أخباردين

يتوج شهر رمضان بالصدقات والنفقات

بقلم: د. ياسر جعفر

نحن في شهر القرآن شهر الخيرات، ينبغي الاجتهاد في هذا الشهر بالإكثار من فعل الخيرات ليستمر عليها المؤمن طوال السنة، وهذه الأعمال تسعدك في الدنيا والآخرة! وإذا كنت تريد مالاً! أو صحة! أو سعادة في الدنيا والآخرة! وحياة طيبة لك ولأولادك وتجارة مع الله، فعليك بهذا الموضوع الذي نحن بصدده الآن وهو الصدقة والإنفاق في شهر رمضان.

اغتنم هذا الشهر العظيم بالصلوات وقراءة القرآن والتسابيح والاستغفار والصلاة على الحبيب المصطفى ﷺ، وتوج هذه الأعمال بالصدقات والنفقات بالمال وإطعام الطعام وشراء الملابس الجديدة لتدخل بها السرور على كل محتاج. اضحك في وجه أخيك المسلم لتؤجر بالصدقات، خفف عن أخيك ألماً لتؤجر بالصدقات، تجنب جميع وسائل اللهو بمختلف أنواعها من تلفاز ونت وتليفونات، وتجنب الغيبة والنميمة والخوض في أعراض البشر، علق قلبك بالله وبالذكر واجتهد بالدعاء لصلاح نفسك وليغفر ذنبك، لا تضيع وقتك في كل ما يلهو عن ذكر الله وتوج كل هذا بالصدقة. لا تعلم قدر الصدقة كيف تفعل لك!؟ الصدقة تجعلك من الفائزين بالدنيا والآخرة! .

حديث عدي بن حاتم  قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «اتقوا النار ولو بشق تمرة!!»، وهذا الحديث أخرجه الشيخان البخاري ومسلم، وفي رواية لهما عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة!!» رواه البخاري.

فينبغي للإنسان أن يجعل بينه وبين النار حاجزاً من عمل صالح، أو صدقة! لدرجة أهمية الصدقة أنك تتجنب نار جهنم ولو بشق تمرة. لأهمية الصدقة والإسراع لطلب المحتاجين والضعفاء والمساكين والفقراء، اسعَ وراء هؤلاء تفز بالدارين في الدنيا والآخرة، وأفضل التجارات الرابحة التي تحافظ على جميع حياتك وما تملك، تحافظ وتزكي مالك وصحتك وتبارك في أولادك وتحافظ عليهم من جميع أنواع الشر، تزهو جميع حياتك بالصدقات والإنفاق والزكاة. ولأهمية الصدقة: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾.

السؤال:في قوله عز وجل: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾، لماذا خُصت الصدقة دون سائر الطاعات؟

الجواب:ذكر الله الصدقة هنا على وجه الخصوص؛ لأنه أمر بها فقال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾، أما من حيث العموم فإن الميت يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ليعمل صالحاً بشتى أبواب الصالحات وأنواع الطاعات، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، وهذا يشمل جميع الأعمال الصالحة!.

أنت في خير ما دمت تقدم أعمال الخير والإصلاح، ولن تهلك قرى ولا أقوام على مستوى الجماعات أو الأفراد بسبب أعمال البر والإصلاح، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. الأمم التي لفظت الأخلاق وعمَّ فيها الفساد، وأصبح الظلم والطغيان ديدنها، أمم منخورة الكيان ولا استمرار لها، يبتليها الله بالهلاك والدمار، ويتضح هذا جلياً في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾.

الأمم التي لفظت الأخلاق وعمَّ فيها الفساد، وأصبح الظلم والطغيان ديدنها، أمم منخورة الكيان ولا استمرار لها، يبتليها الله بالهلاك والدمار!! لذلك تهلك جميعها الصالح والطالح! وفي الحديث الذي روته زينب بنت جحش أم المؤمنين -رضي الله عنها-: أن رسول الله ﷺ دخل عليها يوماً فزعاً يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» وحلّق بإصبعيه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله، أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث» (صحيح مسلم).

سارع إلى الصدقات، أو أي شيء تقدمه من أنواع البر، وقد مضى الحديث في تلك المرأة التي أعطتها عائشة -رضي الله عنها- ثلاث تمرات ومعها ابنتاها، فأعطت كل واحدة تمرة، فلما رفعت التمرة إلى فيها صاحت كل واحدة من هؤلاء البنات تريد أن تأخذها فشقتها شقين، وأعطت كل واحدة شقاً، فأخبر النبي ﷺ أنها دخلت الجنة بذلك، لما أخبرته عائشة -رضي الله تعالى عنها-.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ۚ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.

وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.

أي: يسألونك عن النفقة؛ وهذا يعم السؤال عن المُنْفَق والمُنْفَق عليه، فأجابهم عنهما فقال: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: مال قليل أو كثير؛ فأولى الناس به وأحقهم بالتقديم أعظمهم حقاً عليك، وهم الوالدان الواجب برهما، والمحرم عقوقهما، ومن أعظم برهما النفقة عليهما، ومن أعظم العقوق ترك الإنفاق عليهما، ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة على الولد الموسر. ومن بعد الوالدين الأقربون على اختلاف طبقاتهم، الأقرب فالأقرب على حسب القرب والحاجة، فالإنفاق عليهم صدقة وصلة.

﴿وَالْيَتَامَى﴾ وهم الصغار الذين لا كاسب لهم، فهم في مظنة الحاجة لعدم قيامهم بمصالح أنفسهم وفقد الكاسب، فوصى الله بهم العباد رحمة منه بهم ولطفاً. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ وهم أهل الحاجات وأرباب الضرورات الذين أسكنتهم الحاجة، فينفق عليهم لدفع حاجاتهم وإغنائهم.

﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ أي: الغريب المنقطع به في غير بلده، فيُعان على سفره بالنفقة التي توصله إلى مقصده. ولما خصص الله تعالى هؤلاء الأصناف لشدة الحاجة، عمم تعالى فقال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ من صدقة على هؤلاء وغيرهم، بل ومن جميع أنواع الطاعات والقربات؛ لأنها تدخل في اسم الخير، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيجازيكم عليه، ويحفظه لكم، كلٌّ على حسب نيته وإخلاصه، وكثرة نفقته وقلتها، وشدة الحاجة إليها، وعظم وقعها ونفعها.

قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالخير كله، وينهون عن الشر كله، ويبادرون إلى فعل الخيرات، وأولئك من عباد الله الصالحين.

وقوله تعالى في سورة النساء آية ١١٤: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. لا نفع في كثير من كلام الناس سراً فيما بينهم، إلا إذا كان حديثاً داعياً إلى بذل المعروف من الصدقة، أو الكلمة الطيبة، أو التوفيق بين الناس، ومن يفعل تلك الأمور طلباً لرضا الله تعالى راجياً ثوابه، فسوف نؤتيه ثواباً جزيلاً واسعاً.

سارع وبقوة إلى عمل الخير وأكثر من الأعمال الصالحة:

** (فوائد الصدقة في الدنيا)**

إن الصدقة تطفئ غضب الرب جل وعلا؛ فالإنسان في الدنيا قد يعصي الله تعالى ويغضبه، فتكون الصدقة والبذل سبباً لدفع غضب الله سبحانه وتعالى عن العبد وحلول رضا الله عليه.

إن الصدقة تطفئ الخطيئة وتمحوها؛ فالمسلم حينما يتصدق ويبذل ماله في سبيل الله فإن ذلك يكون سبباً لمحو الخطايا والذنوب في سجل أعماله.

إن الصدقة تدفع البلايا عن المسلم؛ فالمسلم في الحياة الدنيا يتعرض إلى كثير من البلاء والمحن، فتأتي الصدقة لتدفع عنه تلك المحن والابتلاءات.

إن الصدقة ترقق القلوب وتصفي النفوس والسرائر وتحيي الضمائر؛ فالمسلم الذي يتصدق بماله تراه نفسه رقيقة تشعر بآلام الناس ومعاناتهم وضنكهم، والمؤمن رقيق القلب أقرب إلى الله تعالى من قساة القلوب، وكذلك تعمل الصدقة على تنقية النفس من ضغائنها وآفاتها من شح وبخل وحسد وضغينة؛ لإيمان المسلم أن ثمة حقاً في ماله للفقراء والمساكين والمحتاجين من المسلمين.

إنّ الصّدقة هي وسيلة تحقيق التكافل الاجتماعي في المجتمع الإسلامي، فحينما ترى المسلمين يتنافسون على البذل والعطاء في الصدقات ويتداعون إليها، ترى المجتمع الإسلامي تسود فيه معاني التراحم والتكافل والتعاضد؛ فلا يُترك مسكين ولا يُهمل فقير، وإنما يكون المجتمع الإسلامي كالجسد الواحد والبنيان المرصوص. إنّ الصدقة تطهر المال وتزيده وتبارك فيه؛ ففي الحديث الشريف عن الرسول ﷺ: «ما نقص مال من صدقة». إنّ الصدقة دواء للأبدان من عللها وأسقامها، كما هي دواء للنفوس من آفاتها وشرورها.

 (فوائد الصدقة في الآخرة)

إنّ الصدقة هي سبب من أسباب دخول الجنة واجتناب النار، فقد جعل الله سبحانه وتعالى للمتصدقين والمتصدقات باباً خاصاً يدخلون منه اسمه “باب الصدقة”. سارع أخي الحبيب باغتنام مفاتيح الجنة في هذا الشهر الكريم؛ مفتاح باب الريان للصائمين، وهذا المفتاح لفتح باب الريان سارع وضعه في الميدالية الذهبية، وأيضاً مفتاح لباب الصلاة، ومفتاح لباب الصدقة؛ فرص اغتنمها قبل فوات الأوان وقبل الندم. إنّ الصدقة هي ظل المسلم المتصدق يوم القيامة، ففي الحديث الشريف عن الرسول ﷺ: «إن المسلم في ظل صدقته حتى يقضي الله بين الناس». إنّ المتصدقين هم من أصناف الناس الذين يظلهم الله تعالى بظله يوم لا ظل إلا ظله.

زر الذهاب إلى الأعلى