أخبار

احذروا المخدرات

بقلم: د. ياسر جعفر

المخدرات فيروس وبائي خطير، يتسلل إلى المخ ليدمر خلاياه، كما تسبب سرطان الجهاز التنفسي. هي سلاح من “صناعة الأعداء والخونة” الذين يسعون لدمار المجتمعات وشبابها؛ حيث تُصنَّع هذه الآفات كيميائياً خصيصاً لهلاك العقول والأبدان.

إنَّ آثار المخدرات التدميرية لا تتوقف عند الصحة فحسب، بل إنَّ أكبر نسبة من حوادث الطرقات وإزهاق دماء الأبرياء سببها غياب الوعي الناتج عن التعاطي. كما تساهم في ارتفاع معدلات الجرائم، وتفكك الأسر، وانهيار الاقتصاد، واضطراب أمن الشوارع. وتتعدد صور هذا الداء وتتلون، ما بين “بودرة”، أو “شراب”، أو “أقراص”، وغيرها من السموم.

ولذلك، حذرنا الدين الإسلامي من خطر المخدرات والمسكرات بكل أنواعها؛ ففي الحديث الشريف الذي رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: “كلُّ مخمَّرٍ خمرٌ، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ، ومن شرب مسكراً بخستْ صلاتُه أربعين صباحاً، فإن تاب تاب اللهُ عليه، فإن عاد الرابعةَ كان حقاً على اللهِ أن يَسْقِيَه من طينةِ الخَبالِ. قيل: وما طِينةُ الخَبالِ يا رسولَ اللهِ؟ قال: صديدُ أهلِ النارِ، ومن سقاه صغيراً لا يعرفُ حلالَه من حرامِه كان حقاً على اللهِ أن يَسْقِيَه من طِينةِ الخَبالِ”. (المصدر: صحيح أبي داود).

كان المُحرَّمُ من الخمر في أوَّل الأمر أنواعاً بعينها، ثمَّ حرَّم الله عزَّ وجلَّ كُلَّ ما يُسبِّب الإسكار؛ وفي ذلك يقول النَّبيُّ ﷺ: “كُلُّ مُخَمِّرٍ خَمْرٌ”؛ أي كُلُّ ما يُخَمِّر العقل ويُغيِّبه هو في حُكم الخمر المحرَّم، أو كُلُّ ما تمَّ تخميره من الأشربة حتَّى صار مُسكراً فهو حرام.

وقوله ﷺ: “وكُلُّ مُسْكِرٍ حرامٌ”؛ تأكيد على أنَّ التَّحريم لا يقع على نوع بعينه كالعنب، بل على عموم ما يُصنع منه الخمر والمُسكرات والمخدرات. ثم حذر ﷺ من عاقبة ذلك بقوله: “ومَنْ شرِب مُسكراً” -أي بمجرَّد شُربه ولو لم يصل لحد الإسكار- “بُخِسَتْ صلاتُهُ”؛ أي نُقِصت وحُرِم ثوابها لمدَّة “أربعين صباحاً”.

فإن ندِم العبد ورجَع إلى الله وعزم على عدم العودة “تاب اللهُ عليه” وقبل منه توبته. أمَّا من أصرَّ واستكبر حتى “عاد الرَّابعة”، فقد قال ﷺ: “كان حقاً على الله” -أي جزاؤه المحتوم في الآخرة- “أنْ يَسقيَهُ من طينةِ الخَبالِ”. ولما سُئل ﷺ عنها قال: “صَديدُ أهلِ النَّارِ”؛ وهو ما يسيل من جروح وقروح أهل النار، والخَبالُ في الأصل هو الفساد الذي يصيب الأبدان والعقول.

ولم يتوقف التحذير عند تعاطي الشخص بنفسه، بل شمل إفساد الآخرين؛ حيث قال ﷺ: “ومَنْ سقاه صغيراً لا يَعرِف حلالَهُ من حرامِهِ” -أي من غرر بصبِيٍّ صغير وأسقاه هذه السموم- “كان حقاً على اللهِ أنْ يَسقيَهُ من طينةِ الخَبالِ”.

وفي هذه الأحاديث تشديدٌ بالغ في تحريم كل ما يُسكر، وترهيبٌ شديد من عاقبته، وتأكيدٌ على أنَّ المتسبب في الإثم كفاعله. وفي الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ النبي ﷺ قال: “كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، ومَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا فَماتَ وهو يُدْمِنُها لَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ”. (صحيح مسلم).

إنَّ حُرمة المسكرات والمخدرات من أشد الحرمات؛ لأنها تذهب بالعقل الذي هو مناط التكليف. لذا، ينبغي على ولاة الأمر إيقاع القصاص على كل من يتاجر بهذه السموم؛ فالمفسد في الأرض تنطبق عليه آية الحرابة: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (المائدة: 33). فينبغي تطبيق هذه العقوبة على كل من تسول له نفسه العبث بعقول الشباب، سواء بالاتجار أو بتسهيل دخولها إلى بلاد المسلمين.

وقد أكدت الشريعة على هذا الوعيد، ففي الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال ﷺ: “كلُّ مُسكرٍ حرامٌ، وإنَّ على اللهِ لَعهداً لمن شرب المسكرَ أن يَسقِيَه من طينةِ الخَبالِ؛ عَرَقُ أهلِ النَّارِ”. (صحيح الجامع).

إنَّ عواقب المخدرات تدميرٌ للنفس والأسرة والمجتمع؛ فهي فيروس ينخر في نخاع الأمة، وهي من الجرائم العظيمة والكبائر المهلكة؛ فما وقع أحد في شباكها إلا دمرته، ولا انتشرت في مجتمع إلا أحاط به الشر، ووقعت فيه مفاسد يعجز عن علاجها العقلاء. وكيف لا وهي “أم الخبائث”؟ كما قال النبي ﷺ: “اجتنبوا الخمر؛ فإنها أم الخبائث”، وفي رواية أخرى: “اجتنبوا الخمر؛ فإنها مفتاح كل شر”. وأوصى النبي ﷺ أبا الدرداء رضي الله عنه بقوله: “ولا تشرب الخمر؛ فإنها مفتاح كل شر”.

والمخدرات في حقيقتها أعظم ضرراً من الخمر؛ لذا فهي مُحرمة أشدَّ التحريم، ومفاسدها كثيرة ومتشعبة؛ منها ما عرفه الناس، ومنها ما لم يُكتشف بعد. وقد حرمها الله ورسوله ﷺ بجميع أنواعها؛ سواء كانت نباتاً، أو حبوباً، أو مطعوماً، أو مشروباً، أو استنشاقاً، أو عَبْرَ الحقن (الإبَر).

لقد شددت الشريعة في الزجر عنها لما تسببه من تدمير يحوّل المتعاطي إلى “إنسان شرير” يُتوقَّع منه الإفساد والجريمة ولا يُرْجى منه خيرٌ؛ ولذلك نادى عقلاء العالم بضرورة إنقاذ المجتمعات من وَيْلاتها لما خلفته من كوارث. أما أضرارها على الفرد والمجتمع فلا تُحصى، ومن أبرزها:

أولاً: ذهاب العقل؛ وهو ميزة الإنسان عن البهائم، فمن فَقَد عقله أقدم على أبشع الجرائم وتخلى عن أسمى الفضائل.

ثانياً: مسخ الطبائع؛ حيث تتبدل طبائع الإنسان وتُمخ إلى “شيطان” يتخلى عن صفات الصالحين.

ثالثاً: السفه في التصرف؛ فيقوده الشيطان إلى كل رذيلة، ويفعل ما يضره ويترك ما ينفعه.

رابعاً: فساد التدبير؛ فيفقد الفكر الصحيح والرأي السديد، ويُحجب عن عواقب الأمور، فلا ينظر إلا إلى “لذة الساعة” التي هو فيها، وإن كان فيها هلاكه وحتفه.

خامساً: فقدان الأمانة؛ حيث يفرط فيما يجب حفظه ورعايته، فلا يُؤمن على مصلحة عامة، ولا على مال أو عمل، بل لا يُؤمن حتى على محارمه وأسرته؛ لأن المخدرات قد أفسدت عليه إنسانيته -والعياذ بالله-.

سادساً: التحول إلى عالة؛ حيث يصبح المتعاطي عِبئاً ثقيلاً على المجتمع، لا يقدم خيراً ولا يفلح في مهمة تُسند إليه.

سابعاً: النبذ الاجتماعي؛ فيصير المتعاطي منبوذاً ومكروهًا حتى من أقرب الناس إليه، لفقدانهم الثقة فيه وفي تصرفاته.

ثامناً: تبديد الأموال؛ فالمتعاطي يهدر ماله فيما يضره، وبسبب عدم قدرته على الكسب الشريف، يلجأ غالباً إلى طرق إجرامية لتوفير ثمن السموم؛ نسأل الله العافية.

تاسعاً: الانهيار الصحي؛ فتتدهور الصحة العامة، ويقع في أمراض مستعصية تُسلِم صاحبها إلى الهلاك والموت المحقق.

عاشراً: فقدان المروءة؛ حيث تؤدي إلى فقدان معاني الرجولة، والميل إلى الفجور، وتهتك الأسر سواء من جانب الرجل أو المرأة.

حادي عشر: قِصر العمر وتدمير البدن؛ لما تسببه من فتك بأجهزة الجسم الحيوية، وما يعتري صاحبها من هموم واكتئاب يقودانه إلى نهاية مأساوية.

وختاماً، فإن من أخطر أضرارها تسلط الشياطين على متعاطيها، وبُعد ملائكة الرحمة عنه، حتى تورده موارد الهلاك في الدنيا والآخرة؛ قال الله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الزخرف: 36 – 39].

ثاني عشر: حلول اللعنة؛ حيث تحلُّ اللعنة على متعاطي هذه السموم ما لم يتب؛ لقوله ﷺ: “لعن اللهُ الخمرَ وشاربَها وساقيَها، وعاصرَها ومعتصرَها، وحاملَها والمحمولةَ إليه، وبائعَها ومبتاعَها”. وفي الحديث أيضاً: “من شرب حسوةً من خمرٍ لم يقبل اللهُ منه ثلاثة أيام صَرْفاً ولا عَدلاً، ومن شرب كأساً لم يقبل الله صلاته أربعين صباحاً، ومُدمن الخمر حقٌّ على الله أن يسقيه من نهر الخبال. قيل: يا رسول الله، وما نهر الخبال؟ قال: صديدُ أهل النار”. (رواه الطبراني).

ثالث عشر: الحرمان من الجنة؛ فقد ورد عن النبي ﷺ قوله: “ثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: مدمنُ الخمر، وعابدُ وثن، والديوث”. وبما أن المخدرات أعظم ضرراً من الخمر، فإن النهي والوعيد الوارد في الخمر يشمل المخدرات من باب أولى.

رابع عشر: انهيار المجتمع وأمنه؛ فمن أضرارها المجتمعية فُشُوُّ الجرائم المتنوعة، وانتشار الفواحش والمنكرات، وضياع الأسر وانحراف الناشئة؛ لأنهم بفقدان العائل الصالح يسلكون طُرق الغواية والضياع.

خامس عشر: نزول العقوبات والفتن؛ فمن أضرار المخدرات على المجتمع استحقاق العقاب الإلهي؛ قال الله تعالى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25].

سادس عشر: الصد عن سبيل الله؛ ومن أعظم مضارها ثِقَل الطاعة وكراهيتها، وبُغض الصالحين والنفور من مجالستهم، والبعد عن مجالس الذكر ومواطن العبادة، مقابل حب الجرائم وإلف المعاصي ومصاحبة الأشرار.

مخططات شياطين الإنس:

إنَّ المخدرات يزرعها ويصنعها ويصدرها شياطين الإنس؛ ليحققوا مقصدين خبيثين:

المقصد الأول: إفساد المجتمعات؛ حتى لا يفكر المتعاطي إلا فيما تهتم به البهائم، وإذا فشا هذا الداء في مجتمع ولم يُحارَب، فقد “تُوُدِّعَ منه” وأصبح أثراً بعد عين.

المقصد الثاني: كسب المال الحرام؛ وبئس الكسب هو، فالمال المكتسب من المخدرات والمسكرات لا خير فيه ولا بركة، بل هو سمٌّ يفسد القلب، ويدمر البيوت، ويشتت الأسر، ويورث الخزي والعار وانقطاع النسل.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90، 91].

وفي الحديث الصحيح عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ -وأَهْوَى النُّعْمَانُ بإصْبَعَيْهِ إلى أُذُنَيْهِ-: «إنَّ الحَلَالَ بَيِّنٌ، وإنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وبيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، ومَن وقَعَ في الشُّبُهَاتِ وقَعَ في الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فِيهِ، ألَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا وإنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ».

هذه الآيات الكريمة والحديث الشريف يؤكدان على أهمية اجتناب المحرمات والشبهات، والسعي فيما يرضي الله تعالى لينال الإنسان الفلاح في الدنيا والآخرة.

ويسعى هؤلاء لإفساد سلوك أبناء الأمة، وتحطيم أخلاقهم، وتخريب طباعهم.

وبين فينة وأخرى، نسمع أنباءً تثلج الصدور عن ضبط الأجهزة الأمنية لمهربين، والإيقاع بشبكات مروجين مفسدين، كانوا يُعدُّون عُدَّتهم لإغراق البلاد بشرِّ ما يجدون من أنواع المخدرات، وغزوها بأشكال المسكرات؛ لتجتمع على هذه البلاد المباركة الأيدي الآثمة، سعياً للنيل من دينها، وإفساد عقول شبابها.

فالحذر كل الحذر من هذه السموم، والوقوف صفاً واحداً مع حماة الوطن هو الواجب الشرعي والوطني لحماية “الأمن القومي” وصيانة عقول الأجيال.

 

زر الذهاب إلى الأعلى