مع المسلمينَ في قضاءِ حوائجهم، وتيسيرِ العقباتِ لهم، حتى جاوزَ هذا الفضلُ الاعتكافَ في مسجدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولا يدلُّ هذا إلا على عظيمِ فضلِ السعيِ بين المسلمينَ لقضاءِ حوائجهم.
“ومن كفَّ غضبَه سترَ اللهُ عورتَه”، وفيه إرشادٌ إلى ما يجبُ أنْ يأخذَ المسلمُ به نفسَه وقتَ الغضبِ، من كفِّ الغضبِ وكظمِ الغيظِ، وأنَّ عاقبةَ ذلك طيبةٌ، وهي سترُ اللهِ عزَّ وجلَّ لعورتِه، “ومن كظمَ غيظَه، ولو شاءَ أنْ يُمضيَه أمضاهُ ملأَ اللهُ قلبَه رجاءً يومَ القيامةِ”؛ وهذا فضلُ من كظمَ غيظَه للهِ، مع استطاعتِه أنْ يمضيَ غيظَه، ولكنَّه كظمَه ومنعَه للهِ؛ ولأنَّ هذا الأمرَ عزيزٌ على النفسِ، فكان فضلُه عظيماً.
“ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى تتهيأَ له”، أي: حتى تُقضى له، “أثبتَ اللهُ قدمَه يومَ تزولُ الأقدامُ”، أي: ثبَّتَ اللهُ قدمَه يومَ القيامةِ على الصراطِ.
ثم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “وإنَّ سُوءَ الخُلُقِ يُفسِدُ العَمَلَ، كما يُفسِدُ الخَلُّ العَسَلَ”؛ خَتَمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بهذه العِباراتِ وهذا الإرشادِ بعدَ أنْ أرشَدَ السائلَ إلى أحَبِّ الأعمالِ إلى اللهِ تَعالى، وكأنَّه أرادَ أن يقولَ له: إنْ فعلتَ هذه الأعمالَ الصالحةَ، فإيَّاك أنْ يفوتَك حُسنُ الخُلقِ؛ فإنَّ سوءَ الخُلقِ يُفسدُ الأعمالَ الصالحةَ فساداً عظيماً، كما يفسدُ العسلُ إذا وُضعَ عليه الخلُّ، فعليكَ -إذنْ- أنْ تجتنبَ سوءَ الخُلقِ؛ فإنَّ سوءَ الخُلقِ يُحبطُ الأعمالَ ويُضيعُ الثوابَ.
وفي الحديثِ: الحثُّ على مكارمِ الأخلاقِ والتحذيرُ من سوءِ الخُلقِ.
إنَّ خصالَ الخيرِ وصنائعَ المعروفِ التي حثَّنا عليها شرعُنا الحنيفُ كثيرةٌ، ومتعددةُ الطرقِ، وواسعةُ الأبوابِ، وأعظمُها أجراً ما كان في قضاءِ حوائجِ الناسِ وتفريجِ كروبهم، إذ ينالُ العبدُ ذلك الأجرَ في موقفٍ هو أحوجُ ما يكونُ فيه إلى الحسناتِ، يومَ يقفُ بين يدي ربِّ الأربابِ، يومَ العرضِ والحسابِ.
فهنيئاً لمن يسَّرَ على العبادِ قضاءَ الديونِ، وفكَّ ضائقاتهم، وفرَّجَ كروبهم، ونفَّسَ همومهم؛ فالجزاءُ من جنسِ العملِ. روى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قال: “وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ”.
أيُّها الإخوة الكرام: ليفكرْ كلُّ واحدٍ منَّا في نفسه: أين مقامُه عند الله -تعالى-؟ وإذا أراد العبدُ أن يعرفَ مقامَه عند اللهِ فلينظرْ أين أقامَه اللهُ -تعالى-؛ فالسعيدُ مَن أقامَه اللهُ -تعالى- في قضاءِ حوائجِ العبادِ.
روى الطبرانيُّ في الكبيرِ عن ابنِ عمرَ -رضي اللهُ عنهما- قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: “إِنَّ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ- خَلْقاً خَلَقَهُمْ لِحَوَائِجِ النَّاسِ، يَفْزَعُ النَّاسُ إِلَيْهِمْ فِي حَوَائِجِهِمْ، أُولَئِكَ الآمِنُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ”.




