دين

{وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} ۖ

بقلم: د. ياسر جعفر

يأمر تعالى عباده بالإيمان به وبرسوله وبما جاء به، وبالنفقة في سبيله من الأموال التي جعلها الله في أيديهم واستخلفهم عليها؛ أمرٌ من مالك الملك -سبحانه وتعالى- لينفق المقتدر على المحتاج، وينفق الغني على الفقير. وصاحب الأموال ليست ملكه، الله استخلفه عليها وهو مبتلى فيها؛ فكل صاحب مال، هذا المال الله وهبه لك وأنعم عليك به، فلا تبخل على الفقراء والمساكين والمحتاجين والضعفاء، واحذر من فتنة المال، واحذر أن يتلاعب بك الشيطان بعدم الإنفاق والتصدق. السعادة كل السعادة حينما تسعد المحتاجين والفقراء والمرضى، هذه جنتك في الدنيا والآخرة.

واعلم أن الله استخلفك على هذه الأموال لينظر كيف تعملون، ثم لما أمرهم بذلك، رغبهم وحثهم عليه بذكر ما رتب عليه من الثواب، فقال: {فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا}؛ أي: جمعوا بين الإيمان بالله ورسوله، والنفقة في سبيله، لهم أجر كبير، أعظمه [وأجله] رضا ربهم، والفوز بدار كرامته، وما فيها من النعيم المقيم، الذي أعده الله للمؤمنين والمجاهدين.

وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة: (قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: يا ابْنَ آدَمَ أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ. وقالَ: يَمِينُ اللهِ مَلأَى، -وقالَ ابنُ نُمَيْرٍ مَلآنُ-، سَحّاءُ لا يَغِيضُها شيءٌ اللَّيْلَ والنَّهارَ) “صحيح مسلم”.

وفي رواية: (قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ. وقالَ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى، لا تَغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ والنَّهارَ. وقالَ: أرَأَيْتُمْ ما أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ؟! فإنَّه لَمْ يَغِضْ ما في يَدِهِ، وكانَ عَرْشُهُ علَى الماءِ، وبِيَدِهِ المِيزانُ يَخْفِضُ ويَرْفَعُ) “صحيح البخاري”.

حَثَّ الإسلامُ على الصَّدَقةِ والإنْفاقِ في سَبيلِ اللهِ، وبيَّنَ أنَّ ما يُنفِقُه الإنسانُ عائِدٌ عليه أضْعافًا مُضاعَفةً في الدُّنيا والآخِرةِ، وأنَّ ما عِندَ اللهِ أبْقَى ممَّا يدَّخِرُه الإنسانُ لِنَفسِه.

ويُبيِّنُ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- في هذا الحديثِ القُدسيِّ أنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- قال: «أَنفِقْ أُنفِقْ عليكَ». والإنفاقُ يكونُ بإخراجِ المالِ وغيرِه من اليَدِ، وقد يكونُ واجبًا وتطَوُّعًا، والكُلُّ مطلوبٌ. وقَولُه: «أُنفِقْ عليك»؛ أي: أعوِّضْه لك، وأُعطِك خَلَفَه، بل أكثَرَ أضعافًا مضاعَفةً، وهو معنى قَولِه -عزَّ وجَلَّ-: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ: 39].

والخِطابُ هنا يصِحُّ عامًّا لكُلِّ بني آدَمَ، كما في روايةِ مُسلمٍ: «يَا ابْنَ آدَمَ»؛ ويمكِنُ أن يكونَ للنبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- كما في روايةِ مُسلمٍ الأُخرى: «إنَّ اللَّهَ قَالَ لِي»، ويكونُ تخصيصُه -صَلَواتُ اللهِ وسلامُه عليه- لكَونِه رأسَ النَّاسِ، فتوَجَّه الخِطابُ إليه ليعمَلَ به ويبَلِّغَ به أمَّتَه.

ثمَّ قال النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «يَدُ اللهِ مَلأى»؛ أي: شديدةُ الامتِلاءِ بالخَيرِ والعَطاءِ، «لا تَغِيضُها»؛ أي: لا تَنقُصُها «نفَقةٌ» مهما عَظُمَت أو كَثُرت، بل هي «سَحَّاءُ اللَّيلَ والنَّهارَ»؛ أي: كثيرةُ العَطاءِ في كُلِّ الأوقاتِ؛ فهو سُبحانَه لا يَنقُصُه الإنفاقُ، ولا يُمسِكُ خَشيةَ الفَقرِ كابنِ آدَمَ. وصِفةُ اليدِ هنا مُثبَتةٌ لله -سُبحانَه- كما ورَدَت، وعلى الوَجهِ الذي يليقُ بجَلالِه دونَ تشبيهٍ، أو تعطيلٍ، أو تكييفٍ.

وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أرَأَيْتُمْ ما أَنْفَق»؛ أي: هل عَلِمتُم الذي أنفَقَه اللهُ سُبحانه منذُ خَلَق السَّماءَ والأرضَ؟! إذا عَلِمْتُم حقيقتَه وكثرتَه وسَعَتَه «فإنَّه لم يَغِضْ»؛ أي: لم يَنقُصْ ما في يَدِه شيئًا. ثم أخبر النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- أنَّ اللهَ سُبحانَه «كان عَرْشُه على الماءِ» منذُ الأَزَلِ، والمُرادُ بالعَرشِ: عَرشُ الرَّحمنِ الذي استَوى عليه جَلَّ جَلالُه، وهو أعلى المَخلوقاتِ وأكبَرُها وأعظَمُها، «وبيدِه المِيزانُ» فيَحكُمُ بالعَدلِ بين خَلْقِه «يَخْفِضُ» مَن يَشاءُ، «ويَرفَعُ» مَن يَشاء. وأئمَّةُ السُّنَّةِ على وُجوبِ الإيمانِ بهذا الحديثِ وأشباهِه من غَيرِ تأويلٍ، بل يُمِرُّونَه على ظاهرِه كما جاءَ، ولا يُقالُ: كيف.

وفي الحَديثِ: إثباتُ صِفةِ اليَدِ للهِ -سبحانه- على ما يَليقُ بكمالِه وجلالِه.

شهر رمضان على الأبواب؛ أيها المقتدر اطرق أبواب الفقراء والمساكين والمحتاجين ولا تتردد، وأنفق وتصدق ولا تخشَ من إنقاص المال بل سيزيد أضعافاً مضاعفة، اطرق أبواب الفقراء فهذه منح كبيرة لك، وبمناسبة دخول شهر رمضان اطرق أبواب المساجد وضع فيها التمر للصائمين لتنال الثواب الكبير.

لا تترك أي باب من أبواب الخير، سترى سعادة في كل شيء.

أنفق بقلب صافٍ ومحب لله ولرسوله وللمؤمنين، واحذر الرياء والنفاق في الإنفاق والتصدق.

ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة: (ما مِن يَومٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ، إلَّا مَلَكانِ يَنْزِلانِ، فيَقولُ أحَدُهُما: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) “صحيح البخاري”.

خَزائنُ الله سُبحانَه لا تَنفَدُ، وقدْ حَثَّ عِبادَه على الإنفاقِ وبَذْلِ الخَيرِ في وُجوهِ البِرِّ، وعدَمِ الإحصاءِ والمحاسَبةِ لِمَا أنفَقوا، ووعدَهم بالإخلافِ بالخَيرِ، والجَزاءِ بالأجرِ العَظيمِ على الإنفاقِ في سَبيلِه.

وفي هذا الحَديثِ يحُثُّ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- على التَّصدُّقِ والإنفاقِ في وُجوهِ الخَيرِ ويُبيِّنُ الجَزاءَ الحَسنَ لذلِك، ويُحذِّرُ مِن البُخلِ والإمساكِ ويُبيِّنُ سُوءَ عاقبتِه؛ فيخبِرُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه ما مِن يومٍ يُصبِحُ العِبادُ فيه إلى قِيامِ السَّاعةِ إلَّا ويُنزِلُ اللهُ ملَكَينِ مِن مَلائكتِه المُكرَّمِينَ في السَّماءِ، يدْعو أحدُهما بأنْ يَعطيَ اللهُ للمُتصدِّقِ المُنفِقِ في وُجوهِ الخيرِ والبِرِّ خَلَفًا وعِوضًا عمَّا أنفَقه وأعطاه، ويدْعو المَلَكُ الآخَرُ بأن يُعطيَ اللهُ للمُمسِكِ البَخيلِ تلَفَ مالِه أو نفْسِه، أو هلاكَه وضَياعَه. ومعلومٌ أنَّ دُعاءَ الملائكةِ مُجابٌ؛ فهذا وعدٌ بالتَّيسيرِ لِمَن يُنفِقُ في وُجوهِ البِرِّ، ووَعيدٌ بالتَّعسيرِ للبخيلِ المُمسِكِ.

يُشير الحديث إلى أن الإنفاق المحمود يشمل الطاعات، الإنفاق على الأهل والضيوف، والتطوع، مع طيب نفس وكسب حلال.

أما الدعاء للمنفق بالخلف في الدنيا أو الآخرة فهو عام، والدعاء بالتلف يحتمل تلف المال أو النفس، ويُقصد به أيضاً فوات أعمال البر [1]. هذا الحديث يحث على الإنفاق في الواجبات مثل النفقة على الأهل وصلة الرحم، ويشمل صدقة التطوع والفرض، كما يدل على أن البخيل يستحق تلف ماله [1].

زر الذهاب إلى الأعلى