دكتور ياسر جعفر يكتب: تنبؤات الرسول لمن يحكمون في آخر الزمان!!

الرسول -صلى الله عليه وسلم- “لا ينطق عن الهوى”؛ فرسولنا محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو المبيّن للقرآن، والموضِّح لمقاصده وآياته، قال الله -جل ذكره-: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل:44].
وأوجب الله -سبحانه- النزول على حكم نبيه في كل اختلاف: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ
فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) [النساء:65].
وأخبر -سبحانه- أن طاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- طاعة له -سبحانه-، فقال -جل وعز-: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ) [النساء: 80]، وقال تعالى: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) [النور: 54]، أي: إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنة الله ورضوانه. وقال -سبحانه-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الحشر:7].
وتنبأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- بمن “يحكمون في آخر الزمان” على مستوى العالم، سواء أكانوا رؤساء دول أم رؤساء شركات أم في الوزارات؛ هؤلاء أشخاص صفاتهم “الخبث والمكر والخداع والطمع وخلل في التفكير”!! ففي الحديث: “لا تقومُ الساعةُ حتى يكونَ أسْعَد الناسِ بالدُنيا، لَكِعٌ ابن لَكِعٍ”.
الراوي: حذيفة بن اليمان | المحدث: الترمذي | المصدر: سنن الترمذي | الصفحة أو الرقم: 2209 | خلاصة حكم المحدث: حسن غريب.
وفي رواية أخرى: “لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يَكونَ أسعدَ النَّاسِ بالدُّنيا لُكَعُ ابنُ لُكَعٍ”.
[الراوي: حذيفة بن اليمان | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الترمذي | الصفحة أو الرقم: 2209 | خلاصة حكم المحدث: صحيح].
وفي هذا الحديثِ يُبيِّن النبيُّ -صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم- أنَّه في “آخرِ الزَّمانِ” وقبلَ قيامِ القيامةِ، يَسودُ مَن “ليس بأهلٍ للقِيادةِ والحُكمِ”؛ فيَكونُ هو الممكَّنَ في الأرضِ السَّعيدَ فيها، وهذا مِن “تبَدُّلِ الأحوالِ وتَغيُّرِها” إلى الفسادِ والشَّرِّ؛ فيقولُ: “لا تقومُ السَّاعةُ”، أي: يوم القيامة لن يأتيَ “حتَّى يكونَ أسعَدَ النَّاسِ بالدُّنيا”، أي: يكونَ أكثرَ النَّاسِ سَعادةً ومالاً، وأطيبَهم عَيْشاً، وأرفَعَهم مَنصباً، وأنفَذَهم حُكماً، فهذه الأربعُ هي “جماعُ الدُّنيا”.
“لُكَعُ ابنُ لُكعَ”، أي: “لئيمٌ ابنُ لئيمٍ”، والمعنى: مَن لا يُعرَفُ له أصلٌ، ولا يُحمَدُ له خُلُقٌ، فهو وصفٌ يُطلَقُ على “الحُمقِ والذَّمِّ”، وقيل: إذا نُودي به الكبيرُ، فالمقصود به “الصَّغيرُ في العِلمِ والعقلِ”.
وفي الحديثِ: إخبارُ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم- بما سيحدثُ لاحقاً في “آخرِ الزَّمانِ”، وهو مِن “دَلائلِ نُبوَّتِه”، وفيه أيضاً “انقلابُ الأحوالِ” في آخرِ الزَّمانِ.
وإنَّ مِن “انقلابِ الأحوالِ” تأخُّر “أبناءِ الأصولِ” والمتميزين وأصحاب الفكر الرائد، وتقدُّم “الخُبثاء” أصحاب المكر والفساد؛ حتى يصبحوا هم “أرباب المناصب والأموال”، وتنعكس أفكارهم الهدامة على الشعوب في جميع الأعمال وعلى جميع الأصعدة. هؤلاء هم “لُكعُ بنُ لُكعَ”؛ “اللئيم، الخبيث، الوضيع، المنحط، الخسيس، الدنيء”، الذي لا يُعرَفُ أصلُه، ولا يُحمَد خُلُقه، والذي لا يُهتمُّ به لحقارته، ومع ذلك يكون “رأساً في الرؤوس”.
إنها نبوءة من نبوءاته -صلى الله عليه وسلم- وهو يصف لنا “تغيُّر الزمان”، الذي تعلو فيه “السِّفلة والأراذل”؛ زمانٌ يَسُود فيه الباطل، ويتمكن فيه الأشرار، زمانٌ يُرفَع فيه الفُجار، ويُلقَّب فيه “السفهاء” بألقاب الكبار، وتُعقَد لهم المجالس، وتُرفَع لهم الرايات.
وعند الحاكم والطبراني وغيرهم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: ((والذي نفس محمد بيده، لا تقوم الساعةُ حتى يظهَرَ الفُحش والبخلُ، ويُخوَّن الأمينُ، ويؤتمن الخائنُ، ويهلِكُ الوعول، وتظهر التحوت))، قالوا: يا رسول الله، وما الوعول والتحوت؟ قال: ((الوعول: وجوهُ الناس وأشرافُهم، والتحوت: الذين كانوا تحت أقدام الناسِ، لا يُعلَم بهم)). فشتان بين “البيوتات الصالحة”، و”البيوتات الغامضة”!
ولك -أيها المسلم- أن تعرف هذا الصِّنف من الناس “بعلامتهم الظاهرة”، وهي فسادُهم وإفسادهم؛ فأينما وجدتَ خراباً، وحيثما وجدت فساداً، وأينما رأيت إجراماً في الأمة، فاعلم أن “لُكَعَ وأبناءَه” قد “فرَّخوا” هناك. قال ربنا -جل وعلا-: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]؛ هذه طبيعته، وتلك سجاياه، وكلٌّ يعمل بطبعِه؛ فلا تتوقَّع من “مجرمٍ” إصلاحاً، ولا تتصوَّر من “مفسدٍ” بناءً.
يُحكى أن “عقرباً” أراد أن يعبر النهر من ضفة إلى أخرى، فقال لـ”ضفدع”: “احمليني على ظهرِك”، فقالت الضفدع: “كيف آمنك وآمن لدغتك؟”، فقال العقرب: “إن لدغتُكِ في وسط النهر، غرقنا أنا وأنت معاً”. فتعجبت الضفدع من “منطق العقرب” وانبهرت من “فلسفته”، فحملتْه على ظهرها، وبينما هما في وسط النهر، إذ تململ العقرب فلدغ الضفدع؛ فغرقَت وغرق العقرب معها. وبينما هما في تلك الحال، نظرت الضفدع إلى العقرب بعين متسائلة: “ما الذي دعاك إلى فعلتِك؟”، فقال لها: “اعذِريني، فالطَّبعُ يغلبُ التطبُّع”.
إننا نعيش “زمان الغربلة”، الذي قال فيه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ((كيف بك يا عبد الله إذا بقيتَ في حُثالة من الناس؟))؛ إننا نعيش في زمان تغيَّرت فيه المفاهيم، وتسيَّد فيه الجهَّال، وضاعت فيه الأمانات. فقد أخرج البيهقي في “شعب الإيمان”: “أن بنت أبي قحافة فقدتْ طوقاً لها يوم الفتح، فأخبَرت أخاها أبا بكرٍ الصِّديقَ -رضي الله عنه- فتلمَّسه عند الناس فلم يجِدْه، فقال لها: يا أخيَّة، احتسبي طوقَك، إننا في زمان قلَّت فيه الأمانة”. رضي اللهُ عنك أيها الصِّديق وأنت تصفُ ذلك الزمان بقلة الأمانة، فكيف لو أدركتَ زماننا؟
لقد تبدَّل الزمان، وتغيَّر الحال، و”استأسد الهِرُّ”، وعلت “الرِّمم على القمم”، وارتفعت “الأذناب على الذوائب”. ورضي الله عن عائشة يوم أن تمثَّلت ببيت شعرٍ لـ”لبيد”، والأثرُ رواه هشام عن عروة عن عائشة أنها تمثلت بقوله:
ذهَب الذين يُعاشُ في أكنافِهم
وبَقِيتُ في خَلْفٍ كجِلدِ الأجربِ
ورغم ذلك، فإن الخير في الأمة باقٍ إلى قيام الساعة كما أخبر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، وإن العاقبة للمتقين، وإن النصرَ مع الصبر، وإن مصير “لُكَعَ” ومن معه إلى زوال؛ فقد قال الله -عز وجل- عنهم: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: 45]؛ فالله -جل في علاه- لا يُحبُّ المفسدين.
هذا زمانك يا لُكَع
فارتعْ فحسبُك مَن رتَعْ
واغنَمْ مِن اللَّذَّات لا
تترُكْ مجالاً أو تدَعْ
ما طار طيرٌ وارتفَع
إلا كما طار وقَعْ

