
تمر علينا ذكرى ثورة الثلاثين من يونيو، تلك الملحمة الوطنية التي لم تكن مجرد حراك شعبي لتبديل سلطة، بل كانت “جراحة استراتيجية عاجلة” أجراها الشعب المصري بمشرط الوعي، وبمساندة ذراعه العسكرية القوية، لإنقاذ الدولة من غيبوبة سياسية ومخطط لتفكيك الهوية كاد أن يعصف بالبلاد والعباد.
حين خرجت الملايين في شوارع مصر، لم يكن خروجها ترفاً، بل كان استجابة لنداء البقاء وتلبية لضرورات الأمن القومي بمفهومه الشامل. لقد واجهت مصر آنذاك تهديداً غير نمطي استهدف تآكل هيبة الدولة، وإحداث انقسام مجتمعي حاد، وشلل تام في القطاعات الخدمية والاقتصادية.
وكان الانحياز المطلق للقوات المسلحة المصرية للإرادة الشعبية هو الصخرة التي تحطمت عليها كل سيناريوهات الفوضى وحروب الجيل الرابع والخامس، لتبدأ مصر معركة وجود حقيقية ضد الإرهاب الأسود، توازت معها معركة بناء وتشيد ملامح الجمهورية الجديدة.
هل كانت 30 يونيو مجرد إنقاذ لمصر.. أم إحباطاً لأكبر صفقة جيوسياسية في القرن الحادي والعشرين؟
دعونا نتحدث اليوم بلغة مغايرة، ونطرح رؤية قد تبدو صادمة للبعض، لكنها تقرأ الواقع الجيوسياسي بوضوح؛ إن الاختزال الشائع لثورة 30 يونيو في كونها “إنقاذاً لمصر من حكم فصيل” هو قراءة قاصرة ومجحفة بحق هذا الحدث التاريخى .
الحقيقة المكتومة هي أن 30 يونيو لم تنقذ القاهرة وحسب، بل أحبطت أكبر “صفقة استثمارية جيوسياسية” في القرن الحادي والعشرين، كانت تستهدف إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وتصفية القضية الفلسطينية عبر بوابات سيناء .
الصراخ الدولي والإقليمي الذي تلا الثورة لم يكن متباكياً على ديمقراطية غائبة، بل كان عويلاً على “مليارات الدولارات ومخططات استخباراتية” دُفعت لسنوات طوال لتهيئة مناخ “الفوضى الخلاقة” وتقسيم المقسم.
لقد كانت هناك قوى دولية وإقليمية تترقب اللحظة التي تسقط فيها المؤسسات الأمنية والعسكرية المصرية، لتبدأ عملية المقايضة الكبرى وتأسيس “إمارات متطرفة” على الحدود الاستراتيجية تكون بمثابة الوطن البديل
مصر لم تعبر نفقاً مظلماً، بل هدمت النفق فوق رؤوس صانعيه: إن ما جرى في 30 يونيو لم يكن مجرد عبور لأزمة داخلية، بل كان قراراً سيادياً مصرياً بإنهاء صلاحية مشروع دولي كان يُراد له أن يسود المنطقة لقرون.
جيش مصر لا يصنع السياسة، بل يصنع الإطار الذي يحميها: في 30 يونيو، أثبتت العسكرية المصرية أن القوة المسلحة ليست أداة قمع، بل هي “صمام الأمان والردع الاستراتيجي” الذي يمنع العبث بالدولة الوطنية، ويعيد صياغة معادلات القوة الإقليمية في البحر المتوسط والشرق الأوسط.
الأمن القومي لا يُشترى بالمهادنة، بل يُفرض بالسيادة وبتر جينات الإرهاب: إن المقاربة الأمنية المصرية الشاملة، التي جمعت بين تطهير الأرض في سيناء وتشييد البنية التحتية واللوجستية، أثبتت للعالم أن الاستقرار لا يأتي بالمسكنات السياسية، بل باستئصال الأورام الفكرية والتنظيمية من جذورها.
ختاماً، إن الوعي هو سلاحنا الأول والأقوى. وعلى الأجيال الحالية والقادمة أن تدرك أن استهداف مصر لم ينتهِ، بل تحول من المواجهة العسكرية المباشرة إلى حروب الشائعات وتزييف الوعي والضغط الاقتصادي.
إن الحفاظ على مكتسبات 30 يونيو ليس مجرد احتفال بالماضي، بل هو فرض عين لتأمين المستقبل وفرض السيادة المصرية على كل شبر من هذا الوطن العظيم.

