﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾

بقلم: د. ياسر جعفر

هذه آية من آيات الله التي يمر عليها القارئ مرور الكرام، وربما يفهم الظاهر، ولكن باطن الآية قوي في فهم جوهر الآية؛ ففيها النصح، والإرشاد، والتوجيه، والتحذير من العدو للإسلام. والآية لا تحتاج إلى تفسير، آية تبين أن الحذر كل الحذر من اليهود والنصارى، وهذا الخطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم- وإلى الأمة الإسلامية جمعاء.
والواقع الذي نعيشه خير برهان؛ فاليهود والنصارى أكلوا خيرات الشرق الأوسط وأفريقيا، استولوا على خيرات البترول في الخليج وليبيا، واستولوا على مناجم الذهب في أفريقيا، وأيضاً العطور وجميع المعادن النفيسة. ومع ذلك، سمموا المأكولات والمشروبات لتدمير الصحة، وبقت الأمة مريضة بأمراض مزمنة كالفشل الكلوي، وفيروسات الكبد، والبكتيريا المدمرة للأعصاب والجهاز الهضمي، والأمراض المناعية، والسكر… إلخ؟! .
وحالياً يدمرون الشرق الأوسط والعرب بحرب ليس لها أي لازمة ولا أي معنى؛ حرب على الدين، ومن حقدهم أشعلوها في شهر رمضان المبارك، شهر القرآن الكريم، لكي يشغلوا الأمة عن العبادة. قلوب مريضة بالحقد والسواد، أكلوا خيرات العرب ويريدون أن تسيل دماءهم! ويجعلون من جثثهم أشلاء تأكلها الحيوانات الضالة كما حدث على أرض غزة الحبيبة إلى قلوب المسلمين في كل مكان.
وللأسف صدّروا للأمة الخيانة والتجسس، وأشعلوا الفتن فيما بينهم، وللأسف لأننا ما فهمنا ديننا صح وقعنا في شباك اليهود والنصارى، فكان توجيه هذه الآية للرسول -صلى الله عليه وسلم- وللأمة الإسلامية لتأخذ الحذر من هؤلاء المرتزقة السفلة. قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120].
ولن ترضى عنك -أيها الرسول- اليهود ولا النصارى إلا إذا تركت دينك واتبعتَ دينهم. قل لهم: إن دين الإسلام هو الدين الصحيح. ولئن اتبعت أهواء هؤلاء بعد الذي جاءك من الوحي؛ ما لك عند الله مِن وليٍّ ينفعك، ولا نصير ينصرك. وهذا موجه إلى الأمّة عامة، وإن كان خطاباً للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة: (لَوْ آمَنَ بي عَشَرَةٌ مِنَ اليَهُودِ، لآمَنَ بي اليَهُودُ) [صحيح البخاري].
اليهود هم أهل الشقاق والنفاق والعناد؛ كذَّبوا أنبياءهم وقتلوهم، وخانوا العهود، ونقضوا المواثيق، وقد اتفقت كلمتهم على العداء للحق وأهله في كل زمان ومكان، وهم في ذلك كالقطيع يسيرون خلف كبرائهم؛ فهم أهل تقليد لا يتبعون الدليل.
وفي هذا الحديث يحكي أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لو آمَنَ بي عَشَرةٌ منَ اليهودِ، لآمَنَ بي اليهودُ» كلهم. والمراد بالعشرة: الأعيان والرؤساء منهم، ويحتمل أنه أراد عشرة معينين؛ وإلا فقد آمن به -صلى الله عليه وسلم- ألوف منهم، وإنما أراد أن إثم المخالفين لي منهم في رقاب أولئك العشرة؛ لكونهم رؤساء القوم. وفي هذا إشارة إلى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عرَّض بالنهي عن التقليد في الإيمان، وأن المرجع في ذلك إلى الدليل.
وفي رواية: (لو آمَنَ عشَرةٌ مِن أحبارِ اليهودِ آمَنوا بي كلُّهم) [شعيب الأرناؤوط].
وفي رواية: (لو آمَنَ بي عَشَرةٌ مِن أحبارِ اليهودِ، لآمَنَ بي كُلُّ يَهوديٍّ على وجهِ الأرضِ) [شعيب الأرناؤوط].
وجيء بالمسند إليه ضمير الجلالة ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ تشريفاً له -صلى الله عليه وسلم- بعز الحضور لمقام التكلم مع الخالق -تعالى وتقدس- كأن الله يشافهه بهذا الكلام بدون واسطة؛ فلذا لم يقل له: “إن الله أرسلك”.
﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى﴾ عطف على قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ أو على: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾. وقد جاء هذا الكلام “المؤيِّس” من إيمانهم بعد أن قدم قبله التأنيس والتسلية؛ على نحو مجيء العتاب بعد تقديم العفو في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43]. وهذا من كرامة الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-. والنفي بـ «لن» مبالغة في التأييس؛ لأنها لنفي المستقبل وتأبيده.
والتصريح بـ “لا” النافية بعد حرف العطف في قوله: ﴿وَلَا النَّصَارَى﴾ للتنصيص على استقلالهم بالنفي وعدم الاقتناع باتباع حرف العطف؛ لأنهم كان يُظن بهم خلاف ذلك لإظهارهم شيئاً من المودة للمسلمين، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ﴾ [المائدة: 82]. وقد تضمنت هذه الآية أنهم لا يؤمنون بالنبي لأنه غير متبع ملتهم، وأنهم لا يصدقون القرآن لأنه جاء بنسخ كتابيهم.
﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ أي شريعتهم، وهي مجموع عقائد وأعمال يلتزمها طائفة من الناس يتفقون عليها وتكون جامعة لهم كطريقة يتبعونها. ويحتمل أنها مشتقة من “أملَّ الكتاب”؛ فسميت الشريعة «ملة» لأن الرسول أو واضع الدين يعلمها للناس ويملّها عليهم، كما سميت «ديناً» باعتبار قبول الأمة لها وطاعتهم وانقيادهم.
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]؛ وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبداً، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق؛ فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم.
ولا سبيل لك إلى إرضائهم باتباع ملتهم؛ لأن اليهودية ضد النصرانية، والنصرانية ضد اليهودية، ولا تجتمع اليهودية والنصرانية في شخص واحد في حال واحدة. اليهود والنصارى لا تجتمع على الرضا بك إلا أن تكون يهودياً أو نصرانياً، وذلك مما لا يكون منك أبداً؛ لأنك شخص واحد، ولن يجتمع فيك دينان متضادان في حال واحدة. وإذا لم يكن إلى اجتماعهما فيك في وقت واحد سبيل، لم يكن لك إلى إرضاء الفريقين سبيل، وإذا لم يكن لك إلى ذلك سبيل، فالزم هدى الله الذي لجمع الخلق على الألفة عليه سبيل.

