مقالات
د. إيناس عبد العزيز تكتب: في جمهورية الترند العظمى.. حين تصبح الركبة قضية أمن قومى

في جمهورية الترند العظمى لا تحتاج إلى جريمة مكتملة الأركان، ولا إلى ملف فساد، ولا حتى إلى خبر مهم.. كل ما تحتاجه فيديو قصير، انفعال، وصوت عالي والباقي تتكفل به الجماهير.
آخر الإصدارات: فتاة داخل المترو، رجل مسن ينفعل ويصرخ: «أنتوا ما بتحترموش حد؟!»، فترد الفتاة بلا تردد: «وأنت مالك ومالي.. شاهدين أنا كلمتك».. المشهد كله لا يتجاوز دقائق، لكنه في عالم الترند عاش أيامًا، وتمدد، وتكاثر، وأنجب آلاف الأحكام والاتهامات والنظريات.

من واقعة عابرة إلى أزمة قومية
في الواقع الطبيعي، كان المشهد سينتهي بنزول أحد الطرفين من العربة أو تدخل موظف مترو.. لكننا لا نعيش في واقع طبيعي نحن نعيش في جمهورية الترند، هنا الانفعال يصبح قضية أخلاقية والرد يصبح بيان تمرّد والركبة تتحول إلى رمز والعجوز يتحول إلى مشروع قضية ثقافية .
وفجأة لم يعد السؤال: ماذا حدث؟.. بل: من نجلده اليوم؟
الترند لا يحب التفاصيل
الترند كائن كسول: لا يقرأ، لا يسمع، لا ينتظر.
الترند يعيش على: ” مقطع مبتور– عنوان مشتعل– جملة واحدة خارجة من السياق “.
“أنتوا ما بتحترموش حد؟!”جملة تقال يوميًا في الشارع، في الطوابير، في البيوت.. لكن حين خرجت من فم رجل مسن أمام كاميرا.. تحولت إلى شرارة حرب رقمية.
العجوز من راكب مترو إلى رمز متنازع عليه
في دقائق أصبح عند البعض متحرشًا لفظيًا، وعند آخرين حارسًا للقيم، وعند فريق ثالث تجسيدًا لعصر الوصاية.. لا أحد سأل: هل هو غاضب؟- هل أساء؟ -هل تجاوز؟ -هل أخطأ في الأسلوب؟ .
الترند لا يسأل.. الترند يحكم فورًا.
الفتاة من مواطنة إلى أيقونة
الفتاة بدورها لم تعد شخصًا عاديًا تحولت إلى “صورة كفر– مادة جدل– ووسم مشتعـل”.. لم يعد أحد مهتمًا بإنسانيتها، بل بدورها في الخناقة.
الترند لا يرى بشرًا.. يرى رموزًا قابلة للاستهلاك.
الواقعة ليست الأولى.. ولن تكون الأخيرة
قبل المترو كان هناك انفعال فنان في مناسبة عامة، ومداخلة إعلامية خرجت عن السيطرة، ومشهد عابر تحوّل إلى قضية كبرى.. كلها وقائع متفرقة، لكن الرابط واحد الهوس المرضي بالترند.
كل حدث صغير يُنفخ فيه حتى ينفجر، ثم يُترك ليُنسى مع أول فيديو جديد.
شعب كامل في دور القاضي
فجأة أصبح الجميع خبراء أخلاق، وعلماء نفس، وقضاة محكمة القيم وحراس الفضيلة.. لا تحقيق، لا سياق، لا عقل ، فيديو 20 ثانية يكفي لإصدار حكم بالإعدام الأدبي.
الترند لا يبحث عن عدل… يبحث عن صراخ
لو فهمنا الواقعة التفاعل يقل، لو هدينا؟ الترند يموت.. لذلك يفضل الترند: ” الاستقطاب -الشتيمة- التقسيم الحاد”: مع أو ضد الحقيقة لا تصلح للترند لكن الخناقة تصلح جدًا.
⸻
الخطر الحقيقي
الخطر ليس في فتاة جلست بطريقة ما، ولا في رجل مسن فقد أعصابه، ولا في فنان انفعال، ولا في إعلامي صوته علي.. الخطر أن عقولنا أصبحت تعمل بمنطق التايم لاين:– رد فعل سريع– غضب جاهز– وحكم نهائي بلا تفكير .
القضايا الحقيقية تُدفن، والتفاهة تتصدر.
الخاتمة: حكم جمهورية الترند
في جمهورية الترند العظمى:
- – الواقعة أهم من الحقيقة
- – الفيديو أهم من السياق
- – الصوت العالي أهم من العقل
اليوم ركبة في المترو، غدًا جملة في برنامج، وبعده انفعال عابر.. والنتيجة واحدة: ضجيج بلا وعي…