
متابعة: مروان محمد
بين عشية وضحاها، تحول هدوء كمبوند “تيجان” بمنطقة البساتين إلى صخب لا ينقطع، ليس بسبب حفل غنائي أو فعالية اجتماعية، بل بسبب “عرض بهلواني” غير مرخص بطله لص مغامر قرر أن يختبر مهاراته في التسلق على واجهات البنايات.
هذه الواقعة التي عرفت إعلامياً بـ “طرزان البساتين”، لم تعد مجرد حادثة سرقة عادية، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية تستوجب التوقف والتحليل.
المشهد الأول: “أكشن” في وضح النهار
في الساعة الثالثة عصراً، وبينما كانت الشمس تتوسط السماء، رصدت أعين سكان الكمبوند خيالاً يتحرك ببراعة مريبة بين الطوابق. لم يكن عاملاً للصيانة ولا منقذاً، بل كان شاباً يرتدي ملابس خفيفة، يتشبث بمواسير الصرف الصحي كأنها خيوط عنكبوتية.
يقول أحد شهود العيان: “ظننا في البداية أنه نسي مفتاحه ويحاول دخول شقته، لكن سرعته في التنقل بين “البلكونات” ونظراته القلقة كشفت المستور.. نحن أمام لص قرر أن يلعب دور البطولة في فيلم سينمائي، لكنه نسي أن الجمهور خلفه يمتلك كاميرات فائقة الجودة”.
البعد الأمني: المقدم أحمد مختار وسيناريو الحصار
لم يستغرق الأمر طويلاً حتى وصلت أصداء المغامرة إلى قسم شرطة البساتين، فقد تحركت علي الفور قوة أمنية بقيادة المقدم أحمد مختار، رئيس المباحث، الذي واجه معضلة أمنية من نوع خاص: كيف يتم القبض على متهم معلق في الهواء دون أن يعرض حياته أو حياة المارة للخطر؟ .
المقدم أحمد مختار أدار المشهد بحنكة، حيث تم تطويق المبنى وتوجيه تعليمات صارمة للأهالي بالابتعاد لضمان عدم ارتباك المتهم وسقوطه.
وبحسب مصادر أمنية، فإن اللص وجد نفسه محاصراً بين “الجاذبية” من جهة، ورجال المباحث من جهة أخرى، ليعلن استسلامه ويهبط من عليائه إلى قبضة القانون، حيث بدأت التحقيقات الرسمية معه بتهمة الشروع في السرقة بأسلوب التسلق.
الرؤية التقنية: الدكتورة إيناس والأمن الرقمي

وفي تحليلها لهذه الظاهرة، تشير الدكتورة إيناس عبد العزيز، خبيرة الأمن الرقمي، إلى أن “طرزان البساتين” وقع في فخ “المراقبة الجماعية”. وتقول الدكتورة إيناس: نحن نعيش عصر (المواطن المخبر)، حيث تحولت الهواتف الذكية إلى أقوى جهاز إنذار في العالم. السارق لم يعد يواجه كاميرات المراقبة الثابتة فقط، بل يواجه آلاف العدسات المتحركة التي تنشر الفضيحة في أجزاء من الثانية”.
وتضيف الدكتورة إيناس أن سرعة انتشار الفيديو الخاص بالواقعة داخل كمبوند تيجان وعبر مجموعات “الواتساب” و”فيسبوك” خلقت ضغطاً نفسياً على الجاني وجعلت من فكرة اختفائه أمراً مستحيلاً، مؤكدة أن “الأمن الرقمي” اليوم لم يعد مجرد حماية بيانات، بل أصبح وسيلة فعالة للردع المجتمعي.
سيكولوجية “اللص المغامر”.. لماذا “تيجان”؟
طرح التحقيق سؤالاً هاماً: لماذا اختار اللص التسلق في مكان مؤمن وكثيف السكان؟ يرى خبراء الاجتماع أن هذا النوع من الجرائم يعكس “رعونة رقمية”، حيث يسعى المجرم أحياناً للقيام بعمليات مبهرة تمنحه شعوراً زائفاً بالقوة، متجاهلاً أن العمارة في المناطق الحديثة مصممة بطريقة تجعل “الغريب” مكشوفاً تماماً.
خاتمة التحقيق: السخرية كعقاب بديل
انتهت مغامرة “طرزان البساتين” بـ “الكلبش” في يد رجال المباحث، لكن العقوبة الحقيقية بدأت على صفحات السوشيال ميديا. فبينما كان المتهم يدلي بأقواله أمام المقدم أحمد مختار، كان ملايين المصريين يضحكون على تعثراته فوق المواسير.
لقد أثبتت واقعة كمبوند تيجان أن الجريمة لم تعد تنتهي بانتهاء المحضر، بل تظل حية في “ذاكرة التريند”، لتكون درساً قاسياً لكل من يعتقد أن “المواسير” قد تصنع منه بطلاً أو ثرياً، بينما هي في الواقع أسرع طريق إلى “زفة” إلكترونية لا تنتهي.


