
كتب: مروان محمد
عاد ملف الإيجار القديم ليتصدر المشهد العام مع بداية انعقاد مجلس النواب الجديد، لكن هذه المرة بصورة مختلفة تمامًا عمّا اعتاده الشارع المصري لعقود. لم يعد النقاش مقتصرًا على أرقام الزيادات أو مدد الإخلاء، ولا على ثنائية المالك والمستأجر، بل انتقل إلى مستوى أعمق وأكثر حساسية، بعد أن دخلت الزاوية الأمنية والاستراتيجية بقوة على خط الجدل.
وخلال أيام قليلة، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بتداول واسع لتصريحات اللواء أشرف عبد العزيز، الخبير الأمني والاستراتيجي، والتي اعتبر فيها أن الإيجار القديم لم يعد مجرد قانون اجتماعي اختلّ توازنه، بل ثغرة هيكلية أثّرت على الأمن العمراني والمجتمعي، وخلقت فراغًا خطيرًا داخل المدن المصرية.
قراءة أمنية تُشعل النقاش

في تصريحات وُصفت بأنها «الأكثر صراحة منذ سنوات»، شدد اللواء أشرف عبد العزيز على أن حصر ملف الإيجار القديم في كونه نزاعًا اجتماعيًا هو اختزال مخل وخطير، قائلًا: «تحرير القيمة الإيجارية ليس قسوة اجتماعية، بل تصحيح أمني تأخر لعقود».
وأوضح أن القوانين الاستثنائية القديمة، التي جرى التعامل معها طويلًا باعتبارها أدوات حماية اجتماعية، أفرزت على أرض الواقع ما سماه «الفراغ الأمني المقنن»، حيث نشأت مناطق كاملة بلا هوية واضحة أو مسؤولية مباشرة.
وأشار إلى أن آلاف الوحدات أصبحت:
•شققًا مغلقة بلا ساكن
•أو وحدات لا يُعرف شاغلوها الحقيقيون
•داخل عقارات متهالكة غائبة عن الصيانة والرقابة
وأضاف أن هذه البيئة، دون قصد تشريعي مباشر، تحولت إلى مساحة مثالية للتخفي، وتخزين أنشطة غير مشروعة، وصناعة ما وصفه بـ «الجريمة الصامتة»، التي لا تُرى إلا بعد أن تستفحل.. «هنا يصبح الخطر أمنيًا في جوهره، قبل أن يكون سكنيًا أو اقتصاديًا»، هكذا لخّص اللواء عبد العزيز جوهر رؤيته.
الأمن لا يحمي العشوائية.. بل يحمي النظام
وأكد اللواء أشرف عبد العزيز أن الدولة القوية لا تؤمّن الفوضى ولا تُديرها، بل تنهيها، محذرًا من أن استمرار الإيجار القديم بصورته السابقة كان يمثل قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار اليومي للمواطن، بسبب:
•مبانٍ مهددة بالانهيار
•كثافات سكانية غير منطقية
•ضغط خانق على المرافق والخدمات
•صعوبة السيطرة الأمنية
•غياب تام للصيانة والمسؤولية القانونية
وشدد على أن هذه العوامل مجتمعة شكّلت تهديدًا مباشرًا لأمن المواطن قبل أمن الدولة، وأن تجاهلها بدعوى الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي كان في حقيقته تأجيلًا لانفجار أكبر.
القانون الجديد.. ليس طردًا بل إعادة انضباط
وفي مواجهة المخاوف المتداولة، أوضح الخبير الأمني والاستراتيجي أن: «القانون الجديد لم يُصمم بمنطق الصدمة أو الطرد، بل بمنطق الإدارة الذكية للتحول».
وأضاف أن عودة العلاقة الإيجارية إلى منطقها الطبيعي تعني عودة هوية المكان، بحيث يصبح لكل وحدة:
•ساكن معلوم
•ومسؤول قانونيًا
•وخاضع لقواعد الدولة
وهو ما ينعكس، بحسب قوله، على ضبط الشارع، وتخفيف الضغط عن الخدمات، وإعادة الانضباط العمراني.
وأكد أن القضية في جوهرها ليست صراعًا بين مالك ومستأجر، بل:
«تصفية حساب مع زمن العشوائية… وما كان مؤجّلًا لعقود، حُسم أخيرًا بقرار دولة تعرف ماذا تريد، وتصنع مستقبلًا واضحًا لمواطنيها».
الملكية حق.. وحمايتها واجب وطني
وفي واحدة من أكثر تصريحاته تداولًا، شدد اللواء أشرف عبد العزيز على أن: «انتهاك حق الملكية ليس عدالة اجتماعية، بل فوضى مؤجلة»، مؤكدًا أن حماية الملكية الخاصة هي حجر الأساس لأي دولة تسعى للاستقرار وجذب الاستثمار، ورسالة طمأنة للمجتمع ولرأس المال الوطني بأن الدولة تحمي الحقوق ولا تصادرها تحت أي شعار.
وأضاف: «الدولة التي تحمي ملكية مواطنيها، تحمي استثمارها، وتؤمّن المجتمع، وتثبت أن القانون فوق الجميع».
رأي خارج الصندوق: البعد الرقمي للأزمة

من زاوية مكملة للمشهد، قدمت الدكتورة إيناس عبد العزيز، خبيرة الأمن الرقمي، قراءة مختلفة للملف، مؤكدة أن أزمة الإيجار القديم لا تنفصل عن تحديات التحول الرقمي وإدارة الدولة الحديثة.
وأوضحت أن: «غياب البيانات الدقيقة عن الشقق والسكان في مناطق الإيجار القديم خلق فجوة معلوماتية خطيرة، استُغلت في أنشطة غير مشروعة، من التهرب الخدمي إلى جرائم الإنترنت المرتبطة بعناوين وهمية ومقار غير دقيقة».
وشددت على أن أي إصلاح تشريعي حقيقي يجب أن يتوازى مع:
•قواعد بيانات عقارية محدثة
•ربط الوحدات السكنية بالهوية الرقمية
•منصات إلكترونية شفافة لدعم غير القادرين
•تتبع الاستخدام الفعلي للوحدات
واكدت أن الأمن الرقمي والأمن العمراني أصبحا وجهين لعملة واحدة.
واختتم اللواء اشرف عبد العزيزعبد بتصريح كان الاكثر تداولا:” إن ما تحقق في ملف الإيجار القديم هو انتصار لمفهوم الدولة الحديثة التي تحترم الدستور وحقوق الملكية وتوفر البدائل الكريمة لمواطنيها. إن الاستمرار في هذا المسار هو الضمانة الوحيدة لمنع سقوط آلاف العقارات القديمة، وتحقيق قفزة نوعية في الاقتصاد والأمن القومي المصري” .
بين البرلمان والشارع.. اختبار دولة
في خضم الجدل البرلماني حول التعديلات المقترحة، يبرز ملف الإيجار القديم اليوم كأحد أصعب اختبارات الدولة في الموازنة بين:
•العدالة الاجتماعية
•وحماية الملكية
•وسد الثغرات الأمنية
•دون تفجير اجتماعي
وهي معادلة معقدة، لكنها – كما يرى الخبراء – لم تعد قابلة للتأجيل.
الخلاصة
الإيجار القديم لم يعد مجرد أزمة قانونية، بل مرآة لطريقة إدارة الدولة للتحول.
تصريحات اللواء أشرف عبد العزيز أعادت ضبط بوصلة النقاش، ووسّعت زاوية الرؤية، لتؤكد أن:
•الاستقرار لا يُبنى على قوانين مشوّهة
•ولا الأمن يُحمى بعشوائية مؤجلة
•وأن السكن المنظم هو أول خط دفاع عن المجتمع
ومع استمرار النقاش داخل البرلمان وخارجه، يبقى الرهان الحقيقي.. هل تنجح الدولة في حسم هذا الملف تاريخيًا، أم يعود الزمن خطوة إلى الوراء؟ .





