
قال تعالى: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} [المؤمنون: 110].
لم يكن جرمكم مقتصرًا على الكفر فحسب -وهو جرم عظيم- بل تجاوزتم ذلك بسفهكم وتوقحكم بالسخرية ممن آمنوا، وراحوا يرجون غفران ربهم ورحمته؛ فكنتم تضحكون منهم حتى شغلكم هذا الهذر عن ذكر الله، وباعد بينكم وبين التدبر في دلائل الإيمان المبثوثة في صفحات الوجود. فانظروا اليوم أين مكانكم ومكان أولئك الذين كنتم تسخرون منهم وتضحكون: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} [المؤمنون: 111].
إن السخرية بعباد الله الصالحين وأصحاب الدين والخلق الكريم أصبحت، للأسف، نهجًا لبعض السفهاء والمرتزقة. إن السخرية بعباد الله مرض عضال، وشرٌّ ووبال، وداء يفرق القلوب، ويوغر الصدور، ويُذكي نار الفتن؛ إنه داء السخرية والاستهزاء، ذلك المرض الخطير والشر المستطير الذي لا يخلو منه زمان ولا مكان، ولم يسلم من شره أفراد ولا أسر ولا مجتمعات ولا مقدسات.
لقد حرّم الله السخرية والاستهانة بعباده تحريمًا قطعيًا، فقال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11].
لقد وصف الله مَن لم يتب من السخرية ولمز الناس بأنه “ظالم”، فهل يرضيك أيها الساخر أو الناشر للسخرية أن تُوصف بالظلم؟ قال ابن جرير في تفسير الآية: “إن الله عمَّ بنهيه المؤمنين أن يسخر بعضهم من بعض بجميع معاني السخرية، فلا يحل لمؤمن أن يسخر من مؤمن: لا لفقره، ولا لذنب ارتكبه، ولا لغير ذلك”. وقال الله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة: 1]، و”ويل” كلمة وعيد ووبال، وشدة عذاب للذي يهمز الناس بفعله، ويلمزهم بقوله. وقال تعالى: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} [الزمر: 56]. قال ابن كثير رحمه الله في تفسيرها: “أي: إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ”.
«مفهوم السخرية والاستهزاء»
السخرية هي: الاحتقار والاستهانة بالناس، وذكر العيوب والنقائص على وجهٍ يُضحك منه، سواء كان ذلك بالقول، أو الفعل، أو الإشارة، أو الحركة.
(خطورة السخرية والاستهزاء)
ما أقبح هذا الخلق الدنيء، وما أبشع هذه الخصلة الذميمة، التي لا يُصاب بها إلا ذوو العقول المريضة، والقلوب الميتة، والفِطَر المنكوسة. ويكفي هذا الخلق قبحًا وسوءًا أنه من صفات المنافقين؛ فالمنافقون هم أكثر الناس سخريةً بالرسل وأتباعهم، وبما جاءت به الرسل -عليهم السلام- من الحق والهدى؛ قال تعالى في وصفهم: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14]. وفي آية أخرى يقول ربنا سبحانه: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} [التوبة: 64]، فهي سمةٌ بارزة للمنافقين.
(من صور السخرية والاستهزاء)
للسخرية والاستهزاء صور عديدة وأشكال كثيرة، أعظمها قبحًا وجرمًا:
أولاً: الاستهزاء بالله تعالى:
أن يستهزئ المرء بخالقه ومولاه؛ بالكفر به، والتمرد على دينه، والتجرؤ على كتابه، سواء كان ذلك بالاستهزاء بكلامه، أو بدينه، أو بأحكامه، أو برسله، أو بالمؤمنين؛ قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ…} [التوبة: 65-66].
ثانياً: الاستهزاء بعباد الله:
سواء كان ذلك من جهة تمسك أحدهم بالدين، أو الاستهزاء بخلقته لما يراه الساخر فيه من عيوب، أو بسبب ذنبٍ ارتكبه. لذا ينبغي على من رأى مبتلىً ألا يضحك عليه ولا يسخر منه، بل يقول: “الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً”.
«لا تغرنك المظاهر البراقة؛ فكم من جميلٍ في عيون الناس هو قبيحٌ عند الله، وكم من قبيح المنظر في عيون الناس هو جميلٌ عند الله؛ ففي الحديث الصحيح أنَّ النبي ﷺ قال: “إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”. وفي صحيح مسلم: “رُبَّ أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرّه”.
فقد يكون ذلك الفقير الذي يراه الناس وضيعًا ولا قيمة له، ويسخر منه الجميع، ويجعله البعض مادةً للتندر والمزاح؛ ربما يكون عند الله عز وجل أفضل من أهل الأرض قاطبة، ولكنها السخرية والاستهزاء بعباد الله التي أعمت القلوب والعيون عن رؤية هذه الحقيقة.
روى البخاري في “صحيحه” عن المَعْرُورِ بنِ سُوَيْدٍ قال: “لقيتُ أبا ذر بالرَّبذةِ وعليه حُلَّةٌ وعلى غلامِهِ حُلَّةٌ، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببتُ رجلًا فعيَّرتُه بأمه، فقال لي النبي ﷺ: «يا أبا ذر، أعيرتَه بأمه؟ إنك امرؤٌ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم (خدمكم)، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم»”.
أخي المسلم، لا تسخر من أخيك؛ لا في دينه، ولا خلقه، ولا خِلقته، ولا لذنبٍ ارتكبه، بل انصحْه ووجِّهه؛ فالدين النصيحة. أما أن تضحك منه وتجعلَه حديثَ مجالسِك، تتحدث عن سيئاته وعن أخطائه، فليس ذلك من شيم المسلم ولا من أخلاقه؛ ففي “صحيح مسلم” عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “بِحَسْبِ امرئٍ من الشرِّ أن يحقرَ أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه”. أي: يكفي المسلمَ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، وفي هذا تعظيمٌ لإثم احتقار المسلم، وأنه شر عظيم، لو لم يأتِ الإنسانُ من الشر إلا هذا، لكان كافيًا في الإثم والاستحقاق للذم».
«لقد نهى اللهُ عن الاستهزاءِ والسخريةِ؛ لأنها رذيلةٌ من أخسِّ رذائلِ البشرِ، وصفةٌ من أقبحِ صفاتِهم. وهذا الخلقُ الذميمُ يدلُّ
على خسةِ صاحبِه، ولؤمِ طبعِه، وفسادِ نشأتِه، وانحطاطِ مستواهُ الأخلاقي.
إنَّ الاستهزاءَ والسخريةَ صفةٌ من صفاتِ الشيطانِ الرجيمِ؛ إذ أمرَه اللهُ بالسجودِ لآدمَ -عليه الصلاةُ والسلامُ- فأبى وامتنعَ مستهزئًا بآدمَ قائلًا: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]. فاستحقَّ بهذا الاستهزاءِ أن يكونَ مطرودًا مرجومًا ملعونًا، محرومًا من الجنةِ، خالدًا مخلدًا في النارِ وبئسَ المصيرُ.
والاستهزاءُ أيضًا صفةٌ من صفاتِ اليهودِ الذين قالوا عن خالقِهم ورازقِهم سبحانه: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} [المائدة: 64]. كما قالوا عن الملائكةِ -ومنهم جبريلُ عليه السلام- بأنهم أعداءٌ لهم، واستهزؤوا بموسى -عليه الصلاةُ والسلامُ- واحتقروه، لكنَّ اللهَ نصرَه عليهم.
والاستهزاءُ كذلك من صفاتِ الكفارِ؛ حيث سَخِروا من نوحٍ -عليه الصلاةُ والسلامُ- ومن غيرِه من الأنبياءِ. وهو أيضًا صفةٌ من صفاتِ المنافقينَ؛ حيث كانوا يستهزؤونَ بالرسولِ ﷺ وأصحابِه، فنزلَ القرآنُ يفضحُهم: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65-66].
عبادَ اللهِ، لقد شددَ الإسلامُ في هذا البابِ أعظمَ التشديدِ، ومنعَ من التعرضِ للآخرين بالسخريةِ والاستهزاءِ بأيِّ لونٍ أو شكلٍ مهما كان يسيرًا. ويكفينا ما جاءَ عن عائشةَ -رضي الله عنها- قالت: (قلتُ للنبيِّ ﷺ: حَسْبُكَ من صفيَّةَ كذا وكذا -تعني قصيرةً- فقال: لقد قُلتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ) [رواه أبو داود والترمذي]».




