أخبارتقارير

بعد تصريحات حمودة المثيرة للجدل.. اللواء أشرف عبد العزيز يفتح النار على فلسفة مواجهة المخدرات في مصر

متابعة / مروان محمد

شهدت الأوساط القانونية، الأمنية، والمجتمعية في مصر حالة واسعة من الجدل الساخن، عقب التصريحات المثيرة التي أدلى بها المحامي الشهير الدكتور محمد حمودة خلال ظهوره ببرنامج “خلاصة الكلام” مع الإعلامية أميرة بدر.

تلك التصريحات أعادت فتح واحد من أخطر الملفات المجتمعية: هل نجحت سياسة التجريم المطلق وحدها في مواجهة المخدرات؟ أم أن الوقت حان لإعادة النظر في فلسفة المواجهة بالكامل؟ .

ولم يكد الشارع يستوعب أبعاد تصريحات حمودة، حتى دخل الخبير الأمني والاستراتيجي اللواء أشرف عبد العزيز على خط النقاش، متبنيًا رؤية أمنية وقانونية مغايرة أثارت جدلًا أوسع، ومطالبًا بـ “ثورة تشريعية” تنقذ الشباب من مقصلة الجنايات وتفرق بين الضحية والجلاد.

د. محمد حمودة: الحشيش في مصر “مضروب” والممنوع مرغوب

فجّر الدكتور محمد حمودة مفاجأة من العيار الثقيل عندما أكد أن الحشيش المتداول داخل مصر لم يعد مادة نقية، بل أصبح “مضروبًا” بخلطات كيميائية مجهولة.

وأوضح حمودة أن الأزمة الكبرى تكمن في عمليات الغش والإضافات الكيماوية القاتلة التي تُخلط بالمواد التقليدية، محذرًا من خطورة التهاون في رصد هذه التحولات.

كما عقد حمودة مقارنة قانونية جريئة بين تعامل التشريع المصري مع الخمور وتعاطي الحشيش، متسائلًا عن سبب التباين في الفلسفة العقابية بينهما. وأشار إلى القاعدة النفسية والاجتماعية التي تقول إن “الممنوع دائماً مرغوب”، لافتًا إلى أن تقليل حالة “التحريم المطلق” قد يؤدي عمليًا إلى خفض معدلات الإقبال لدى بعض الشباب، وهو الطرح الذي قوبل بموجة عنيفة من التأييد والمعارضة.

اللواء أشرف عبد العزيز: تجريم المتعاطي وحده لم ينهِ الظاهرة وتحويله للجنايات يدمر مستقبله

وفي خضم هذا السجال، أضفى اللواء أشرف عبد العزيز بُعدًا أمنيًا واستراتيجيًا مغايرًا، مؤكدًا أن القضية تجاوزت حدود الخلاف القانوني أو الإعلامي لتصبح قضية “أمن قومي وصحة مجتمعية” تستوجب مراجعة شاملة لآليات المواجهة التقليدية

إن التجربة العملية على مدار عقود أثبتت أن سياسة تجريم المتعاطي فقط لم تنهِ الظاهرة، بل ساهمت أحيانًا في تحويل بعض الشباب من مجرد متعاطين إلى عناصر إجرامية خطيرة بعد احتكاكهم داخل السجون بمجرمين محترفين.”

وأضاف الخبير الأمني أن إدخال شاب متعاطٍ لأول مرة إلى دوائر الجنايات والسجون شديدة الخطورة قد يدمر مستقبله بالكامل بدلاً من إنقاذه وإصلاحه، مطالبًا بضرورة إعادة النظر في توصيف بعض قضايا التعاطي البسيطة.

خارطة طريق أمنية وقانونية متوازنة

وطرح اللواء عبد العزيز رؤية محددة تقوم على عدة محاور تشريعية وإجرائية:

تخفيف التوصيف القانوني: تحويل بعض قضايا التعاطي البسيطة (للمرة الأولى وغير المقترنة بالاتجار) إلى “جنح” بدلاً من “جنايات” وفق ضوابط قانونية صارمة.
البدائل العلاجية: إلزام المتعاطي بالخضوع لبرامج علاج وتأهيل ومتابعة دورية بدلاً من عقوبة الحبس.
الفصل الجنائي: الفصل الكامل بين المتعاطي لأول مرة وبين شبكات الاتجار والترويج المنظمة.
الضربات الاستباقية: استمرار الضربات الأمنية العنيفة والشرسة ضد كبار التجار ومصنعي ومهرّبي المواد التخليقية.

وشدد اللواء أشرف على أن هذه الرؤية لا تعني بأي حال من الأحوال “التطبيع مع المخدرات” أو التهاون معها، بل تهدف إلى منع تحويل الشباب إلى “قنابل اجتماعية موقوتة” داخل السجون.

المخدرات التخليقية.. “قنابل كيميائية” رخيصة الثمن

وحذر اللواء عبد العزيز من أن الخطر الحقيقي الذي يهدد الأمن المجتمعي حاليًا ليس المواد التقليدية، بل موجات المخدرات التخليقية والمستحدثة مثل (الشابو، الاستروكس، والآيس)، واصفًا إياها بأنها “قنابل كيميائية” تدمر الجهاز العصبي والعقلي للمتعاطي خلال فترات زمنية قياسية.

وأوضح أن السوق السوداء الناتجة عن التجريم المطلق ساهمت في ظهور هذه البدائل المرعبة، والتي يتم تصنيعها محليًا بخلطات مجهولة ورخيصة الثمن لتحقيق أرباح فلكية على حساب أرواح الشباب، مشيرًا إلى أن كثيرًا من دول العالم بدأت تتجه بالفعل إلى فلسفة “العلاج بدلاً من العقاب” للمتعاطين، مع تشديد الحرب ضد شبكات التهريب والتصنيع.

د. إيناس عبد العزيز: المعركة تحولت إلى “الإنترنت المظلم” والذكاء الاصطناعي هو الحل

 

من جانبها، نقلت الدكتورة إيناس عبد العزيز، خبيرة الأمن الرقمي، النقاش إلى مربع أكثر خطورة، كاشفة عن التحول الرقمي المرعب في طرق ترويج السموم خلال السنوات الأخيرة.

وأكدت د. إيناس أن منصات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المراسلة المشفرة مثل “تيليجرام”، بالإضافة إلى شبكات “الإنترنت المظلم” (Dark Web)، تحولت إلى أسواق رقمية مفتوحة لعرض وبيع المخدرات، تُدار عبر حسابات وهمية وعملات مشفرة (Crypto) يصعب تتبعها بالطرق التقليدية.

وأشارت خبيرة الأمن الرقمي إلى أن مواجهة المخدرات لم تعد تعتمد على الكمائن والأكمنة التقليدية في الشوارع فحسب، بل أصبحت معركة سيبرانية معقدة تحتاج إلى أجهزة برمجية متطورة قادرة على اختراق وتتبع الشبكات الرقمية التي تدير عمليات البيع، الترويج، وغسل الأموال إلكترونيًا

وطالبت بضرورة توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي وتتبع المحافظ الرقمية المشبوهة لمحاصرة هذه الشبكات وتفكيكها في الفضاء السيبراني

بين الردع والعلاج.. هل تبدأ مراجعة حقيقية للسياسة الجنائية؟

بين الطرح القانوني الجريء للدكتور محمد حمودة، والرؤية الأمنية العميقة لللواء أشرف عبد العزيز، والتحذيرات التكنولوجية للدكتورة إيناس عبد العزيز، يقف المجتمع المصري اليوم أمام تساؤلات مشروعة وجوهرية حول مستقبل السياسة الجنائية والتشريعية الخاصة بملف المخدرات:

هل تنجح فلسفة “العلاج والتأهيل” في إنقاذ آلاف الشباب قبل تحولهم إلى مجرمين محترفين خلف القضبان؟
أم أن أي تخفيف في حدة العقوبات أو التوصيف القانوني قد يُفسَّر خطأً باعتباره رسالة تساهل تفتح الباب أمام اتساع رقعة التعاطي؟

الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن الثابت الأكيد أن هذا الملف قد فُتح على مصراعيه، وأن الجدل حوله لن يتوقف قريبًا في ظل عالم تتداخل فيه السموم التقليدية بالخلطات الكيميائية والشبكات الرقمية العابرة للحدود…..

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!